فهرس الكتاب

الصفحة 1402 من 2431

ونزلت آيات توضح صدق يوسف عليه السلام، فقال تعالى: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف:46] .

وآية أخرى يؤيد الله نبيه يوسف بدليل يؤكد على صدقه، قال تعالى: {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) } [يوسف:27] .

ووصفه بالصدق باعتراف امرأة العزيز، حيث جاء حكاية في قوله تعالى: {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف:51] .

الصدق في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم:

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثالًا وقدوة في صفة الصدق، وكان معروفًا بالصدق في قومه قبل البعثة، فلقبوه بالصادق الأمين، واشتهر بهذا اللقب وعرف به بين أقرانه، وبعد البعثة المباركة كان تصديق الوحي له مدعاة؛ لأن يطلق عليه أصحابه «الصادق الأمين» وصدق الله عز وجل إذ قال: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } [النجم:2 - 4] .

وأكبر من هذا كله شهادة رب العالمين على صدقه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) } [الزمر:33] .

والذي جاء بالصدق هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي شهد لما جاء به هو الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات، وأيد ذلك ابن عاشور في تفسيره شارحًا لهذه الآية: «الذي جاء بالصدق هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصدق هو القرآن» 19.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائمًا يحث المسلمين على الصدق في أقوالهم وأفعالهم، ويوجه خطابه للمسلمين قائلًا: (اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) 20.

وكان صلى الله عليه وسلم يغرس في نفوس أصحابه الصدق ويربيهم عليه، وأكبر دليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة) 21.

صدق رسول الله في الحرب:

لننظر إلى موقفه قبيل غزوة بدر، التي خرجت فيها قريش لتقضي على المسلمين، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه؛ ليتعرفا على أخبار المشركين، فوقفا على شيخ من العرب، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قريش، وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أخبرتنا أخبرناك) قال: ذاك بذاك؟ قال: (نعم) ، قال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني، فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدقني فهم اليوم بمكان كذا وكذا، للمكان الذي فيه قريش، فلما فرغ من خبره، قال: ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن من ماء) ثم انصرف عنه، قال يقول الشيخ: من ماءٍ؛ أمن ماء العراق 22.

صدق رسول الله في الفكاهة:

لقد اتصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق في كل أفعاله وأقواله، حتى في مزاحه ومفاكهاته صلى الله عليه وسلم، التي يظن البعض أن الكذب فيها مباح، فعن أنس بن مالك، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا حاملوك على ولد ناقة) ، قال: يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وهل تلد الإبل إلا النوق) 23.

فكانت هذه الفكاهة من النبي صلى الله عليه وسلم مع رجل من عامة المسلمين من باب تقارب النفوس، وزيادة المحبة، لكنه صلى الله عليه وسلم كان صادقًا ولم يستعمل إلا الصدق.

إن الله تعالى وصف عباده المؤمنين بصفات عديدة وخصال حميدة، ومن أعظمها: صفة الصدق.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة:119] .

وهذا الأمر جاء بعد قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، وأوضحت الآيات كيف نفعهم صدقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول القرطبي في تفسيره: «هذا الأمر بالكون مع الصادقين حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق، وذهب بهم عن منازل المنافقين، قال مطروف: سمعت مالك بن أنس يقول: قلما كان رجل صادقًا لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف وقال حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمن كان كذلك لحق بالأبرار ووصل إلى رضا الغفار» 24.

ويقول ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة:119] : «أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من الصادقين وتنجوا عن المهالك، ويجعل الله لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا» 25.

إن للصدق أثرًا كبيرًا على الصادقين، فظهر منهم العجائب في صدقهم، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أصدق الناس إيمانًا وأصدقهم يقينًا، فظهر عليهم الصدق في كل أحوالهم، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه صدق النبي في حادثة الإسراء والمعراج، حيث جاء نفرٌ من المشركين إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد في ليلة واحدة، ونحن نضرب أكباد الأبل شهرًا ذهابًا وإيابًا، فقال: أهو قال ذلك؟ قالوا: نعم، فقال: إن كان قد قال ذلك فقد صدق، إني أصدقه على أعظم من ذلك، إني أصدقه أنه يأتيه خبر السماء، وسمي بالصديق 26.

ووصف الله سبحانه وتعالى الصحابة بالصدق، فقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) } [الحشر:8] .

وأوضح صلى الله عليه وسلم أن التاجر عندما يتحلى بالصدق يكون ذلك في أسباب الفلاح، والفوز يوم القيامة، حيث جاء عن رفاعة عن أبيه (أن النبي خرج على المصلى فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار! فاستجابوا الرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال:(إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله وبر وصدق) 27.

وقال ابن عباس رضي الله عنه: «أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر» 28.

فلنصدق الله في إيماننا، ولنصدق الله في إخلاصنا، ولنصدق الله في سائر أعمالنا، فلا منجى من عذاب الله إلا الصدق الذي نلتزم به، ونخالف المنافقين الذين كذبت ألسنتهم وكذبت قلوبهم، فالمؤمن صادق في قوله وفعله وفي تصرفاته.

رابعًا: دعاء الصالحين يجعلهم من الصادقين:

إن لنا الأسوة الحسنة في خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في التضرع إلى الله بطلب الدعاء، حيث جاء حكاية عنه قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) } [الشعراء:83 - 85] .

ويتضمن دعاؤه في هذه الآيات ما يلي:

-طلب الحكمة.

قال تعالى: (? ? ? ?) أي: أعطني معرفة به، بحدودك وأحكامك، علمًا أعرف الحلال والحرام، لأحكم به بين الناس، وامنحنى الحكمة التي أعرف بها القيم الصحيحة من القيم الباطلة الزائفة 29.

-طلب اللحاق بالصالحين.

قال تعالى: (? ?) يقولها إبراهيم عليه السلام الأواه الحليم، أي: اجعلني من الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار: (اللهم في الرفيق الأعلى) قالها ثلاثًا 30.

وهذا هو مطلب وسؤال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين) 31.

إنه الحرص من الأنبياء على اللحاق بالصالحين الصادقين، وبالتوفيق إلى العمل الصالح الذي يلحق صاحبه بركب المخلصين الصالحين الصادقين.

-طلب الذكرى الحسنة بعد وفاته.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ) يعني: الثناء الحسن بين الناس، والذكر بالخير والقول الطيب والصدق بين الأمم الآتية من بعدي، قال ابن عاشور: «وهذا يتضمن سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه، وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته؛ لأن الثناء عليه يستدعي دعاء الناس له، والصلاة والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه» 32.

وقد استجاب الله عز وجل له وحقق دعوته، وجعل له لسان صدق في الآخرين وبعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

-طلب جنة النعيم.

قال تعالى: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} أي: من السعداء في الآخرة الذين يستحقون ميراث جنات الخلد.

وقد أجاب الله تعالى دعوته، فرفع منزلته، وفي هذا حث للعباد على الجد في الدعاء الذي يحقق الخير في الدنيا والآخرة للمؤمنين المخلصين الصادقين مع الله عز وجل ومع الناس ومع أنفسهم، وجاء في شأن المهاجرين قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) } [الحشر:8] .

إن الصدق فضيلة وصف الله عز وجل بها المهاجرين، عندما خرجوا من ديارهم وأموالهم لنصرة الله ورسوله، فكانوا مخلصين لله، مبتغين مرضاته ورضوانه فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي في إيمانهم وجهادهم 33.

فهم الصادقون أهل الإيمان واليقين والمجاهدة.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) } [الحجرات:15] .

إن الصادق مستجاب الدعاء بإذن الله تعالى، وأجره محقق، وإن عجز العبد عن العمل الذي نواه بصدق، حيث جاء عن سهل بن أمامة عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه) 34.

والصادق تحصل له البركة في بيعه وشرائه، حيث أخرج البخاري عن حكيم ابن حزام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما) 35.

خامسًا: الثناء على أهل الصدق ووصفهم بالتقوى ومحبة الله:

وصف الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بصفات عديدة وخصال حميدة، من أعظمها صفة الصدق.

قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24) } [الأحزاب:23 - 24] .

فهم أهل صدق ووفاء للعهود والمواثيق التي يبرموها مع الآخرين، وقبل ذلك أهل وفاء مع الله في أدائهم للتكاليف والشرائع التي كلفوا بتطبيقها، ولقد حث الإسلام على الوفاء بالعهود والعقود، فالموفون بعهدهم، هم الصادقون الذين يقومون بأداء الواجب.

ويكفي أهل الصدق فضلًا، أن الله جعل لهم الجزاء العظيم بجنات تجري من تحتها الأنهار.

قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } [المائدة:119] .

فجعل الله سبحانه وتعالى أنه لا ينفع العبد وينجيه من العذاب يوم القيامة إلا صدقه، فهو الذي يحقق رضا الله ويدخل صاحبه الجنة.

بل إن منازل أهل الصدق من أعلى المنازل وأعظمها حتى ظن البعض أنها منازل الأنبياء عليهما السلام.

قال سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء:69] .

وجاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم) 36.

إن الصدق هو الطريق الأقوى المؤدي إلى رضوان الله تعالى: فمن سلكه كان من الناجين، ومن حاد عنه وانحرف كان من المنقطعين الهالكين، وبين الله سبحانه وتعالى أن المتقين هم الذين صدقوا الله فصدقهم، فدرجتهم تالية لدرجة النبوة، التي هي أرفع الدرجات، وما نال الصادقون هذه الدرجة العالية والإنعام العظيم إلا بطاعتهم لله ورسوله في كل الأوامر والنواهي.

والصدق المساوي للتقوى، هو الصدق في الأقوال، بأن تكون أقواله مساوية للحقيقة والواقع، والصدق في الأعمال والأفعال هو استواء الأفعال على الأمر والنهي لله ولرسوله، والصدق في الأحوال هو استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص لله، حيث جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب، حتى يكتب عند الله كذابًا) 37.

وحكم الله سبحانه وتعالى في ختام آية البر بعد أن ذكر خصاله التي يريدها من المؤمن، أن من فعل هذه الخصال فإنه الصادق والتقي، فقال سبحانه وتعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة:177] .

إن هذه الآية الكريمة حاويةٌ لجميع الكمالات البشرية تصريحًا أو تلميحًا، ومع كثرة الخصال المذكورة فيها، إلا أننا نستطيع أن نجمعها في خصال ثلاث هي: البر في العقيدة، والبر في الأخلاق، والبر في العمل، وختمت الآية بالإشارة إلى أن من جمع هذه الخصال، هم الذين صدقوا في الدين واتباع الحق، وتحري البر، ثم كرر لفظ الإشارة، للتنويه بشأن من جمع هذه الخصال، فجاء بالضمير (هم) بين اسم الإشارة والمتقين؛ لبيان أن من جمع هذه الخصال تنحصر التقوى فيهم، فقال تعالى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة:177] .

فالصدق في الإيمان وفي الإسلام، والصدق في الأخلاق، يحقق التقوى لنا على الدوام، ندعو الله أن نكون من الصادقين لننال التقوى، وإذا تحققت التقوى في النفوس، فهي عامل أساس في إيجاد محبة الله؛ لأن الله يحب المتقين الصادقين العاملين بمنهج الله سبحانه وتعالى 38.

قال تعالى: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:4] .

وقال تعالى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:7] .

وأوضح الحق تبارك وتعالى أنه يحب التوابين ويحب المتطهرين ويحب المقسطين ويحب المحسنين.

قال تعالى: {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) } [آل عمران:148] .

وفضيلة الصدق تجمع هذه الفضائل؛ لأن من اتصف بالصدق، كان من الذين استقاموا، واتقوا، وأحسنوا، وتابوا، وتطهروا، وأقسطوا أي: عدلوا إذا حكموا في أي قضية، إذًا فالصدق يورث محبة ومعية الله تعالى للصادقين؛ فمن أراد أن يكون الله معه ويحبه، فليلزم الصدق في جميع أحواله؛ فإن الله تعالى مع الصادقين، وإن الله تعالى يحب الصادقين المتقين.

إن الصدق خلق عظيم، وهو من أهم أخلاق المسلم وخاصة الداعية إلى الله تعالى وهو أساس يقوم عليه الإسلام العظيم.

يقول ابن القيم رحمه الله: «هو منزلة القوم الأعظم، الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه يتميز أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلًا إلا أراده وصرعه» 39.

وكثيرة هي الآيات الآمرة بالتحلي بالصدق والمرغبة فيه.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) } [التوبة:119] .

يقول الإمام الألوسي رحمه الله: «وفي الآية ما لا يخفى من مدح الصدق» 40.

ومن الآيات المرغبة بفضيلة الصدق قوله تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) } [محمد:21] .

يقول الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: «والصادقون هم المعتصمون بالصدق والإخلاص في جهادهم إذا جاهدوا، وفي عهودهم إذا عاهدوا، وفي أقوالهم ووعودهم إذا حدثوا ووعدوا وفي توبتهم إذا أذنبوا أو قصروا» 41.

يتضح من ذلك أن الصدق يدخل في ميادين كثيرة نذكر منها النقاط الآتية:

أولًا: صدق النية والإرادة:

ينبغي على الإنسان حينما يقوم بأي عمل في هذه الحياة، أن يعقد النية مع الله، وأن يكون صادقًا في ابتغاء مرضات الله تبارك وتعالى لكي يكون عمله مقبولًا وله ثماره الطيبة.

قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) } [البينة:5] .

وأوضح صلى الله عليه وسلم أن الصدق في النية هو الأساس لقبول الأعمال، عن أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت