فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 2431

ظهرت مهمة الشيطان وعداوته لآدم وذريته، والله تعالى يقول: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ} أي: أوقعهما في الزلة، وهي العثرة أو الكبوة، وهو الميل والعدول 103، كيف حدث ذلك والله تعالى قد نصح آدم وزوجه ألا يتبعا الشيطان، وأبلغه أنه عدو لهما، في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] .

فالعداوة معلنة ومسبقة، ولنفرض أنها غير معلنة، ألم يشهد آدم الموقف الذي عصى فيه إبليس أمر الله ولم يسجد له؟ ألم يعرف تكبره عليه، قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} ، {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} كل هذا كان ينبغي أن ينبه آدم إلى أن إبليس لن يأتي له بخير أبدًا، ولم يكتف الله عز وجل بهذه الدلالات، بل أخبر آدم أن الشيطان عدو له ولزوجه.

قال تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من ماذا أخرجهما؟ من العيش الرغيد، واسع النعمة في الجنة، ومن الهدوء والاطمئنان في أن رزقهما يأتيهما بلا تعب 104.

فقال إبليس كاذبًا: إن من يأكل من هذه الشجرة يصبح ملكًا، ويصبح خالدًا لا يموت. ووسوسة الشيطان تتم بكلام كاذب لتزيين المعصية، والشيطان لا يهمه أي معصية ارتكبت؛ وإنما يريدك عاصيًا على أي وجه، ولكن النفس عندما توسوس لك بالمعصية، تريد شيئًا بذاته، وهذا هو الفرق بين وسوسة الشيطان، ووسوسة النفس؛ فالشيطان يريدك عاصيًا بأي ذنب، فإن امتنعت في ناحية أتاك من ناحية أخرى، فقد قال لآدم: {هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} ولكن هذه المحاولة لم تفلح، فقال لهما: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} وفات على آدم أنه لو كان هذا صحيحًا لأكل إبليس من الشجرة، ولم يطلب من الحق سبحانه وتعالى أن يمهله إلى يوم الدين 105.

أما كيف تتم الوسوسة؟ فلا ندري؛ لأننا لا ندري كنه الشيطان حتى ندرك كيفيات أفعاله، وكذا اتصاله بالإنسان وكيفية إغوائه، ولكننا نعلم -بالخبر الصادق- أن إغواءه على الشر يقع في صورة من الصور، وإيحاء بارتكاب المحظور يتم في هيئة من الهيئات، وأن هذا الإيحاء وذلك الإغواء يعتمدان على نقاط الضعف الفطرية في الإنسان، وأن هذا الضعف يمكن اتقاؤه بالإيمان والذكر حتى ما يكون للشيطان سلطان على المؤمن الذاكر، وما يكون لكيده الضعيف حينئذ من تأثير 106.

وقد رويت أخبار في صفة استزلال إبليس عدو الله آدم وزوجته حتى أخرجهما من الجنة، وأولى ذلك بالحق ما كان لكتاب الله موافقًا، وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته {لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} ، أنه قد باشر خطابهما بنفسه، إما ظاهرًا لأعينهما، وإما مستجنًا في غيره، وقد استخدم إبليس في إيقاع آدم عليه السلام في شباكه شيئين:

أولهما: عرض الإغراءات الخطيرة، وهي الملك والخلود في الجنة.

ثانيهما: القسم بالحلف الكاذب 107.

عداوة إبليس لآدم:

عن جابر بن عبد الله: «أن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض هبط بالهند، وأن رأسه كان ينال السماء، وأن الأرض شكت إلى ربها عز وجل ثقل آدم عليه السلام، فوضع الجبار عز وجل يده على رأسه فانحط منه سبعون ذراعًا، فلما أهبط قال: رب هذا العبد الذي جعلت بيني وبينه عداوة إن لم تعينني عليه لا أقوى عليه. فقال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكًا. قال: رب زدني. قال: أجازي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشرًا إلا ما أزيد. قال: رب زدني. قال: باب التوبة له مفتوح ما دام الروح في الجسد. فقال إبليس: يا رب، هذا العبد الذي أكرمته إن لم تعينني عليه لا أقوى عليه. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك. قال: رب زدني. قال: تجري مجرى الدم وتتخذ في صدورهم بيوتًا. قال: رب زدني. قال: {وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الإسراء: 64] 108.

إن عداوة إبليس آدم وذريته، حسده إياه، واستكباره عن طاعة الله في السجود له، فهي كفرٌ بالله 109.

يقول الله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] .

ويقول أيضًا: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 16 - 18] .

ويقول أيضًا: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 75 - 83] .

ويقول: {فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه: 117] .

لم يزل الشيطان دائبًا جادًا مشمرًا في عداوة بني آدم عليه السلام منذ كان أبوهم طينًا، فقال تعالى: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} [الإسراء: 61] .

فلما سأله الله عز وجل عن سبب امتناعه من السجود واستكباره عن أمر ربه فقال سبحانه له: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] .

فأجاب الخبيث مفتخرًا بأصله طاعنًا على ربه تعالى في حكمته وعدله: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

فعامله الجبار بنقيض ما قصده وأذاقه وبال حسده، وأثمر له استكباره الذل الأبدي الذي لا عز بعده: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف: 13] .

وقال: {اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا} [الأعراف: 18] .

وقال: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 34 - 35] .

فطلب الإنظار ليأخذ بزعمه من آدم وذريته بالثأر، ولا يعلم أنه بذلك إنما يزداد من غضب الجبار، وقد علم أنه لا سبيل له إلا على حزبه وتابعيه من الكفار، الذين هو إمامهم في الخروج عن طاعة الله والاستكبار {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [ص: 79 - 80] .

أجابه الله تعالى إلى طلبته ليمتحن عباده اختبارًا وابتلاءً: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [تبارك: 2] .

فقابل النعمة بالكفران، وأقسم ليستعملن مدته، وليستغرقن حياته في إغواء ذرية آدم الذين كان طرده وإبعاده بسببهم؛ إذ لم يسجد لأبيهم، ولا رأى أن ذلك باستكباره عن أمر ربه، بل قدس نفسه اللئيمة، وأسند الإغواء إلى ربه مخاصمةً ومحادةً ومشاقةً: {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [الأعراف: 16 - 17] .

ولم يقل اللعين: «من فوقهم» لعلمه أن الله تعالى من فوقهم، قال الله سبحانه: {هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] .

وقد علم الرجيم ذلك فقال آيسًا منهم: {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40] .

ثم لما سعى إلى آدم وحواء زوجه في الجنة ودلهما على تلك الشجرة التي نهاهم الله عز وجل عنها أن يقربوها، وأباح لهم ما سواها من الجنة، فاستدرجهم اللعين بخداعه، وغرهم بتلك اليمين الفاجرة: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 21] .

فنفذ قضاء الله تعالى وقدره بأكلهما منها: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] .

وظن اللعين أنه قد أخذ بثأره من آدم وأنه قد أهلكه معه، ولم يعلم بفضل الله عز وجل وسعة رحمته الذي لا يقدر أحدٌ على شيءٍ منه: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29] .

فلما عاتبهما الله تبارك وتعالى على ذلك بقوله: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22] .

فلم يعترضا على قضاء الله وقدره، ولم يحتجا بذلك على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولم يخاصما به كما قال اللعين مواجهًا ربه بقوله: {فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الأعراف: 16] .

بل اعترفا بقدرة الله عليهما، وأقرا بظلمهما لأنفسهما، وصرحًا بافتقارهما إلى ربهما وبكمال غناه عنهما: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .

ثم أراد الله سبحانه أن يهبطهم إلى دارٍ أخرى، هي دار الامتحان والابتلاء، ونصب الحرب في هذه الدار؛ {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ} فقال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 38 - 39] .

ثم كان من كيد الشيطان إلقاؤه الفتنة بين ابني آدم، وقتل أحدهما الآخر 110.

بداية العداوة بين الشيطان والإنسان:

ابتداؤها من الشيطان، وسببه تكريم الله بني آدم؛ لما رأى إبليس ربه كرم آدم وبنيه عاداهم، فعاداه الله تعالى، والأولى منه لؤمٌ، والثانية من الله كرمٌ، أما الأول: فلأن الملك إذا أكرم شخصًا ولم ينقص من الآخر شيئًا، فعداوة من يعادي ذلك المكرم لا تكون إلا لؤمًا، وأما الثاني: فلأن الملك إذا علم أن إكرامه ليس إلا منه؛ وذلك لأن الضعيف ما كان يقدر أن يصل إلى بعض تلك المنزلة لولا إكرام الملك، يعلم أن من يبغضه ينكر فعل الملك فيحسن التعذيب عليه فيعاديه إتمامًا للإكرام، ثم إن كثيرًا من الناس على مذهب إبليس إذا رأوا واحدًا عند ملكٍ محترمًا بغضوه وسعوا فيه إقامةً لسنة إبليس 111.

[انظر: الإنسان: الإنسان والشيطان]

أكل أدم وحواء من الشجرة التي نهاهما الله عنها، وعصيا الله عز وجل فأخرجا من الجنة، فانتابهما من الحسرة والألم ما الله أعلم به، ويبدأ العتاب الرباني: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف: 22] .

وهنا يبدأ آدم عليه السلام بالتضرع والرجوع إلى الله عز وجل. يقول الله تعالى حاكيًا حال آدم وحواء: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .

فأكرمه الله عز وجل بقبول التوبة، يقول الله عز وجل: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .

وقال: {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 123] .

ولقد أجمع الحجة من العلماء على توجيه التلقي إلى آدم دون الكلمات 112، والتلقي هنا معناه: الأخذ والقبول، أي: يتقبله ويأخذه 113.

أولًا: الكلمات التي تلقاها آدم من ربه:

اختلف أهل التأويل في أعيان الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.

فعن ابن عباسٍ: «قال آدم: أي رب، ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تنفخ في من روحك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: أي رب، ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى، قال: أرأيت إن أنا تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم، قال: فهو قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] » 114.

وعن ابن عباسٍ قال: «لما أصاب آدم الخطيئة فزع إلى كلمة الإخلاص، فقال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءًا، وظلمت نفسي، فاغفر لي وأنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءًا وظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم» 115.

ويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه السلام اعتذارًا وتنصلًا، وكلمات الحق سبحانه قبولًا وتفضلًا، وعلى لسان التفسير أن قوله تعالى له: أَفِرَارًا منَا يا آدم؟ كذلك قوله عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} ، وقوله: أمخرجي أنت من الجنة؟ فقال: نعم، فقال أتردني إليها؟ فقال: نعم 116.

وقيل إنها: جاءت في القرآن مفسرة في قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .

ومن المعلوم أن من هو دون آدم من الكفار والفساق، إذا تاب أحدهم إلى الله توبة نصوحًا تاب الله عليه، وإن لم يقسم عليه بأحد، ونبينا ما أمر أحدًا في توبته بمثل هذا الدعاء 117.

نفذ قضاء الله تعالى وقدره بأكلهما منها: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] .

وظن اللعين أنه قد أخذ بثأره من آدم وأنه قد أهلكه معه، ولم يعلم بفضل الله عز وجل وسعة رحمته الذي لا يقدر أحدٌ على شيءٍ منه: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29] .

فلما عاتبهما الله تبارك وتعالى، لم يعترضا على قضاء الله وقدره، ولم يحتجا بذلك على ارتكاب ما نهى الله عنه، ولم يخاصما به.

بل اعترفا بقدرة الله عليهما، وأقرا بظلمهما لأنفسهما، وصرحا بافتقارهما إلى ربهما وبكمال غناه عنهما: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .

ثم أراد الله سبحانه أن يهبطهم إلى دارٍ أخرى، هي دار الامتحان والابتلاء 118.

وإن هذه الكلمات تتضمن الإقرار والاستغفار، ومن ندم واستغفر وتاب، غُفِرَ له، وإن كان دون آدم عليه السلام، فحصل بها المقصود ولم يحتج لغيرها 119.

فأما آدم فسأل التوبة فتيب عليه، وأما إبليس فسأل النظرة، فأُنْظِر 120.

ثانيًا: الخطيئة الموروثة لبني آدم:

فكرة الإسلام عن الخطيئة والتوبة، فالخطيئة فردية والتوبة فردية، فليست هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده -كما تقول نظرية الكنيسة-.

فخطيئة آدم كانت خطيئةً شخصية، والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة، وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصية، والطريق مفتوح للتوبة.

يحمل كل إنسان وزره، ويوحي إلى كل إنسان بالجهد وعدم اليأس والقنوط، {إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 12] 121.

يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .

ويقول تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} [الأعراف: 189] .

يا بني آدم خلقكم: فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم، والعطف في قوله: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} فيه وجهان:

أحدهما: أن يعطف على محذوف، كأنه قيل: من نفس واحدة أنشأها أو ابتدأها، وخلق منها زوجها. والمعنى: شعبكم من نفس واحدة أنشأها من تراب وخلق زوجها حواء، {وَبَثَّ مِنْهُمَا} نوعي جنس الإنس.

والثاني: أن يعطف على {خَلَقَكُمْ} ، والمعنى: خلقكم من نفس آدم، وخلق منها أمكم حواء، {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} غيركم من الأمم الفائتة للحصر.

والذي يقتضيه سداد نظم الكلام وجزالته أن يجاء عقيب الأمر بالتقوى بما يوجبها أو يدعو إليها، فكان خلقه إياهم من نفس واحدة موجبًا للتقوى وداعيًا إليها؛ لأن ذلك مما يدل على القدرة العظيمة 122.

أولًا: خَلْق حواء:

في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرًا فليتكلم بخيرٍ أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلعٍ، وإن أعوج شيءٍ في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرًا) 123.

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلعٍ، وإن أعوج شيءٍ في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء) 124.

وعن ابن عباسٍ: «أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائمٌ، ولأم مكانه لحمًا» 125.

وقيل: إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئًا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة أبدًا 126.

ومنهم من قال: إنها خلقت من تراب؛ بدليل قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي: من جنسها.

والقول الأول أقوى؛ بدليل الآيات 127، وجمهور المفسرين: على أن المراد بالنفس الواحدة آدم، {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} يعني: حواء 128.

واختلفوا في الوقت الذي خلقت فيه حواء:

ذهب بعضهم إلى أنها خلقت بعد أن أدخل آدم الجنة.

فذكر السُدِي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة: أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ووضع مكانه لحمًا، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، فقالت الملائكة: ما اسمها؟ قال: حواء. ولِمَ سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي 129، أو أنها أم كل حي، أي: أم الأحياء، كما أن سياق الآيات يدل على ذلك كما في قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [البقرة: 35] .

وكذلك قول الله تعالى: {وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} [الأعراف: 19] .

وذهب آخرون: أنها خلقت قبل دخول آدم الجنة، وأدخلا الجنة معًا 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت