كما وعد سبحانه كل من يأتي بشيء من ذلك الخير الذي رغب فيه القرآن الكريم بالأجر العظيم؛ فقال عز وجل: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) } [النساء: 114] .
يعني: لا خير في كثير من محاورات الناس وأحاديثهم التي يسرونها فيما بينهم، إلا ما اشتمل منها على دعوة إلى فعل خير كـ: (الصدقة، والمعروف، والإصلاح بين الناس) ؛ فالنجوى: هي المسارة في الحديث.
والمقصود من الآية: التربية الاجتماعية للمسلم، فإن شأن المحادثات، والمحاورات أن تكون جهرة، فلا يصار إلى المناجاة إلا في أحوال شاذة يناسبها إخفاء الحديث، ومعنى {لَا خَيْرَ} أنه شر، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، كقوله تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ} [يونس: 32] .
وقد نفت الآية الخير عن كثير من نجواهم، فعلم من مفهوم الصفة أن قليلًا من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع، كالتشاور في أمر نكاح ونحوه.
والاستثناء في قوله {إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} على تقدير مضاف، أي: إلا نجوى من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس.، وهذه الثلاثة المستثناة: لو لم تذكر لدخلت في القليل من نجواهم الثابت له الخير، فكان ذكرها للعناية والتنويه بشأنها.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} وعدٌ بالثواب على فعل المذكورات إذا كان لابتغاء مرضاة الله تعالى؛ فدل على أن كونها خيرًا وصف ثابت لها لما فيها من المنافع، ولأنها مأمور بها في الشرع، إلا أن الثواب لا يحصل إلا عن فعلها ابتغاء مرضاة الله تعالى؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات) 51.
كما بين لنا القرآن الكريم: أن أي عمل من أعمال الخير والبر مهما دق في عين صاحبه فإنه يثاب عليه إذا كان خالصًا لوجه الكريم موافقًا للشرع الحكيم؛ وذلك في قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة: 7 - 8] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) } [النساء: 40] .
فهاتان الآيتان الكريمتان تشيران إلى: أن الله تعالى لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة، ولا كبيرة، خيرًا كانت أم شرًا، من مسلم كانت أم من كافر، لاسيما إذا كانت الذرة لا وزن لها.
وعليه قال ابن عباس رضي الله عنه: «فمن يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرًا يره في الدنيا، ولا يثاب عليه في الآخرة، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا عوقب عليه في الآخرة مع عقاب الشرك، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا، ولا يعاقب عليه في الآخرة ويتجاوز عنه، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه، ويضاعف له في الآخرة» 52.
ثالثًا: القائمون بالأعمال التطوعية أهل لمحبة الله تعالى ورضوانه:
قال سبحانه: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) } [آل عمران: 133 - 134] .
والعفو عن المسيء يعد من جملة التطوع بالترك، كما سيأتي لذلك مزيد بيان- بمشيئة الله تعالى-عند حديثنا عن مجالات التطوع الاجتماعي في القرآن الكريم.
رابعًا: ذم أولئك الذين يحول داعي الشح والبخل بينهم وبين التطوع:
لقد ذم الله تعالى البخل في غير آية من كتابه الكريم، وبين أنه قد يحمل صاحبه على الإمساك عن إخراج الواجب؛ فضلًا عن المستحب، وأن أولئك الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله على المحاويج من عباده، قد أضروا بدينهم ودنياهم.
قال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) } [آل عمران: 180] .
فالآية هنا تبين لأولئك البخلاء حال البخل وشؤم عاقبته، وتخطئة أهله في توهم خيريته، كما أكدت أن البخل شرٌ لهم؛ إذ التنصيص على شريته هنا مع فهمها من نفى الخيرية إنما ورد للمبالغة 53.
وفي تذييل الآية بقوله تعالى {وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} تنبيه لأولئك الغافلين إلى أن ثمة شيء من رواسب الجاهلية قد ران على قلوبهم، وأن تلك الرواسب تتنافى مع نور الإيمان الذي يدرك معه المؤمن أن ما استخلفه الله عليه في هذه الدنيا إنما هو ملكية مجازية، وأن الملكية الحقيقية المطلقة لله الواحد القهار خالق القوى والقدر، فهو سبحانه له ميراث السموات والأرض؛ فتدفع تلك العقيدة المؤمن دفعًا لإنفاق المال تطوعًا في سبيل الله عن اطمئنان ورضا، «أما حين يقفر القلب من نور الإيمان الصحيح، فالشح الفطري يهيج في نفسه كلما دعي إلى نفقة أو صدقة، والخوف من الفقر يتراءى له فيقعد به عن البذل، فيبقى سجين شحه وخوفه بلا أمن ولا قرار 54.
وفي ختام هذا المبحث أود أن أشير لأمرين:
أولهما: أن الأعمال التي قد تعد من قبيل المشترك الإنساني والتي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات؛ كمساعدة الفقراء والمحتاجين ونحو ذلك، أضفى عليها الإسلام مفهومًا خاصًا ينبع من شموليته؛ ويؤكد على استقلال هوية من يدينون به؛ فمساعدة الفقراء والمحتاجين مثلًا، والتي قد تأخذ في بعض المجتمعات مسمى (المعونات) أو نحوه، سماها الإسلام (صدقة) وجعلها لا تقتصر على إعطاء الفقير والمحتاج فقط؛ وإنما تتسع لتشمل الكثير من أعمال الخير والبر كـ: العدل بين المتخاصمين، وإماطة الأذى عن الطريق، وغيرها من أفعال الخير التي لا تحصى.
ثانيهما: أن ديننا الإسلامي قد أعلى من شأن الأعمال التطوعية، عندما قرن حبيبنا صلى الله عليه وسلم بين بعض مجالاتها وبين الإيمان؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون-أو بضع وستون-شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) 55.
1.لقد أسلفنا في فاتحة هذا البحث أن العمل التطوعي يدخل في عموم فعل الخير المأمور به في كثير من آيات القرآن الكريم: التي من أجمعها قوله تعالى: (افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77] .
فـ {الْخَيْرَ} هنا أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة؛ يعني: افعلوا كل ما يصح أن يطلق عليه لفظ «خير» من الصلة، والإحسان، وحسن المعاملة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وسائر مكارم الأخلاق 56.
ومن ثم كانت هذه الدعوة القرآنية {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تصلح أن تكون بمفردها دافعًا رئيسًا يدفع المسلم دفعًا للمساهمة في الأعمال التطوعية ابتغاء الأجر من الله تعالى.
وفي ضوئها: يمكننا تلخيص الدافع الرئيس الذي يدفع المسلم للقيام بالأعمال التطوعية، ويميزه عن غيره ممن يقومون بمثل هذه الأعمال في: نيل رضا الله تعالى ومحبته، وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه.
ويعد العمل التطوعي:
أولًا: من أسمى صور التعاون على البر والتقوى المأمور بهما شرعًا.
في نحو قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .
فالبر لغة: يعني التوسع في فعل الخير، كما أسلفنا، وهو في الآية يعني: الصلة والخير والاتساع في الإحسان والصدقة، وسائر أعمال الخير المقربة إلى الله تعالى 57.
ثانيًا: صورةً من صور شكر المنعم سبحانه وتعالى.
فالشكر الحقيقي يكون باللسان قولًا، وبالجوارح عملًا؛ فيبذل العبد جوارحه في طاعة المنعم سبحانه، ويكفها عن معصيته.
قال تعالى حكاية عن داود وسليمان عليهما السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 10 - 13] .
فبعد أن عدد سبحانه نعمه على داود وسليمان عليهما السلام، عقب ذلك بقوله سبحانه: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} أي: اشكروا يا آل داود ربكم على هذه النعم الجليلة واعملوا بطاعته شكرًا له سبحانه: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} أي: وقليل من العباد من يقوم بهذا الشكر، ولعل حديث السلامى المشار إليه -سابقًا- يؤيد هذا المعنى ويؤكده.
ثالثًا: وسيلة مهمة لاستثمار الوقت.
الذي يستشعر المسلم قيمته وأهميته في حياته، عندما يتدبر القسم الوارد في القرآن الكريم في نحو قوله تعالى: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) } [الضحى: 1 - 3] .
وغيرها من الآيات الكريمة التي يقسم فيها ربنا سبحانه بالزمن أو أجزائه.
وعندما يتدبر إشارة القرآن الكريم إلى تعاقب الليل والنهار على الإنسان؛ ليعمل في النهار، ويستريح في الليل، وأن ذلك آية من آياته سبحانه؛ وذلك في قوله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) } [الروم: 23] .
فيفهم المسلم-من التنصيص على تلك القضية-ضرورة احترام الوقت، وأهميته في حياته.
وفضلًا عن هذا وذاك: فإن في كتاب الله تعالى ما يدفع المسلم دفعًا لاستثمار كل لحظة من لحظات عمره فيما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه، عندما يقرأ نحو قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) } [المنافقون: 9 - 11] .
أقول: لو استشعر المسلم تلك اللحظة التي قد يتمنى فيها مهلة قصيرة يقدم فيها عملًا صالحًا، بعد أن ضيع عمرًا طويلًا هدرًا؛ لدفعه ذلك دفعًا لاستثمار كل لحظة من لحظات عمره فيما يعود عليه بالنفع في دينه ودنياه.
ثم إن مما ينبغي التأكيد عليه في معرض حديثنا عن دوافع التطوع: أنه إن كانت «الراحة النفسية التي يشعر بها المتطوع من جراء مساعدة الآخرين دون مقابل، أو الرغبة في زيادة احترام الذات، أو الرغبة في شغل أوقات الفراغ» 58 «أو اكتساب مهارات وخبرات جديدة قد يحتاجها المتطوع مستقبلًا في حياته العملية، والتي قد لا تتوفر له إلا من خلال مراكز التطوع» 59، أو غيرها من الدوافع الأخرى هي التي تدفع المتطوعين للتطوع في مختلف المجالات والميادين؛ فإنا نجد المسلم: وإن شاركهم فيها أو في بعضها يتميز عنهم بدافع آخر اكتسبه من هويته الإسلامية؛ فتميز به على سائر المشتغلين بالعمل التطوعي، وهو الدافع الذي أشرنا إليه من قبل وهو: (نيل رضا الله تعالى ومحبته وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه) . وهو الذي تشهد له نصوص القرآن الكريم.
فالمستقرئ لنماذج التطوع الاجتماعي المبسوطة في القصص القرآني يجد أن القاسم المشترك بين أبطال هذه الأعمال التطوعية والدافع الرئيس الذي دفعهم للقيام بها هو: ابتغاء الأجر من الله تعالى وحده سبحانه.
فموسى عليه السلام: سقى للفتاتين وهو الغريب الذي لا يعرف ولا يعرف {فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص: 24] .
سقى لهما ولم ينتظر أجرًا على ما فعل، لم ينتظر منهما جزاء ولا شكورًا؛ وما دفعه إلى ذلك إلا ما أودعه الله تعالى في قلبه وفطره عليه من حب الخير والمسارعة فيه ابتغاء رضا ربه ومولاه.
والخضر: لما أنكر عليه موسى بناء الجدار بدون أجر وقال له: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} [الكهف: 77] .
قال له: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ} [الكهف: 78] . أي: هذا وقت الفراق بيننا حسبما قلت أنت: {إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي} [الكهف: 76] .
إن دافعه لبناء الجدار أكبر وأعظم من الأجر الدنيوي، إنه طاعة ربه سبحانه وابتغاء فضله ورحمته.
وذو القرنين: لما قالوا له {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا} أي: نفرض لك جزءا من أموالنا ضريبة وخراجًا {عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} [الكهف: 94] .
أي: لتبني لنا سدًا يحمينا من شر يأجوج ومأجوج؛ رد عليهم ردًا ينبئ عن شهامة الرجال، ويبرز معدن أهل الصلاح؛ حيث رفض قبول المال وتطوع ببناء السد، واكتفى بمعونة الرجال له في البناء؛ فقال: {مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} [الكهف: 95] .
أقول: إن المستقرئ للآيات الكريمة التي تحكي لنا القصص المشار إليها آنفًا: يجد أن الدافع الرئيس الذي يجمع بين من قاموا بتلك الأعمال المشار إليها في الآيات السابقة هو: نيل رضا الله تعالى ومحبته وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه.
بل إن المستقرئ لآيات القرآن الكريم يجد هذا الدافع متأصلًا في كل دعوة خير وصلاح في القرآن الكريم؛ خذ مثلًا:
قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) } [الليل: 17 - 20] . أي: لا يفعل ذلك مكافأة لأحد على نعمة أنعمها عليه، وإنما إنفاقه لوجه الله وابتغاء مرضاته 60.
وقوله تبارك اسمه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) } [الإنسان: 8 - 9] .
أي: ويطعمون الطعام مع حبهم وشهوتهم له وحاجتهم إليه، ولكنهم يؤثرون المحتاجين على أنفسهم، أو أن حبهم لله أنساهم حبهم للطعام فآثروا به غيرهم، وهم حين يفعلون ذلك فإنما يفعلونه {لِوَجْهِ اللَّهِ} وابتغاء مرضاته وطلب ثوابه، فلا يبغون مكافأة الناس ولا حمدهم وثناءهم، وإنما حسبهم رضا ربهم سبحانه 61.
نعم: إن الدافع الرئيس للعمل التطوعي عند المسلم هو (نيل رضا الله تعالى ومحبته وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه) ؛ فذلكم هو المحرك الرئيس الذي يدفع المسلم لفعل الخير على سبيل العموم، ويجعله أكثر إقبالًا من غيره على العمل التطوعي؛ ففي دراسة ميدانية: «حصلت الأعمال الخيرية المرتبطة مباشرة بطلب الأجر والثواب من الله تعالى على تراتيب متقدمة ضمن قائمة المجالات التطوعية المرغوبة من وجهة نظر أفراد عينة الدراسة» 62.
1.يبنى العمل التطوعي على أسس، منها:
أولًا: الإيمان.
فالإيمان بالله تعالى هو القاعدة الأساسية لقبول الأعمال؛ فمن تطوع بأي عمل دون إيمان كان تطوعه مردودًا عليه؛ لقوله تعالى: {وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) } [التوبة: 54] .
وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) } [التوبة: 17] ؛ فكفرهم كان مانعًا من قبول نفقاتهم في الآية الاولى، وعمارتهم للمساجد في الآية الثانية 63.
ثانيًا: الإخلاص لله عز وجل.
لأنه إذا كان الدافع الرئيس للمسلم نحو العمل التطوعي هو (نيل الثواب من الله عز وجل) - كما أسلفنا- وإذا كانت الأمور بمقاصدها، ولا ثواب إلا بالنية، كما يفهم من قوله تعالى {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .
وكما يفهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) 64 فإنه يتأكد لنا أن الإخلاص هو روح أي عمل؛ «وأن العمل لا يكون صالحًا أو مقبولًا إلا بتوسط الإخلاص الذي هو عمل القلب» 65؛ فرب صائم لا حظ له من صيامه إلا العطش، ورب قائم لا حظ له من قيامه إلا السهر، إن دخل الرياء، وغاب الإخلاص.
ومن ثم: فإنه يجب على المتطوع أن يخلص عمله لله عز وجل وحده، لا يريد بذلك حمدًا من الناس ولا ثناءً، ولا سمعة ولا عجبًا ولا رياء، ولا جلب نفع، أو دفع ضر، وذلك أمر لا يقوى عليه إلا من وفقه الله تعالى له.
يضاف إلى ذلك: أن هذا الإخلاص - فضلًا عن أنه معيار قبول العمل- يحول التطوع الاجتماعي إلى عبادة، ينال بها العبد الثواب والأجر من الله تعالى؛ وبسببه يعظم الجزاء مع قلة العمل، وقصة بغي بني إسرائيل، التي سقت كلبًا؛ فغفر الله لها مشهورة معروفة 66.
ثالثًا: مراعاة حال الناس وأعرافهم.
فرب متطوع بعمل أو شيء لفئة يستهدفها بتطوعه وهو يظن أنه يوفر لهم شيئًا ضروريًا به قوام معاشهم، ولكن لجهله بعاداتهم وأعرافهم، تذهب ثمرة تطوعه سدى، ولا ينتفعون به؛ ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك: ما ذكره الشيخ عبدالرحمن السميط رحمه الله من أن أهل الصومال لا يأكلون الدجاج، وينظرون إلى من يأكل الدجاج منهم نظرة استصغار، بل إن بعضهم لا يزوجه ولا يتزوج منه، وأن أحد أهل الخير قد أخبر الشيخ أنه يريد التبرع بمليون دجاجة لمسلمي الصومال؛ فأخبره الشيخ بعادتهم تلك؛ وطلب منه أن يتبرع بشيء آخر.
رابعًا: الترجيح بين الأعمال التطوعية إذا تزاحمت.
وذلك الترجيح يتسق تمام الاتساق مع فقه الأولويات، أو الموازنة بين المصالح والمفاسد الذي أشار إليه القرآن الكريم في بعض آياته الكريمة، منها: قوله تعالى حكاية عن الرجل الصالح {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) } [الكهف: 79] .
فكما أن المفاسد تتفاوت، وبعضها أفسد من بعض؛ فكذلك المصالح بعضها أهم من بعض؛ فيوازن ويرجح بينها بتقديم الأهم على المهم؛ والمصلحة العامة على الخاصة، والدائمة على المنقطعة، والمتيقنة على المظنونة، والجوهرية على الشكلية - على التفصيل الذي قرره الفقهاء والأصوليون في بابه 67.
وعليه: فإن العمل التطوعي الذي يستهدف تحقيق الضروريات، يقدم بلا شك على غيره من الأعمال التطوعية التي تستهدف الحاجيات أو التحسينيات، وعمل تطوعي نفعه عام يقدم بلا شك على تطوع نفعه خاص؛ لاسيما وقد قرر الفقهاء «أن الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة» 68.