ولما نزل قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} شق ذلك على المسلمين، وظنوا دخول هذه الخواطر فيه، فنزلت الآية التي بعدها، وفيها قوله: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة:286] .
فبينت أن ما لا طاقة لهم به فهو غير مؤاخذٍ له، ولا مكلف به 50، ومرادهم أن هذه الآية أزالت الإيهام الواقع في النفوس من الآية الأولى 51، وبينت أن المراد بالآية الأولى: العزائم المصمم عليها 52.
ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم، يحاسبكم به الله ويخبركم به، أو يكون ذلك في كتمان الشهادة، فإن تعلنوا الشهادة أو تخفوها يجازيكم بها الله، ثم يغفر للمؤمنين إظهارًا لفضله، ويعذب الكافرين إظهارًا لعدله، يدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله، ولم يقل: يؤاخذكم به، والمحاسبة غير المؤاخذة 53.
وقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} جملة شرطية جوابها: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} .
وقوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا} أي: وإن تظهروا ما في قلوبكم {أَوْ تُخْفُوهُ} يعني: تسروه، فلا يطلع عليه أحد، يطلعكم عليه الله على وجه المحاسبة، ولا يلزم من المحاسبة العقوبة؛ ولهذا قال: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} 54.
قسم العلماء النفس تقسيمات عديدة وفقًا لأحوالها المختلفة، ومن أهم هذه التقسيمات جعلوا النفوس ثلاثة أنواعٍ:
أولًا: النفس الأمارة بالسوء:
وهي التي يغلب عليها اتباع هواها بفعل الذنوب والمعاصي، أي: هي التي تميل إلى الطبيعة البدنية، وتأمر باللذات والشهوات الحسية، وتجذب القلب إلى الجهة السفلية، فهي مأوى الشرور، ومنبع الأخلاق الذميمة، وهذه هي النفس هي التي توسوس لصاحبها وتحدثه بالآثام والتي يجب مجاهدتها.
قال تعالى: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) } [يوسف:53] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} [ق:16] .
ومقام الوسوسة من العبد مقام النفس الأمارة بالسوء، فوسوسة العدو في الصدور، وهو الشيطان المقصود في قوله تعالى: {الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) } [الناس:5] .
ووسوسة النفس في القلب 55.
ثانيًا: النفس اللوامة:
وهي التي تذنب وتتوب فعندها خيرٌ وشرٌ، لكن إذا فعلت الشر تابت وأنابت فتسمى لوامةً؛ لأنها تلوم صاحبها على الذنوب؛ ولأنها تتلوم أي: تتردد بين الخير والشر 56.
فهي تلك التي تنورت بنور القلب عن سنة الغفلة، وكلما صدرت عنها سيئة بحكم جبلتها أخذت تلوم وتعنف نفسها وتتوب عنها، وحالت دون التمادي في العصيان، والتي تلومه كذلك على عدم الاستكثار في الخير 57.
قال تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) } [القيامة:1 - 2] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) } [آل عمران:135] .
ولا يمكن زكاة النفس وطهارتها إلا بعد محاسبتها، وقد ربط ابن القيم بين هذين المعنيين حيث قال: «فإن زكاتها وطهارتها موقوفٌ على محاسبتها، فلا تزكو ولا تطهر ولا تصلح ألبتة إلا بمحاسبتها، فبمحاسبتها يطلع على عيوبها ونقائصها، فيمكنه السعي في إصلاحها» 58.
ووقت الليل هو أفضل الأوقات لمحاسبة الإنسان لنفسه، وأكد الماوردي هذا المفهوم وبين سببه وكيفيته، حيث قال: «ثم عليه أن يتصفح في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن الليل أخطر للخاطر وأجمع للفكر، فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن وانتهى عن مثله في المستقبل» 59.
ثالثًا: النفس المطمئنة:
وهي التي تحب الخير والحسنات وتريده، وتبغض الشر والسيئات وتكره ذلك 60، والتي تعتبر الحوادث الحياتية خيرها وشرها ابتلاء ومحنة، وهي تلك النموذج الذي يسعى إليه الإنسان المسلم، وهي التعبير الصادق عن تلك الحالة التي لا يعرف فيها الفرد أمراض الشبهة والشك والشهوة والبغي، وهي النموذج الأكمل للصحة النفسية التي تؤدي إلى الحياة الطيبة في الدنيا وإلى الفوز والنعيم المقيم في الآخرة 61.
قال تعالى: {يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) } [الفجر:27 - 30] .
من العلماء من يرى أنها ليست ثلاثة أنفس، بل الصحيح عندهم أنها نفس واحدة، فتارة يغلب عليها الاطمئنان فتوصف بأنها نفس مطمئنة، فيقال: إن هذا الإنسان نفسه مطمئنة، وتارة يغلب عليها وصف اللوم، يفعل المرء الشيء ويلوم نفسه عليه، فيقال: هذا الإنسان نفسه لوامة، وتارة يغلب عليه السوء والأمر بالسوء، فهي نفس واحدة تتصف بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة، وهذه تارة، ولا تكون ثلاثة أنفس، وهذا هو الصحيح من أقوال العلماء 62.
الخلاصة: إذا كانت النفس تحت أمر الله تعالى، وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت مطمئنة، وإذا لم يتم سكونها وصارت مدافعة لشهوات النفس أو معترضة عليها سميت لوامة؛ لأنها تلوم صاحبها على تقصيرها في عبادة مولاها، وإن تركت الاعتراض وأذعنت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت أمارة بالسوء.
أولًا: تكليف النفس بقدر وسعها:
جاء هذا المعنى في كثير من الآيات، ويتضح ذلك مما يلي:
قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة:286] .
معنى الآية: {إِلَّا وُسْعَهَا} : إلا طاقتها وقدرتها؛ لأن التكليف لا يرد إلا بفعلٍ يقدر عليه المكلف، أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه ويتيسر عليه دون مدى غاية الطاقة والمجهود، فلا يكلفها ما لا قدرة لها عليه لاستحالته، ولا ما يثقل عليها أداؤه، وتحمل المكروه، ولها ما كسبت من طاعة وعليها ما اكتسبت من معصية 63.
والوسع هو الطاقة والاستطاعة، والمراد به هنا ما يطاق ويستطاع، والمستطاع هو ما اعتاد الناس قدرتهم على أن يفعلوه إن توجهت إرادتهم لفعله مع السلامة وانتفاء الموانع، وهذا دليلٌ على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى؛ لعموم {نَفْسًا} في سياق النفي؛ لأن الله تعالى ما شرع التكليف إلا للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلفهم ما لا يطيقون فعله، وقد امتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78] .
ومن قواعد الفقه العامة «المشقة تجلب التيسير» 64.
ويتضح هذا المعنى أكثر من خلال معرفتنا لسبب نزول الآية، كما جاء في العديد من كتب الحديث:
«عن ابن عباسٍ قال: (لما نزلت هذه الآية: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284] .
قال: دخل قلوبهم منها شيءٌ لم يدخل قلوبهم من شيءٍ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا) قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] ) قال: قد فعلت ( {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة:286] ) قال: قد فعلت ( {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ(286) } [البقرة:286] ) قال: قد فعلت) 65.
وقال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:233] .
هذه الآية جاءت بصيغة: {لَا تُكَلَّفُ} :قال المفسرون: وعلى المولود له، يعني: الأب، أي: على الزوج أجر الرضاع للمرأة المطلقة وطعامها وكسوتها إذا أرضعت الولد {بِالْمَعْرُوفِ} بما يعرفون أنه عدلٌ على قدر الإمكان وهو معنى قوله: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} لا تلزم نفسٌ إلا ما يسعها، يعني: لا يجب على الأب من النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته، وعلى قدر الميسرة 66.
واعتبر الشوكاني قوله: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} هو تقييدٌ بالمتعارف عليه، حيث قال: « {بِالْمَعْرُوفِ} أي: هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منها إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته، لا ما يشق عليه ويعجز عنه» 67.
الخلاصة: لاحظنا أن تكليف النفس بوسعها وبما تطيقه جاء في شتى الجوانب الحياتية العملية، كما تبين من خلال تفسير الآيات السابقة، سواء أكان ذلك في المعاملات بين الناس أو النفقة أو العبادات أو الكيل والميزان أو غيرها، وهذا يدلل على يسر وسماحة شرع الإسلام، ومدى توافقه مع فطرة الإنسان؛ وبالتالي يدلل على رحمة الله تعالى بعباده ورأفته بهم، وهو ما أكدته الآيات السابقة، وهي نصٌ على أنه تعالى لا يكلف العبد ما لا يطيقه، بل مع ما يتناسب ويتوافق مع قدرته وإمكانه.
ثانيًا: تحمل النفس لمسؤولية أعمالها خيرًا أو شرًا:
الآيات التي تحمل معنى هذا العنوان هي آيات مكية، وسبب ذلك أن القرآن المكي أصلًا جاء لغرس العقيدة الصحيحة في النفوس، وبيان أن عمل كل إنسان مرهون بذاته، فهو الذي يقرر ماذا يعمل؟ وبالتالي عليه تحمل نتيجة عمله سواء في الخير أو الشر.
قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) } [فصلت:46] .
عن معنى الآية وما فيها من بلاغة، يقول القرطبي: «قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} شرطٌ، وجوابه: {وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} والله عز وجل مستغنٍ عن طاعة العباد، فمن أطاع فالثواب له، ومن أساء فالعقاب عليه {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} نفى الظلم عن نفسه عز وجل قليله وكثيره، وإذا انتفت المبالغة انتفى غيرها، دليله قوله الحق: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} [يونس:44] » 68.
وقال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء:7] .
يقول تعالى ذكره لبني إسرائيل فيما قضى إليهم في التوراة: إن أحسنتم يا بني إسرائيل، فأطعتم الله وأصلحتم أمركم ولزمتم أمره ونهيه أحسنتم وفعلتم ما فعلتم من ذلك لأنفسكم؛ لأنكم إنما تنفعون بفعلتكم ما تفعلون من ذلك أنفسكم في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله يدفع عنكم من بغاكم سوءًا، وينمي لكم أموالكم، ويزيدكم إلى قوتكم قوةً، وأما في الآخرة فإن الله سبحانه وتعالى يثيبكم به جنانه، ومعنى {فَلَهَا} فإليها، والمعنى: وإن عصيتم الله وركبتم ما نهاكم عنه حينئذٍ، فإلى أنفسكم تسيئون، لأنكم تسخطون بذلك على أنفسكم ربكم، فيسلط عليكم في الدنيا عدوكم، ويمكن منكم من بغاكم سوءًا، ويخلدكم في الآخرة في العذاب المهين 69.
وعن معنى {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} ، قال ابن عاشور: «أننا نرد لكم الكرة لأجل التوبة وتجدد الجيل وقد أصبحتم في حالة نعمةٍ، فإن أحسنتم كان جزاؤكم حسنًا وإن أسأتم أسأتم لأنفسكم، فكما أهلكنا من قبلكم بذنوبهم فقد أحسنا إليكم بتوبتكم، فاحذروا الإساءة كيلا تصيروا إلى مصير من قبلكم، وإعادة فعل أحسنتم تنويهٌ فلم يقل: إن أحسنتم فلأنفسكم، وأسلوب إعادة الفعل عند إرادة تعلق شيءٍ به أسلوبٌ عربيٌ فصيحٌ يقصد به الاهتمام بذلك الفعل» 70.
وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) } [يونس:108] .
يقول تعالى آمرًا لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الاتباع على نفسه، ومن ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه، ويبين لكم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه غير موكلٌ بكم حتى تكونوا مؤمنين به، وإنما أنا نذيرٌ لكم، والهداية على الله تعالى 71.
ومعنى قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ} فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن، والثاني: محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يبق لكم عذر، فمن اهتدى بالإيمان والمتابعة فإنما يهتدي لنفسه؛ لأن نفعه لها، ومن ضل بالكفر بهما فإنما يكون وبال ضلاله على نفسه {وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ} أي: في منعكم من اعتقاد الباطل، ولست بحفيظ عليكم من الهلاك كما يحفظ الوكيل المتاع من الهلاك، ولست موكول إلى أمركم، وإنما أنا بشير ونذير 72.
إن أمراض النفس الإنسانية متنوعة فمنها ما يتعلق بالجانب المادي، ومنها بالجانب المعنوي.
أولًا: الشح:
ومما جاء في الحديث عن ذم الشح والتحذير منه: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) 73.
وعن عبد الله بن عمرٍو رضي الله عنهم قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إياكم والشح، فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا) 74.
وبين الفَخْرُ الرازي أن الشح من صفات النفس، حيث قال: «واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون الظافرون بما أرادوا» 75.
ذكر الشح:
جاء ذكر الشح في القرآن الكريم في العديد من الآيات.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) } [الحشر:9] .
أخرج البخاري في صحيحه: (عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من يضم أو يضيف هذا) فقال رجلٌ من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ضحك الله الليلة، أو عجب، من فعالكما) فأنزل الله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ) 76.
وشح النفس: هو كثرةٌ طمعها، وضبطها على المال، والرغبة فيه، وامتداد الأمل هذا جماع شح النفس، وهو داعية كل خلق سوء، وشح النفس فقرٌ لا يذهبه غنى المال، بل يزيده 77.
وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) } [التغابن:16] .
المعنى: أخبر الله سبحانه وتعالى بأن الأموال والأولاد فتنة، ثم أمرهم سبحانه وتعالى بالتقوى والطاعة فقال: فاتقوا الله ما أطقتم، وبلغ إليه جهدكم، واسمعوا ما تؤمرون به، وأطيعوا الأوامر، أي: اصغوا إلى ما ينزل عليكم وأطيعوا لرسوله فيما يأمركم وينهاكم.
وأنفقوا من أموالكم التي رزقكم الله إياها في وجوه الخير، ولا تبخلوا بها، أي: ائتوا في الإنفاق خيرًا لأنفسكم، أو قدموا خيرًا لها، والظاهر في الآية الإنفاق مطلقًا من غير تقييدٍ بالزكاة الواجبة، وقيل: المراد زكاة الفريضة، أو النافلة، أو النفقة في الجهاد، ومن يوق شح نفسه، فيفعل ما أمر به من الإنفاق، ولا يمنعه ذلك منه، فأولئك هم الظافرون بكل خيرٍ، الفائزون بكل مطلبٍ 78.
وعلى من تكون وجوه الإنفاق في قوله تعالى: {وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} قال ابن كثير: «وابذلوا مما رزقكم الله على الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلى خلق الله كما أحسن إليكم، يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرًا لكم في الدنيا والآخرة» 79.
ثانيًا: الوسوسة:
جاء ذكر الوسوسة في الحديث كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تكلم) 80.
وجاء ذكر الوسوسة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } [ق:16] .
قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} والإنسان يعم جميع الناس ولكن المقصود منهم أولا المشركون؛ لأنهم المسوق إليهم هذا الخبر 81 {وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} أي: ما يختلج في سره وقلبه وضميره، وفي هذا تعريضٌ بالإنذار وزجرٌ عن المعاصي التي يستخفي بها.
{وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} هو حبل العاتق وهو ممتدٌ من ناحية حلقه إلى عاتقه، وهما وريدان عن يمينٍ وشمالٍ، أو الوريد: الوتين وهو عرقٌ معلقٌ بالقلب، وهذا تمثيلٌ للقرب، أي: نحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه، وليس على وجه قرب المسافة، وقيل: أي ونحن أملك به من حبل وريده مع استيلائه عليه، وقيل: أي: ونحن أعلم بما توسوس به نفسه من حبل وريده الذي هو من نفسه؛ لأنه عرقٌ يخالط القلب، فعلم الرب أقرب إليه من علم القلب.82
وفائدة الإخبار بأن الله يعلم ما توسوس به نفس كل إنسانٍ: التنبيه على سعة علم الله عز وجل بأحوالهم كلها، فإذا كان يعلم حديث النفس فلا عجب أن يعلم ما تنقص الأرض منهم، والإخبار عن فعل الخلق بصيغة الماضي ظاهرٌ، وأما الإخبار عن علم ما توسوس به النفس بصيغة المضارع فللدلالة على أن تعلق علمه سبحانه وتعالى بالوسوسة متجددٌ غير منقضٍ ولا محدودٍ؛ لإثبات عموم علم الله سبحانه وتعالى، والكناية عن التحذير من إضمار ما لا يرضي الله.
«ومعنى توسوس: تتكلم كلامًا خفيًا همسًا، ومصدره الوسواس، والوسوسة أطلقت هنا مجازًا على ما يجول في النفس من الخواطر والتقديرات والعزائم؛ لأن الوسوسة أقرب شيءٍ تشبه به تلك الخواطر وأحسن ما يستعار لها؛ لأنها تجمع مختلف أحوال ما يجول في العقل من التقادير وما عداها من نحو ألفاظ التوهم» 83.