فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 2431

تبدأ عملية الإصلاح بين ركني الأسرة في قضية النشوز باتخاذ إجراءات إصلاحية، وفق ترتيب إلهي حكيم، وبوصف نبوي كريم، فمن تعدى تلك الترتيبات، أو جاوز تلك الأوصاف المقننة لتلك الإجراءات فقد ظلم وتعدى؛ ولذا جاء التحذير واضحًا في ختام الآية الأولى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) بأي نوع من البغي، سواء كان بالقول أو الفعل فضلًا عن اليد أو السوط، وتتمثل تلك الإجراءات في النقاط التالية:

قال تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) [النساء: 34] .

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «عظوهن بكتاب الله. قال: أمره الله إذا نشزت أن يعظها ويذكرها الله، ويعظم حقه عليها» 29.

وقال مجاهد: «إذا نشزت المرأة عن فراش زوجها يقول لها: اتقي الله وارجعي إلى فراشك، فإن أطاعته فلا سبيل له عليها» 30. وقال الحسن: «يأمرها بتقوى الله وبطاعته» 31.

قال تعالى: (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) [النساء: 34] .

أي: «فإن أبين مراجعة الحق في ذلك والواجب عليهن لكم بعد الموعظة، فاهجروهن بترك جماعهن في مضاجعتكم إياهن» 32.

على أن هناك أدبًا في الهجر في المضاجع، وهو ألا يكون هجرًا ظاهرًا في غير مكان خلوة الزوجين، فلا يكون أمام الأطفال، فيورث في نفوسهم شرًا وفسادًا، ولا أمام الأهل أو الغرباء يذل الزوجة، أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزًا، فالمقصود علاج النشوز، لا إذلال الزوجة 33.

فعن معاوية ابن حيدة القشيري رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) 34.

ثم قال ابن حجر: «والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس، وخصوصًا النساء لضعف نفوسهن» 35.

قال تعالى: (وَاضْرِبُوهُنَّ ?) [النساء: 34] .

وهذا إجراء ثالث أكبر من سابقيه، ولكنه أهون وأصغر من تحطيم العلاقة الزوجية بالنشوز، وهذا الإجراء مع أنه أشد، لكنه بحدود، فقد ورد في تفسير الضرب أن يكون الضرب غير مبرحٍ ولا مؤثرٍ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوادع: (ولكم عليهن أن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضربًا غير مبرح) 36.

وقال صلى الله عليه وسلم: (فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، واضربوهن ضربًا غير مبرح) 37.

هذه الإجراءات جاءت لمعالجة أعراض النشوز، وأحيطت بالتحذيرات من سوء استعمالها فور تقريرها وإباحتها، وتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنته العملية في بيته مع أهله وبتوجيهاته علاج الغلو وتصحيح المفهومات 38.

وفي السنة: (ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت) 39.

«فإن حصل المقصود بواحدة من هذه الأمور وأطعنكم، فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب على العيوب التي يضر ذكرها، ويحدث بسببها الشر» 40.

ولكن إذا استشرى النشوز جيء بالمصلحين.

كما قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) [النساء: 35] .

قال سعيد بن جبير: «الحكم أن يعظها أولًا، فإن قبلت وإلا هجرها، فإن هي قبلت وإلا ضربها، فإن هي قبلت وإلا بعث الحاكم حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها» 41.

ومعنى الآية: «وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل واحد منهما في شق، فابعثوا حكمين: واحد من أهل الزوجة، وواحد من أهل الزوج، مكلفين مسلمين عاقلين، يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق» 42.

2.الإصلاح عند نشوز الزوج.

قال تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ? وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ? وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ? وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 128] .

عن عائشة رضي الله عنها قالت: «هو الرجل يرى من امرأته ما لا يعجبه كبرًا أو غيره، فيريد فراقها، فتقول: أمسكني، واقسم لي ما شئت. قالت: ولا بأس إذا تراضيا» 43.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وامسكني، واجعل يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية:(فَلَا جُنَاحَ ) ) 44.

فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة؛ أو أن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق، أو إلى الإعراض، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية، أو فرائضها الحيوية، كأن تترك له جزءًا، أو كلًا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها .. هذا كله إذا رأت هي -بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها- أن ذلك خير لها، وأكرم من طلاقها 45. أي: «أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك، خير من المفارقة بالكلية» 46.

ثم يعقب سبحانه بأن الصلح إطلاقًا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق، فيقول تعالى: (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) ثم يذكر المانع من الصلح وهو الشح، فيقول تعالى: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) .

ثم ينبه سبحانه في ختام هذه الآية على ما يعين ويساعد في حل المشكلة بقوله: (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 128] .

أي: «وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن، تقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء» 47.

3.الإصلاح عند عدم رغبة الزوجة في زوجها.

قال تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ? فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ? وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ? فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ? تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ? وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 229] .

ولقد سلك الشارع الحكيم عددًا من الأمور لإبقاء العصمة الزوجية ومنها:

فالخلع هو: فراق الزوجة على عوض، فالآية تدل بإطلاقها على جواز الافتداء مطلقًا، ولو بكل المال، أما قوله تعالى: (فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ? أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [النساء: 20] .

فهذه الآية محمولة على الأخذ جبرًا بغير رضاها، أو التحايل على ذلك.

والخلع مكروه إلا في حالة مخافة ألا يقيما -أو واحد منهما- ما أمر الله به، وقد ينشأ ذلك عن كراهة العشرة، إما لسوء خلق أو خلق 49، وقد يكون لغير ذلك كما في قصة الصحابية الجليلة امرأة ثابت ابن قيس.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتردين عليه حديقته؟) ، قالت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقبل الحديقة، وطلقها طلقة) 50.

4.الإصلاح عند ظلم الرجل لزوجاته.

قال تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ? فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ? وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [النساء: 129] .

يخبر تعالى أنه ليس في قدرة الأزواج العدل التام بين زوجاتهم، فإن العدل التام يقتضي أن يكون الداعي والحب على السواء، والميل القلبي على السواء؛ ويقتضي مع ذلك الإيمان الصادق والرغبة في مكارم الأخلاق للعمل بمقتضى ذلك، وهذا متعذر غير ممكن؛ فلذلك عذر الله الأزواج، وعفا عنهم عما لا يقدرون عليه، ولكنه أمرهم بالعدل الممكن فقال: (فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: لا تميلوا إلى إحداهن عن الأخرى ميلًا كثيرًا، بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا مستطاعكم من العدل في النفقة والكسوة والقسم في المبيت والفراش، ونحو ذلك مقدور، فعليكم العدل فيها بينهن، بخلاف الحب والوطء وتوابع ذلك، فإن العبد لا يملك نفسه فعذرهم الله، وقوله: (فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ?) يعني: أن الزوج إذا مال عن زوجته، وزهد فيها، ولم يقم بحقوقها الواجبة، فهي كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها، (وَإِن تُصْلِحُوا) فيما بينكم وبين زوجاتكم بوجه من وجوه الصلح، وبمجاهدة أنفسكم على فعل ما لا تهواه النفس احتسابًا وقيامًا بحق الزوجة (وَتَتَّقُوا) الله بامتثال أمره، واجتناب نهيه، (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا) 51.

وقد أمر الله تعالى بالعدل بين الزوجات، وأمر من لم يستطع العدل أن لا يتزوج أكثر من واحدة، ويمكنه أن يجمع معها ملك اليمين؛ لأنه ليس لها من الحقوق كما للحرة.

قال تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى? فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى? وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ? فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ? ذَ?لِكَ أَدْنَى? أَلَّا تَعُولُوا) [النساء: 3] .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) 52. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعدل بين نسائه في القسم، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك) 53، واستمر على ذلك حتى في مرضه صلى الله عليه وسلم، ثم استأذنهن أن يمرض عند عائشة، فأذن له -رضي الله عنهن-54.

5.الإصلاح عند وقوع الظهار.

قال تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ? إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ? وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) [المجادلة: 2] : «يعني أن الله تعالى يحرم قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي» 55. فهو يحرمها على نفسه كحرمة أمه عليه 56. «فمتى شبه زوجته بمن تحرم عليه أو ببعضها إذا أراد الامتناع عن الاستمتاع بها فقد ظاهر من زوجته» 57، وإذا ظاهر الرجل امرأته ترتب على ظهاره حرمة إتيان الزوجة حتى يكفر كفارة الظهار (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ?) [المجادلة: 3] .

ولكن أهل الجاهلية كانوا يعتبرون هذه الكلمة طلاقًا أبديًا، والإسلام اعتبره ظهارًا له كفارة.

فهذه القضية الاجتماعية فيها قسوة على المرأة، وقسوة على الأسرة، بل وقسوة على المجتمع، فبكلمة واحدة كانت المرأة تحرم في الجاهلية، ولكن الإسلام أراد أن يرتقي بالأسرة بالحفاظ عليها من الضياع في ظل منهج ينظم ويقوم حياتها، ويحفظ لها حقها، ويضمن لها سعادتها في دنياها وأخراها من ناحيتين:

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) [المجادلة: 3] .

فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، لا يفرق بين الأيام إلا لعذر شرعي؛ لقوله: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ?) [المجادلة: 4] .

فإن لم يكن يقدر على الصيام فيطعم ستين مسكينًا؛ لقوله: (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًاہ) [المجادلة: 4] .

6.طريقة القرآن في الإصلاح عند وقوع الإيلاء.

قال تعالى: (لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ? فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 226 - 227] .

والإيلاء لغة: الحلف، وفي الشرع: الحلف على ترك وطء المرأة 58.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم حقيقة النفس البشرية، وأهمية بقاء الزوجين مع بعضهما، فنفس عن الزوج والزوجة للمحاولة في الإصلاح بينهما، وعدم بقاء الزوجين في خصام حتى لا تتسع الفجوة، ويطول النزاع، فجعل للزوج الذي يريد أن يصالح زوجته، وأن يراجعها قبل انتهاء مدة التحريم، جعل له كفارة يستطيع إذا فعلها أن يراجع ويصالح زوجته، وهي كفارة اليمين.

وقد جعل الله تعالى للزوجة المطالبة بحقها إذا زاد الإيلاء والبعد عن المدة التي قدرها رب العالمين، وهي أربعة أشهر، فضمن لكل من الطرفين حقه، وأعطاه الفسحة الكافية ليراجع نفسه، ورغبه الشارع في العودة والكفارة، وسهلها عليه تمكينًا وترغيبًا في كسر حاجز القطيعة والبعاد.

«ولكن إذا استمر الرجل في الإيلاء، وجاء وقت انتهاء الفترة التي لا يجوز تجاوزها، فإما أن يراجع الرجل زوجته، أو يفارقها، فإن أبى فالقاضي له حق أن يطلقها منه» 59، وذلك ليحاول كل واحد منهما أن يبدأ حياة أخرى قد تكون أهدأ وأقل خلافًا من التي قبلها؛ ولذا ختم الله تعالى الحكم بقوله: (ژ ڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ ?) [النساء: 130] .

7.الإصلاح عندما لا ترضى المرأة بواقع زوجها المعيشي.

قد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتخيير زوجاته بقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 28 - 29] .

فعن جابر رضي الله عنه قال: «قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد -زوجة عمر- سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عنقها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: (هن حولي يسألنني النفقة) . فقام أبو بكر رضي الله عنه إلى عائشة ليضربها، وقام عمر رضي الله عنه إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده! فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن -أي: نساءه-: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده.

قال: وأنزل الله عز وجل الخيار، فبدأ بعائشة، فقال: (إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تتعجلي فيه حتى تستأمري أبويك) . قالت: وما هو؟ قالت: فتلا عليها: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ} . قالت عائشة رضي الله عنها: أفيك أستأمر أبواي! بل أختار الله ورسوله، وأسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت، فقال: (إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها) 60.

فسبب تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته هو أن زوجاته -رضي الله عنهن جميعًا- سألنه التوسيع عليهن في النفقة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد اختار الله له عيشة الكفاف؛ ولذا قال عمر لهما: تسألان النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟

وهنا يجب التنبيه على أمور:

قال ابن حجر: «قول عائشة وجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار هو أن من خير زوجته فاختارته لا يقع عليه بذلك طلاق» 61.

إجراء التخيير من الوسائل التي يتم من خلالها الإصلاح، وذلك بأن ينبه الزوج زوجته على أن هذا واقعه، وهذا مستواه، وهذه حياته، فإن قبلته على هذه الحياة فبها ونعمت، وإن لم تقبله فلا يوجد مجال إلا أن تختار بين البقاء معه والصبر على ما هي فيه، أو يطلقها ويسرحها سراحًا جميلًا ترتاح فيه من الوضع التي هي فيه، ومن ثم يرتاح الرجل من كثرة انتقاد الزوجة من الناحية الاجتماعية، أو من ناحية الطبائع وغيرها، ويرتاحان من الخلافات اليومية بسبب هذا الأمر.

عندما تعلم الزوجة أن الأمر جدٌ، وأنه لا يوجد حل لها إلا أن تصبر أو تطلق، قد يتغير رأيها للحفاظ على زوجها وبيتها، وتتنازل عن رأيها فتقبل الصبر، وتقبل زوجها، فيحصل الوفاق والصلح بين الزوجين، وهذا هو الذي يرنو إليه الشارع الحكيم.

المحور الثاني: الطرق الإصلاحية لبقاء الحياة الزوجية عند إرادة الطلاق.

قال تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130] .

فالإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال، ولا بالقيود والأغلال، ولكن يجمعهم بالسكن النفسي وبالمودة والرحمة، أو بالواجب والتحمل الممكن.

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] 62.

ومظاهر الإصلاح في حال اختيار طريق الطلاق:

1.الأمر بالمعاشرة بالمعروف والصبر على ذلك.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ? وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ? وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19] .

ففي الآية توجيهات ربانية لكفالة حق الزوجين:

من المعاشرة بالمعروف بالإجمال بالقول، والمبيت والنفقة 63، وأن يتصنع لها كما تتصنع له 64، وفتح الله به باب الأمل: (فَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) ومهما كانت الأسباب والمبررات فإنه يحرم على الزوج إكراه زوجته على ما لا تطيق، ولا أخذ مالها وإرغامها على ذلك من دون طيبة نفس، بل ونهى عن عضلها بمنعها من حقوقها، ولا إلجائها لتفتدي نفسها بمالها، فإن ذلك كله محرم، وقد استثنى منه ما ورد به الشرع في ذلك على الأوصاف والشروط التي نص عليها أهل العلم في الفقه.

2.شرع الطلاق السنة، والعدة بعده.

إذا تعذر الوئام بين الزوجين بعد الأخذ بالتوجيهات الإلهية السابقة، أو رأى المصلحون بينهم أن التفريق لهما خير، فقد شرع الله للزوج أن يطلق زوجته طلاق السنة، وهو: أن يطلقها في طهر لم يقع فيه وطء. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) [الطلاق: 1] .

وفي هذه الفترة قد تتغير النفوس، وتقر القلوب، وفرصة للنفس ومحاسبتها، والنظر في عواقب الأمر قبل الطلاق وبعده، وليكون وقوع الطلاق في وقت تشتهى فيه الزوجة غالبًا، فيكون دليلًا واقعيًا على عدم الوئام بينهما، وليس مجرد عارضٍ، فقد يقدر الله تعالى الصلح، فلا يقع طلاق.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ) [الطلاق: 1] .

3.شرع الطلقة الأولى ثم الثانية، وفي الثالثة تحرم عليه.

قال الله تعالى: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ? فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة: 229] .

ففي الطلقة الأولى تجربة يعلم منها الزوجان حقيقة مشاعرهما، ثم تأتي الطلقة الثانية: محاولة أخرى لعدم انقطاع الحياة الزوجة، أما الطلقة الثالثة: فهي دليل على فسادٍ في تلك الحياة الزوجية (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى? تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) [البقرة: 230] .

فهذه الإجراءات كلها للحفاظ على الرابطة الزوجية، فالرجل عندما يعلم ذلك الحد، فإنه يفكر ويمسك نفسه.

4.لا يجوز أن تخرج المرأة من بيتها، أو تخرج في حال الطلقة الرجعية.

قال تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍٹ) [الطلاق: 1] .

«وذلك لإتاحة الفرصة للرجعة، واستثارة عواطف المودة، وذكريات الحياة المشتركة، حيث تكون الزوجة بعيدة بحكم الطلاق قريبة من العين، ويرى زوجته وما يصيبها من تعب وشدة، فيفعل هذا في المشاعر فعله بين الاثنين؛ ليبقى عقد الزوجية، وتبقى الأسرة المسلمة قائمة يشد بعضها بعضًا» 65.

5.جواز مراجعة الزوجة إذا انقضت العدة في الأولى والثانية بعقد جديد.

قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 232] .

فإن الله سبحانه وتعالى يريد الإصلاح ويحبه، ولو بعد الانفصال وانقضاء الأجل والمهلة، ما لم يبلغ الحد الذي حده الله لعباده من الطلقة الثالثة.

6.إذا أراد الرجل أن يطلق زوجته لا يأخذ منها ما أعطاها إياه من مهر وغيره.

قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 20 - 21] .

وقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] .

«نهوا أن يأخذوا من أزواجهم شيئًا على وجه المضارة، وخص بالذكر ما آتى الأزواج نسائهم؛ لأن العرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها من صداق وجهاز» 66.

فمن الأمور التي تحافظ على بقاء عقد الزوجية أنه إذا أراد الزوج أن يطلق فلا يحل له أن يأخذ شيئًا مما أعطاها إياه، وهذا يجعل الزوج يفكر أكثر من مرة في هذا الأمر؛ لأنه قد يكون أعطاها مالًا كثيرًا، فلا يستطيع أن يتركها من أجل ذلك المال، ثم قد يوفق الله بينهما فيما بعد.

قال تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] .

المحور الثالث: ضوابط الإصلاح الاجتماعي بين الزوجين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت