وينطقون بهذه الكلمة وما يشابهها نطقًا ملتويًا منحرفًا ليصرفوها عن جانب احتمالها للخير إلى جانب للشر؛ ولذا فقد نهى الله تعالى المؤمنين عن مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم بمثل هذه الألفاظ 112.
وأتوا بلفظ ظاهره طلب المراعاة، أي: الرفق، والمراعاة: مفاعلة مستعملة في المبالغة في الرعي على وجه الكناية الشائعة التي ساوت الأصل؛ لأن الرعي من لوازمه الرفق بالمرعي وطلب الخصب له ودفع العادية عنه، وهم يريدون بـ (راعنا) كلمة في العبرانية تدل على ما تدل عليه كلمة الرعونة في العربية.
وقد روي أنها كلمة (راعونا) وأن معناها الرعونة، فلعلهم كانوا يأتون بها يوهمون أنهم يعظمون النبي صلى الله عليه وسلم بضمير الجماعة، ويدل لذلك أن الله نهى المسلمين عن متابعتهم إياهم في ذلك، فقال في سورة البقرة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة:104] 113.
وقوله: {لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ} أي: فتلًا بها وتحريفًا عن الحق إلى الباطل، حيث يضعون راعنا مكان انظرنا، وغير مسمع مكان لا أسمعت مكروهًا، أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقًا 114.
ومعنى: {وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ} أنهم يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم عند مراجعته في أمر الإسلام: اسمع منا، ويعقبون ذلك بقولهم: {غَيْرَ مُسْمَعٍ} يوهمون أنهم قصدوا الظاهر المتبادر من قولهم: غير مسمع أي: غير مأمور بأن تسمع، في معنى قول العرب، «افعل غير مأمور» أو يكون معناه: غير مسمع مكروهًا، فلعل العرب كانوا يقولون: أسمعه بمعنى سبه.
والحاصل أن هذه الكلمة كانت معروفة الإطلاق بين العرب في معنى الكرامة والتلطف إطلاقًا متعارفًا، ولكنهم لما قالوها للرسول أرادوا بها معنى آخر انتحلوه لها من شيء يسمح به تركيبها الوضعي، أي: أن لا يسمع صوتًا من متكلم، بأن يصير أصم، أو أن لا يستجاب دعاؤه، وقصدهم من إيراد كلام ذي وجهين أن يرضوا الرسول والمؤمنين، ويرضوا أنفسهم بسوء نيتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرضوا قومهم، فلا يجدوا عليهم حجة 115.
ثم بين سبحانه ما كان يجب عليهم أن يقولوه لو كانوا يعقلون، فقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ} أي: لو تبدلوا بالعصيان الطاعة، ومن الطاعة الإيمان بك، واقتصروا على لفظ: اسمع، وتبدلوا براعنا قولهم: وانظرنا، فعدلوا عن الألفاظ الدالة على عدم الانقياد والموهمة إلى ما أمروا به؛ لكان أي: ذلك القول خيرًا لهم عند الله، وأعدل، أي: أقوم وأصوب 116.
رابعًا: اللسان ومقالة السوء:
جعل الله تعالى اللسان وسيلة للتعبير عن النفس وخواطرها وأفكارها، كما جعله وسيلة للتعارف والتآلف بين الناس، وقد خصص الله اللسان للكلام، وحدد له ما ينبغي له التحدث فيه، ألا وهو الحسن من الكلام، الذي يؤلف القلوب، ويصلح بين الناس، ويحق الحق، ويبطل الباطل، وحذرنا من الكلام المذموم، ومن الإسراف بالقول، ومن قالة السوء.
وقد أخبر الله تعالى أن الكفار يبسطون أيديهم وألسنتهم بالسوء للمؤمنين، فقال: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [الممتحنة:2] .
فبسط الأيدي حقيقة في مدها للضرب والسلب، وبسط الألسنة مجاز في عدم إمساكها عن القول البذيء 117.
فالبسط مستعار للإكثار لما شاع من تشبيه الكثير بالواسع والطويل، وتشبيه ضده وهو القبض بضد ذلك، فبسط اليد الإكثار من عملها، والمراد به هنا عمل اليد الذي يضر، مثل الضرب والتقييد والطعن، وعمل اللسان الذي يؤذي، مثل الشتم والتهكم، ودل على ذلك قوله: {بِالسُّوءِ} فهو متعلق بـ {وَيَبْسُطُوا} الذي مفعوله: {أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ} 118.
وأخبر تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، فقال: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء:148] .
والمعنى أنه تعالى لا يحب لأحد من عباده أن يجهر بالأقوال السيئة إلا من وقع عليه الظلم فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول في الحدود التي تمكنه من رفع الظلم عنه دون أن يتجاوز ذلك، كأن يجهر الخصم بما ارتكبه خصمه في حقه من مآثم، وكأن يذكر المظلوم الظالم بالقول السيئ متحريًا البعد عن الكذب والبهتان.
ومع ذلك فعفوه وعدم مقابلته أولى، كما قال تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى:40] .
والاستثناء في قوله: {إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} استثناء منقطع، فتكون إلا بمعنى (لكن) أي: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لكن من ظلم له أن يجهر بالسوء لكي يدفع ما وقع عليه من ظلم.
ويحتمل أن يكون متصلًا، فيكون المعنى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول من أحد إلا ممن ظلم، فإنه يجوز له أن يجهر بالسوء من القول لرفع الظلم عنه، فيكون الاستثناء من الفاعل المحذوف، وهو من أحد، أو: لا يحب الله الجهر السوء من القول إلا جهر من ظلم، فإنه ليس بخارج عن محبة الله؛ لأن دفع الظلم واجب، فيكون الكلام على تقدير مضاف محذوف 119.
فمقالة السوء بدون مقتضٍ يبغضها الله سواء أكان هذا القول سرًا أو جهرًا، إلا أنه سبحانه خص الجهر بالذكر؛ لأنه أشد فحشًا، ولأنه أكثر جلبًا للعداوة بين الناس، وأشد تأثيرًا في إشاعة الجرائم في المجتمع، فإن كثرة سماع الناس للكلام السيئ وللقول الماجن يغري الكثير منهم بترديد ما سمعوه، وبحكايته في أول الأمر بشيء من الحياء، ثم لا يلبث هذا الحياء أن يزول بسبب إلف الناس للكثير من الألفاظ النابية والأقوال السيئة.
وفي القرآن عشرات الآيات تأمر المسلمين بالمداومة على النطق بالكلام الطيب حتى تنتشر بينهم المحبة والمودة، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة:83] .
والمقصود أن الله تعالى لا يحب الجهر بالسوء من القول، أي: يبغض ذلك ويمقته، ويعاقب عليه، ويشمل ذلك جميع الأقوال السيئة التي تسوء وتحزن كالشتم والقذف والسب ونحو ذلك، فإن ذلك كله من المنهي عنه الذي يبغضه الله، ويدل مفهومها أنه يحب الحسن من القول كالذكر والكلام الطيب اللين.
والإسلام يحب لأتباعه أن يلتزموا النطق بالكلمة الطيبة، ويكره لهم أن يجهروا بالسوء من القول إلا في حالة وقوع ظلم عليهم، ففي هذه الحالة يجوز لهم أن يجهروا بالسوء من القول حتى يرتدع الظالم عن ظلمه.
وأمر الله عباده المؤمنين أن يقولوا التي هي أحسن، فقال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] .
فهذا الأمر {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} على وجه الإطلاق وفي كل مجال، فيختاروا أحسن ما يقال ليقولوه؛ بذلك يتقون أن يفسد الشيطان ما بينهم من مودة، فالشيطان ينزغ بين الإخوة بالكلمة الخشنة تفلت، وبالرد السيئ يتلوها، فإذا جو الود والمحبة والوفاق مشوب بالخلاف، ثم بالجفوة، ثم بالعداء، والكلمة الطيبة تأسو جراح القلوب، وتندي جفافها، وتجمعها على الود الكريم.
وهذه الآية تكشف لنا عن أدب عظيم حريٌّ بكل مسلم أن يتأدب به ويتخلق به، وهو خلق تعويد اللسان على القول الحسن، والمجادلة بالتي هي أحسن.
و {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أي: الكلمة التي هي أحسن من غيرها؛ للطفها وحسنها؛ لتجد طريقًا إلى القلوب.
و {الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} صفة لمحذوف يدل عليه فعل (يقولوا) تقديره: بالتي هي أحسن، وليس المراد مقالة واحدة، واسم التفضيل مستعمل في قوة الحسن، ونظيره قوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] ،أي: بالمجادلات التي هي بالغة الغاية في الحسن، فإن المجادلة لا تكون بكلمة واحدة.
وهذا تأديب عظيم في مراقبة اللسان وما يصدر منه، وفي الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بأعمال تدخله الجنة، ثم قال له: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه وقال: (كف عليك هذا) قال: قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم) أو قال: (على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) 120.
والمقصد الأهم من هذا التأديب تأديب الأمة في معاملة بعضهم بعضًا بحسن المعاملة، وإلانة القول؛ لأن القول ينم عن المقاصد 121.
وقوله سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} تعليل للأمر السابق، أي: إن الشيطان يتربص بكم، ويتلمس السقطات التي تقع من أفواهكم، والعثرات التي تنطق بها ألسنتكم؛ لكي يشيع الشر بينكم، ويبذر بذور الشر والبغضاء في صفوفكم، ويهيج أعداءكم عليكم، فهو يتلمس سقطات فمه، وعثرات لسانه، فيغري بها العداوة والبغضاء بين المرء وأخيه، والكلمة الطيبة تسد عليه الثغرات، وتقطع عليه الطريق، وتحفظ حرم الأخوة آمنًا من نزغاته ونفثاته 122.
وينزغ بمعنى يفسد، يقال: نزغه كنفعه ينزغه إذا طعن فيه واغتابه، أي: أن الشيطان حريص على الإفساد بين الناس وإشعال نار الفتنة بالكلمة الخشنة يفلت بها اللسان؛ لأنه ظاهر العداوة لهم منذ القدم؛ ولقد حذرنا الله سبحانه من الشيطان وكيده في كثير من آيات القرآن الكريم 123.
قال ابن القيم رحمه الله مبينًا حرص الشيطان على إفساد هذه الجارحة في الإنسان: ثم يقول -أي الشيطان-: قوموا على ثغر اللسان؛ فإنه الثغر الأعظم، وهو قبالة الملك؛ فأجروا عليه من الكلام ما يضره ولا ينفعه، وامنعوه أن يجري عليه شيء مما ينفعه من ذكر الله تعالى، واستغفاره، وتلاوة كتابه، ونصيحة عباده، والتكلم بالعلم النافع، ويكون لكم في هذا الثغر أمران عظيمان، لا تبالون بأيهما ظفرتم:
أحدهما: التكلم بالباطل؛ فإن المتكلم بالباطل أخ من إخوانكم، ومن أكبر جندكم وأعوانكم.
والثاني: السكوت عن الحق؛ فإن الساكت عن الحق أخ لك أخرس، كما أن الأول أخ ناطق، وربما كان الأخ الثاني أنفع أخويكم لكم، أما سمعتم قول الناصح: «المتكلم بالباطل شيطان ناطق، والساكت عن الحق شيطان أخرس» فالرباط الرباط على هذا الثغر أن يتكلم بحق أو يمسك عن باطل، وزينوا له التكلم بالباطل بكل طريق، وخوفوه من التكلم بالحق بكل طريق.
واعلموا يا بني أن ثغر اللسان هو الذي أهلك منه بني آدم وأكبهم منه على مناخرهم في النار، فكم لي من قتيل وأسير وجريح أخذته من هذا الثغر! وأوصيكم بوصية فاحفظوها: لينطق أحدكم على لسان أخيه من الإنس بالكلمة، ويكون الآخر على لسان السامع؛ فينطق باستحسانها وتعظيمها والتعجب منها، ويطلب من أخيه إعادتها، وكونوا أعوانًا على الإنس بكل طريق 124.
والمقصود أن هذا من لطف الله بعباده حيث أمرهم بأحسن الأخلاق والأعمال والأقوال الموجبة للسعادة في الدنيا والآخرة، ففي قوله: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} أمر بكل كلام يقرب إلى الله من قراءة، وذكر، وعلم، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر، وكلام حسن لطيف مع الخلق على اختلاف مراتبهم ومنازلهم، وأنه إذا دار الأمر بين أمرين حسنين فإنه يأمر بإيثار أحسنهما إن لم يمكن الجمع بينهما، والقول الحسن داع لكل خلق جميل وعمل صالح، فإن من ملك لسانه ملك جميع أمره 125.
ولهذا كان السلف يحذرون من فضول النظر، كما يحذرون من فضول الكلام، وكانوا يقولون: ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان 126.
من آيات الله المعجزة خلق الألسن التي تعبر باللغات المختلفة، وبها تعرف الحالة الصحية للإنسان، وفيها لمسات إعجازية أشار إليها العلماء، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:
أولًا: اختلاف الألسن من آيات الله:
أخبر الله جل جلاله أن من آياته الدالة على باهر قدرته اختلاف ألسنة البشر، فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم:22] .
فقوله: {وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ} يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تترٌ لهم لغة أخرى، وهؤلاء كرج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بربر، وهؤلاء تكرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهؤلاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا الله من اختلاف لغات بني آدم 127.
بل إن الأمة الواحدة تجد فيها عشرات اللغات التي يتكلم بها أفرادها، ومئات اللهجات، فمن اطلع على لغات رأى من اختلاف تراكيبها أو قوانينها مع اتحاد المدلول عجائب وغرائب في المفردات والمركبات.
فاختلاف لغات البشر آية عظيمة، فهم مع اتحادهم في النوع كان اختلاف لغاتهم آية دالة على ما كونه الله في غريزة البشر من اختلاف التفكير، وتنويع التصرف في وضع اللغات، وتبدل كيفياتها باللهجات والتخفيف والحذف والزيادة بحيث تتغير الأصول المتحدة إلى لغات كثيرة، فلا شك أن اللغة كانت واحدة للبشر حين كانوا في مكان واحد، وما اختلفت اللغات إلا بانتشار قبائل البشر في المواطن المتباعدة، وتطرق التغير إلى لغاتهم تطرقًا تدريجيًا على أن توسع اللغات بتوسع الحاجة إلى التعبير عن أشياء لم يكن للتعبير عنها حاجة، قد أوجب اختلافًا في وضع الأسماء لها، فاختلفت اللغات بذلك في جوهرها، كما اختلفت فيما كان متفقًا عليه بينها باختلاف لهجات النطق، واختلاف التصرف، فكان لاختلاف الألسنة موجبان، فمحل العبرة هو اختلاف مع اتحاد أصل النوع، كقوله تعالى: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد:4] ، ولما في ذلك الاختلاف من الأسرار المقتضية إياه.
أو يكون المراد: باختلاف الألسنة اختلاف الأصوات لا اللغات، بحيث تتمايز أصوات الناس المتكلمين بلغة واحدة، فنعرف صاحب الصوت وإن كان غير مرئي 128.
وسواء قلنا: إن اختلاف الألسنة معناه: اختلاف اللغات أو المراد به اختلاف الأصوات (النغمة) حتى لا يشتبه صوتان من أخوين لأم وأب، فعلى كلا المعنيين هي آية عظيمة من آيات الله تعالى.
فاختلاف لغات البشر على كثرتهم منذ خلق الله آدم إلى آخر الدنيا مع اتحادهم في النوع ومخارج الحروف واحدة، ومع ذلك لا تجد صوتين متفقين من كل وجه، ولا لونين متشابهين من كل وجه، إلا وتجد من الفرق بين ذلك ما به يحصل التمييز، وهذا دال على كمال قدرته ونفوذ مشيئته، ومن عنايته بعباده ورحمته بهم أن قدر ذلك الاختلاف؛ لئلا يقع التشابه، فيحصل الاضطراب، ويفوت كثير من المقاصد والمطالب.
وباختلاف الألسنة يقع التعارف والتمايز، فلو توافقت وتشاكلت لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت المصالح، وفي ذلك آية بينة، حيث ولدوا من أب واحد وهم على كثرتهم متفاوتون 129.
فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية من كل وجه، بل هناك تمايز بين الأشخاص، حتى إن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور المتلاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السموات والأرض مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم للإيذان باستقلاله والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم 130.
فمن حكمة الله ورحمته أن علم كل صنف لغته، وألهمه وضعها، وأقدره عليها، وخالف بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد، ولا جهارة، ولا حدة، ولا رخاوة، ولا فصاحة، ولا لكنة، ولا نظم، ولا أسلوب، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله، وهم من نفس واحدة 131.
ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له، ولا نظير، ولا شريك، وأنه المعبود وحده.
وفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا. وقد أوضح تعالى في غير هذا الموضع أن اختلاف ألوان الآدميين واختلاف ألوان الجبال والثمار والدواب والأنعام كل ذلك من آياته الدالة على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} [فاطر:28] .
واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو المؤثر جل وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال 132.
كما أوضح ذلك في قوله: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد:4] .
فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان والأشكال والطعوم والمقادير والمنافع. فهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء، سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد 133.
ثانيًا: عضلة اللسان والعلم الحديث:
اللسان هو عضو عضلي موجود داخل الفم، يرتبط بالفك عبر سبع عشرة عضلة، تؤمن له حركته وعمله، ويغلف سطح اللسان غشاء مخاطي، تغطيه آلاف الحليمات الصغيرة، التي تحتوي في أطرافها على نهايات عصبية بمثابة حاسة التذوق، ويكون سطحه مبللًا باللعاب مما يبقيه رطبًا.
ويغطي سطح اللسان العديد من الحليمات التي تنقسم إلى أربعة أنواع: الخيطية، والكمئية، والورقية، والكأسية.
ومن حكمة الله وقدرته أن جعل اللسان عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب؛ لتسهل حركته، ومن حكمته أنه لم يجعله يعظم كثيرًا حتى يخرج من الفم، ولا يسعه الفم، بل ينمو بقدر الفم.
يقول ابن القيم: «وجعل سبحانه اللسان عضوًا لحميًا لا عظم فيه ولا عصب؛ لتسهل حركته؛ ولهذا لا تجد في الأعضاء من لا يكترث بكثرة الحركة سواه، فإن أي عضو من الأعضاء إذا حركته كما تحرك اللسان لم يطق ذلك، ولم يلبث أن يكل ويخلد إلى السكون إلا اللسان، و أيضًا فإنه من أعدل الأعضاء وألطفها، وهو في الأعضاء بمنزلة رسول الملك ونائبه، فمزاجه من أعدل أمزجة البدن، ويحتاج إلى قبض وبسط وحركة في أقاصي الفم وجوانبه، فلو كان فيه عظام لم يتهيأ منه ذلك، ولم يتهيأ منه الكلام التام، ولا الذوق التام، فكونه الله كما اقتضاه السبب الفاعلي والغائي 134.
واللسان يتركب من مجموعة من العضلات: خارجية: تربط بينه وبين أجزاء الفم الأخرى، وداخلية: وهي مختلفة الأشكال، فتعطي اللسان القوة والمرونة، ويحتوي لسان الإنسان على (12000) حليمة ذوقية.
وجعل سبحانه وتعالى على اللسان غلقين: أحدهما: الأسنان، والثاني: الفم، وجعل حركته اختيارية، وجعل على العين غطاء واحدًا، ولم يجعل على الأذن غطاء، وذلك لخطر اللسان وشرفه، وخطر حركاته، وكونه في الفم بمنزلة القلب في الصدر، وذلك من اللطائف، فإن آفة الكلام أكثر من آفة النظر، وآفة النظر أكثر من آفة السمع، فجعل للأكثر آفات طبقين، وللمتوسط طبقًا، وجعل الأقل آفة بلا طبق 135.
وهو العضلة الوحيدة المشدودة من طرف واحد، ويتحرك بطريقة لا تتحرك بها أية عضلة أخرى، وسطح اللسان معظمه من نتوءات صغيرة تسمى الحليمات، وفي جدران هذه الحليمات تقع براعم الذوق والطعم، ولدى الإنسان حوالي ثلاثة آلاف برعم ذوقي، وقيل: أكثر من ذلك.
ثالثًا: وظائف اللسان: