أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «الهمزة والسين والراء أصل واحد، وقياسٌ مطرد، وهو الحبس، وهو الإمساك» 1، والأسرة: الدرع الحصينة، وأهل الرجل وعشيرته والجماعة يربطها أمر مشترك، والأسرة من الرجل: الرهط الأدنون وعشيرته؛ لأنه يتقوى بهم، وقيل: أقارب الرجل من قبل أبيه 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف د. محمد عقلة الأسرة بأنها «رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والحفدة، وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة» 3.
يتبين مما سبق أن كل التعريفات السابقة تؤكد على أن الأسرة هي اللبنة والوحدة الاجتماعية الأولى للمجتمع، وأن هناك علاقة وطيدة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي حيث إن من معاني كلمة الأسرة في اللغة الحبس، وهو الإمساك فكأنه لوحظ معنى الشد والربط والوثاق، حيث إن الأسرة ترابط اجتماعي وتماسك إنساني لدرجة الثبات والقرار، ومن المعاني -أيضًا-: الدرع الحصينة، وكأن الأسرة يتحقق بها حماية الإنسان مما يهدد كيانه، فبالأسرة يتقوى الفرد ويشتد عوده، كل هذه المعاني العظيمة قصدها الإسلام من تشريع الزواج وتكوين الأسرة، وذلك لحماية الأفراد والمجتمعات.
ولم يرد لفظ الأسرة في الاستعمال القرآني، ولكن جذر الكلمة مادة (أ س ر) موجودة في القرآن، والتي تعني: الشد بالقيد 4.
الأهل:
الأهل لغة:
«الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان، أحدهما الأهل. قال الخليل: أهل الرجل زوجه. والتأهل التزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الإسلام: من يدين به. وجميع الأهل أهلون. والأهالي جماعة الجماعة» 5.
الأهل اصطلاحًا:
من يجمع الفرد وإياهم نسب أو دين، أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد 6.
الصلة بين الأسرة والأهل:
أن الأهل أعم من الأسرة؛ حيث يكون من جهة النسب والاختصاص، فمن جهة النسب قولك: أهل الرجل لقرابته الأدنين، ومن جهة الاختصاص قولك: أهل البصيرة وأهل العلم، أما الأسرة فهي رابطة اجتماعية تتكون من زوج وزوجة وأطفالهما، وتشمل الجدود والحفدة، وبعض الأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة 7.
العشيرة:
العشيرة لغة:
«العين والشين والراء أصلان صحيحان: أحدهما في عددٍ معلوم ثم يحمل عليه غيره، والآخر يدل على مداخلةٍ ومخالطة» 8.
العشيرة اصطلاحًا:
اسم لكل جماعة من أقارب الرجل الذين يتكثر بهم 9.
الصلة بين العشيرة والأسرة:
ذكرنا أن عشيرة الرجل هم من يتكثر بهم من أقاربه، أما الأسرة فهي أخص، حيث تشمل من يشترك معهم الرجل في معيشة واحدة من الزوجة والأبناء والأقارب.
الرهط:
الرهط لغة:
«الراء والهاء والطاء أصلٌ يدل على تجمعٍ في الناس وغيرهم. فالرهط: العصابة من ثلاثةٍ إلى عشرة. وقيل: ما دون السبعة إلى الثلاثة نفرٌ» 10.
الرهط اصطلاحًا:
«الجماعة نحو العشرة، ورهط الرجل: قومه وقبيلته» 11.
الصلة بين الرهط والأسرة:
الرهط أعم من الأسرة، فهم قوم الرجل وقبيلته الأقربون، أما الأسرة: فهم من يشترك الرجل معهم في معيشة واحدة من الزوجة والأبناء والأقارب 12.
تبرز مكانة الأسرة من خلال وظائفها والدور الذي تؤديه للأفراد والمجتمعات على حد سواء، فيجد فيها الفرد سكنه وحمايته، وأمنه، وهي تلبي الحاجات الغريزية للزوجين، والحاجات الفطرية للآباء والأمهات والأبناء، فالإنسان يتطلع بفطرته لأن يكون له نسل، والابن يسعى بفطرته إلى أحضان والديه، والأسرة تحافظ على الأنساب، وتساهم بشكل فاعل في تقوية الأواصر بين الناس، وهي منبت للفضائل ومصدر للتربية، وهي في المحصلة اللبنة الأساسية والأولى للمجتمع.
أولًا: مكانة الأسرة:
الفكرة الأساسية التي قامت عليها الأسرة، وهي تلبية نداء فطري غريزي في الإنسان لعبادة الله سبحانه، وأي أسرة كيفما كان شكلها ونوعها إن لم تقم على هذا الأساس فهي أسرة جاهلية، فالأسرة تقوم للمحافظة على الجنس البشري وبقائه، وبناء الأسرة في الإسلام لا يكون من أجل إشباع الغرائز فقط، ولا لأي مطلب من مطالب الدنيا الزائلة، بل يكون من أجل تطبيق الناموس الإلهي في الكون.
قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل: 72] .
والمعنى: أي جعل لكم من أزواجكم بنين وبنات، تزوجونهم فيحصل بسببهم الأختان والأصهار 13.
يقول سيد قطب عند تفسيره لقوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] : «وينبثق نظام الأسرة في الإسلام من معين الفطرة وأصل الخلقة، وقاعدة التكوين الأولى للأحياء جميعًا وللمخلوقات كافة .. تبدو هذه النظرة واضحة في قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] .
وقوله سبحانه: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .
ثم تتدرج النظرة الإسلامية للإنسان فتذكر النفس الأولى التي كان منها الزوجان، ثم الذرية، ثم البشرية جميعًا.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] .
ثم تكشف عن جاذبية الفطرة بين الجنسين، لا لتجمع بين مطلق الذكران ومطلق الإناث، ولكن لتتجه إلى إقامة الأسر والبيوت.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21] .
وقال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187] .
وقال تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] .
وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80] .
فهي الفطرة تعمل، وهي الأسرة تلبي هذه الفطرة العميقة في أصل الكون وفي بنية الإنسان، ومن ثم كان نظام الأسرة في الإسلام هو النظام الطبيعي الفطري المنبثق من أصل التكوين الإنساني، بل من أصل تكوين الأشياء كلها في الكون على طريقة الإسلام في ربط النظام الذي يقيمه للإنسان بالنظام الذي أقامه الله للكون كله، ومن بينه هذا الإنسان، والأسرة هي المحضن الطبيعي الذي يتولى حماية الفراخ الناشئة ورعايتها، وتنمية أجسادها وعقولها وأرواحها، وفي ظله تتلقى مشاعر الحب والرحمة والتكافل، وتنطبع بالطابع الذي يلازمها مدى الحياة وعلى هدية ونوره تتفتح للحياة، وتفسر الحياة، وتتعامل مع الحياة» 14.
نخلص مما سبق إلى أن بناء الأسرة في الإسلام لا يكون من أجل إشباع الغرائز فقط، ولا لأي مطلب من مطالب الدنيا الزائلة، بل يكون من أجل تطبيق الناموس الإلهي في هذا الكون، وقد رفض الإسلام أن يمتنع المسلم عن ممارسة ما تقتضيه الفطرة بهدف التعبد.
ويدل على ذلك ما ورد عن أنس بن مالكٍ، رضي الله عنه قال: جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها!! فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا! وقال آخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر! وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا!! فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له! لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد. وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) 15.
ثانيًا: مقاصد الأسرة:
إن ما يدل على عناية الإسلام بتكوين الأسرة وإحكام بنائها، ورعايتها لتحصيل مقصودها ما يلي:
1.حصول العفة للزوجين وإشباع الغريزة في الحلال.
قال تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] .
«جعل اللباس كناية عن الزوج؛ لكونه سترًا لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر يمنع أن يبدو منه السوأة. وعلى ذلك كنى عن المرأة بالإزار، وسمي النكاح حصنًا؛ لكونه حصنًا لذويه عن تعاطي القبيح» 16.
يتبين مما سبق أنه بحصول الزواج وتكون الأسرة يحمي كل من الزوجين صاحبه من الوقوع في الفاحشة، فهو إعفاف للنفس عن الحرام وكبح جماحها حتى لا تورد صاحبها مواد الهلكة.
2.السكن الفطري للزوجين المبني على المودة والرحمة.
قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] .
قال ابن عاشور: «وهي آية تنطوي على عدة آيات منها: أن جعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا بين الزوجين، ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا، أو مهلكًا كتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة» 17.
نفهم مما سبق أن الله سبحانه جعل للرجل والمرأة دورين متكاملين يتمم أحدهما الآخر، ولا يتحقق هذا إلا بالتزام كل من الزوجين بشرع الله تعالى، وهدي نبيه، وذلك بالقيام بواجباتهما.
3.إقامة البيت المسلم.
قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} [النحل:72] .
يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجا؛ ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة 18.
4.التعارف والتعاون بين الناس على البر والتقوى.
شاء الله تعالى أن يخلق الإنسان مدني الطبع، يميل إلى الجماعة ويكره العزلة، وخلق الناس ذكرانًا وإناثًا وجعلهم شعوبًا وقبائل؛ ليتعارفوا، كما ورد في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] .
يخبر تعالى أنه خلق بني آدم من أصل واحد، وجنس واحد، وكلهم من ذكر وأنثى، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء، ولكن الله تعالى بث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، وفرقهم، وجعلهم شعوبًا وقبائل، وذلك لأجل أن يتعارفوا، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه، لم يحصل بذلك التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون، والتوارث، والقيام بحقوق الأقارب، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل؛ لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها مما يتوقف على التعارف، ولحوق الأنساب، هذا عن التعارف، أما التعاون فهو واضح؛ إذ تقوم الزوجة ببعض أعباء الحياة ويقوم الرجل بالبعض الآخر، فالزوجة تهيئ للزوج ما يحتاج إليه ويسعده بالإضافة إلى تربية الذرية، والزوج يسعى ويكدح لطلب الرزق الحلال لنفسه ولأهل بيته 19.
5.ابتغاء النسل الصالح والولد الصالح.
والتناسل هو النتيجة الطبيعية لالتقاء الزوجين الذكر والأنثى، وهو حتمي لاستمرار حياة الكائنات، ويعتبر التناسل أهم ثمرات الزواج، ولقد أشار القرآن إلى هذا المعنى فقال تعالى: {فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} [البقرة: 187] .
يقول سيد قطب عند تفسير الآية: «ابتغوا هذا الذي كتبه الله لكم من المتعة بالنساء، ومن المتعة بالذرية، ثمرة المباشرة، فكلتاهما من أمر الله، ومن المتاع الذي أعطاكم إياه، ومن إباحتها لكم طلبها وابتغاؤها، وهي موصولة بالله فهي من عطاياه، ومن ورائها حكمة، ولها في حسابه غاية، فليست إذن مجرد اندفاع حيواني موصول بالجسد، منفصل عن ذلك الأفق الأعلى الذي يتجه إليه كل نشاط، بهذا ترتبط المباشرة بين الزوجين بغاية أكبر منهما، وأفق أرفع من الأرض ومن لحظة اللذة بينهما، وبهذا تنظف هذه العلاقة وترق وترقى .. ومن مراجعة مثل هذه الإيحاءات في التوجيه القرآني وفي التصور الإسلامي ندرك قيمة الجهد المثمر الحكيم الذي يبذل لترقية هذه البشرية وتطويرها، في حدود فطرتها وطاقتها وطبيعة تكوينها» 20.
يتضح مما سبق أن الغاية من بناء الأسرة إنجاب النسل الصالح، وحصول السكن النفسي بين الزوجين، وانسجام أفراد الأسرة في ظلال شرع الله الخالد، وبقدر ترابط الأسر يقوى تماسك المجتمع ويشتد.
إن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست علاقة غريزية فحسب، بل هي علاقة شراكة بالروح والجسد، ومثل هذه العلاقة المقدسة تظهر ثمرتها على الأولاد، فما أجمل أن تسود علاقتهما المحبة والاحترام والتفاهم، المنبثقة من شرع الله سبحانه.
أولًا: حقوق الوالدين وواجباتهم:
إن أقوى رباط في الأسرة هو رباط الولد بأبويه، المتمثل بالإحسان إليهما، لذلك قرن الله سبحانه الإحسان إليهما بعبادته سبحانه، وعدم الشرك به في أكثر من موضع في القرآن الكريم.
قال تعالى: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 82] .
وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء: 36] .
وقال تعالى: {أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151] .
يقول سيد قطب: «بهذه العبارات الندية، والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء، ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام، إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء، إلى الأبوة، إلى الحياة المولية، إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة؛ لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات، إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد، إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات، وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين، فإذا هما شيخوخة فانية -إن أمهلهما الأجل-، وهما مع ذلك سعيدان! فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى الأمام، إلى الزوجات والذرية .. وهكذا تندفع الحياة، ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء، إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة؛ ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف! وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد، بعد الأمر المؤكد بعبادة الله» 21.
كما بين القرآن حقوق الآباء على الأبناء، وقد تمثل ذلك جليًا في قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23 - 24] .
ومعنى الإحسان إلى الأبوين أن تبلغ أقصى درجات الوفاء لهما في البر والمكافأة، وأن تزيد في المعاملة الحسنة، عما كان يكون منهما؛ احتياطًا للرعاية والشفقة فإذا بلغ الوالدان أو أحدهما سن الكبر، وصارا عندك في آخر العمر بحال من الضعف والعجز، كما كنت عندهما في بدء حياتك، فعليك اتباع الواجبات الخمسة التالية:
1 (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ) : أي: لا تسمعهما قولًا سيئًا فيه أدنى تبرم، حتى ولا التأفف، وهو التضجر والتألم الذي هو أدنى مراتب القول السيء، وذلك في أي حال، ولا سيما حال الضعف والكبر والعجز عن الكسب؛ لأن الحاجة إلى الإحسان حينئذ أشد وأولى وألزم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة) 22.
2. (لَا تَنْهَرْهُمَا) : أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح.
3. (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) أي: وقل لهما قولًا لينًا طيبًا حسنًا مقرونًا بالتوقير والتعظيم والحياء والأدب الجم.
4. (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) أي: تواضع لهما بفعلك، والتواضع ينبغي أن يكون رحمةً بهما، وشفقةً عليهما، لا لأجل امتثال الأمر وخوف العار والنقد فقط.
5. (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) : أي: اطلب لهما الرحمة من الله في حال كبرهما وعند وفاتهما، وخصها بالذكر؛ ليتذكر العبد شفقة الأبوين وتعبهما في التربية، فيزيده ذلك إشفاقًا لهما وحنانًا عليهما 23.
ثانيًا: حقوق الزوج وواجباته:
نظم الإسلام الحنيف العلاقة بين الزوجين بما يكفل دوام العشرة الزوجية، ويحقق سعادة الطرفين، ويرعى الأسرة في بدايتها، وأثناء وجودها، وبعد انتهاء الرابطة الزوجية:
أولًا: حقوق الزوج:
1.الحفاظ على النسب، وحقه في نسبة الولد إليه.
قال تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِڑ) [البقرة: 228] .
لا يحل للمرأة أن تكتم شيئًا مما في رحمها من حمل أو حيض إن كانت مؤمنةً بالله واليوم الآخر إيمانًا صادقًا، فإذا انتهت الزوجية وجب على المرأة شرعًا ما يسمى بالعدة، وعدة الطلاق ثلاث حيضات، وعدة الحامل بوضع الحمل، وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام، وذلك تقديرًا لنعمة الزواج، وإظهارًا للأسى والحزن على الفراق، وللتعرف على براءة الرحم من الولد، حتى لا تختلط الأنساب 24.
2.القوامة في الأسرة.
قال تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: 34] .
فالزوج هو المسئول في نظام الإسلام عن النفقة عليها، ومسئوليته عن النفقة على أسرته تجعله أكثر تحفظًا واحترازًا من الاستجابة السريعة للشهوات العابرة، والانفعالات الحادة المصحوبة بالرعونة والطيش، وليس في هذا إهمال للمرأة، أو إنقاص من أهليتها، أو الطعن في كفايتها وعقلها وعلمها، بل إن الإسلام في هذا أراد صون المرأة، والحفاظ على كرامتها، وعدم تعريضها للأذى والسوء، والقوامة ليست استبدادًا أو تعسفًا أو تسلطًا وترفعًا، وإنما هي تكليف بالإدارة والرعاية والولاية والنفقة، وهذا التكليف عبء على الرجال أكثر من النساء 25.
3.ألا تكون ناشزًا خارجة عن طاعته.
ما لم يأمرها الزوج بما فيه معصية لله، أو هضم لحقوقها التي شرفها الله بها، وقد أرشد الإسلام إلى استخدام وسائل التربية والتأديب الحكيمة.
قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] .
كما بين النبي صلى الله عليه وسلم حقوق الرجل على زوجته في العديد من الأحاديث، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير النساء: التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها) 26.