قال ابن العربي معلقًا عليه: «وهذا الذي قاله كلام صحيح، فإنها تصرفت بعقولها العاجزة في تنويع الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة ولا عدل، والذي تصرفت بالجهل فيه من اتخاذ الآلهة أعظم جهلا وأكبر جرما، فإن الاعتداء على الله تعالى أعظم من الاعتداء على المخلوقات. والدليل في أن الله واحد في ذاته واحد في صفاته واحد في مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال وهذا حرام» 68.
وقال القسطلاني: « {قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ} أي بناتهم مخافة الفقر {سَفَهًا} نصب على الحال أي ذوي سفه {بِغَيْرِ عِلْمٍ} لأن الفقر وإن كان ضررًا إلا أن القتل أعظم منه، وأيضًا فالقتل ناجز وذلك الفقر موهوم فالتزام أعظم المضار على سبيل القطع حذرًا من ضرر موهوم لا ريب أنه سفاهة وهذه السفاهة إنما تولدت من عدم العلم بأن الله رازق أولادهم، ولا شك أن الجهل من أعظم المنكرات والقبائح إلى قوله: {قَدْ ضَلُّوا} عن الحق {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [الأنعام: 140] .
والفائدة في قوله: {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} بعد قوله: {قَدْ ضَلُّوا} الإشارة إلى أن الإنسان قد يضل عن الحق ويعود إلى الاهتداء، فبين أنهم قد ضلوا ولم يحصل لهم الاهتداء قط، وهذا نهاية المبالغة في الذم» 69.
لما كان القتل على نوعين: قتلٌ بحقٍ وقتلٌ بغير حقٍ على نحو ما تقدم ذكره، فإنه تترتب بعض الآثار على كل نوع منهما بيانها على النحو الآتي:
أولًا: آثار القتل بحق:
تقدم ذكر صور القتل بحق، وأشير هنا إلى أبرز الآثار الدنيوية والأخروية التي تترتب عليه:
الأول: يترتب على القتل قصاصًا حفظ النفس، وهو أحد مقاصد الشريعة، مما يؤدي إلى تحقيق العدالة في المجتمع، وإحياء النفوس عن الإهدار، قال الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:179] .
وفي المقصود بكلمة {حَيَاةٌ} في الآية معان وعبر ذكرها المفسرون:
منها: أن معناه بقاء يحجز بعضكم عن بعض {يَاأُولِي الْأَلْبَابِ} يعني: من كان له لب أو عقل فذكر القصاص فيحجزه الخوف عن القتل {لَعَلَّكُمْ} يعني: لكي تتقوا الدماء مخافة القصاص 70.
ومنها: أن معناه في إيجاب القصاص حياة؛ لأن من هم بالقتل فذكر القصاص ارتدع فكان ذلك سببًا للحياة. روي عن مجاهد وقتادة وأكثر أهل العلم.
ومنها: أن معناه جعل الله هذا القصاص حياة وعبرة لكم، كم من رجل قد هم بداهية فمنعه مخافة القصاص أن يقع بها! وإن الله قد حجز عباده بعضهم عن بعض بالقصاص. قاله الربيع بن خيثم 71.
الثاني: يترتب على القتل في حد الردة الحفاظ على الدين، فقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر:65] .
ومن هنا فإن السنة النبوية قد نصت على أن عقوبة المرتد هي القتل ففي الصحيح عن عكرمة قال أتى علىٌ رضي الله عنه بزنادقةٍ فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباسٍ فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من بدل دينه فاقتلوه) 72.
الثالث: يترتب على قتل الساحر الحفاظ على الدين والعقل والنفس والعرض والمال، نظرًا لتأثير السحر على كل ذلك، وهذا الحكم مستنبط من القرآن الكريم والسنة النبوية.
فمما استنبطه بعض المفسرين من قوله تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة:102] .
حيث قال: «وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه فلا يعلم بصحة توبته منه لو تاب» 73.
وفي السنة النبوية عن الحسن عن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حد الساحر ضربة بالسيف) 74.
وأخرج مالك عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة انه بلغه: أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت. قال مالك: الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره هو مثل الذي قال الله تبارك وتعالى في كتابه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة:102] .
فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه 75.
وقتل الساحر مروي عن عمر وعثمان وابن عمر وحفصة وأبي موسى وقيس بن سعد وعن سبعة من التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة 76.
ثانيًا: آثار القتل بغير حق:
يترتب على القتل بغير حق آثار في الدنيا وآثار في الآخرة، بيانها على النحو الآتي:
الأول: القتل بغير حق يترتب عليه القصاص، على نحو ما هو مبسوط في موضعه من مبحث عقوبة القتل.
الثاني: يترتب على القتل بغير حق (القتل العمد) خمس عقوبات أخروية وردت في آية واحدة من كتاب الله تعالى وهي قوله جل شأنه: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93] .
وهذه الآية الكريمة اختلف المفسرون من السلف بشأنها هل هي محكمة أم منسوخة، وذهب الصحابيان ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما إلى القول بأنها محكمة، وأن القاتل العمد لا توبة له، وبنحو قولهم قال ابن عمر، والضحاك وآخرون 77.
وأخرج البخاري عن سعيد بن جبير، قال: «آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: «نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء:93] .
هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء» 78.
وروي عن سالم بن أبي الجعد قال: «سأل رجلٌ ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن رجلٍ قتل مؤمنًا متعمدًا ثم تاب، وآمن، وعمل صالحًا، ثم اهتدى، قال: وأنى له الهدى؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يجيء المقتول يوم القيامة متعلقًا بالقاتل، تشخب أوداجه دمًا، فيقول: يا رب، سل هذا لم قتلني؟) 79.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه قوله: «إنها لمحكمة، وما تزداد إلا شدة» 80.
ويرى بعض المفسرين أن رأي ابن عباس رضي الله عنهما هذا إنما هو في مستحل القتل العمد لا مجرد فاعله.
قال ابن عطية: «إن الأصح في تأويل قوله تعالى: {مُتَعَمِّدًا} ما قال ابن عباس: إنه أراد مستحلا، وإذا استحل أحد ما حرم الله عليه فقد كفر، ويدل على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنا نجد الله تعالى في أمر القتل إذا ذكر القصاص لم يذكر الوعيد، وإذا ذكر الوعيد بالنار لم يذكر القصاص، فيظهر أن القصاص للقاتل المؤمن العاصي، والوعيد للمستحل الذي في حكم الكافر، ومنها من جهة أخرى أن الخلود إذا لم يقرن بقوله: «أبدا» فجائز أن يراد به الزمن المتطاول، إذ ذلك معهود في كلام العرب، ألا ترى أنهم يحيون الملوك بخلد الله ملكك.
ومن ذلك قول امرئ القيس 81:
وهل يعمن إلا سعيد مخلد
قليل الهموم ما يبيت بأوجال 82
والكلام حول هذه الآية مما يطول المقام فيه، ويتشعب إلى مسائل عقدية، وفقهية واسعة.
الثالث: يترتب على القتل بغير حق الإفساد في الأرض لقول الله تعالى في كتابه العزيز {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .
وفي المقصود بقتل الجميع وإحيائهم هنا أقوال:
القول الأول: ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة وعطية: «من قتل نبيًا وإمامًا عادلًا فكأنما قتل الناس جميعًا ومن عمل على عضد نبي أو إمام عادل فكأنما أحيا الناس جميعًا» .
القول الثاني: ما قاله مجاهد: «من قتل نفسًا محرمة يصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعا، ومن أحياها من سلم من قتلها فقد سلم من الناس جميعا» .
القول الثالث: ما قاله السدي: «من قتل فكأنما قتل الناس جميعًا عند المقتول في الإثم ومن أحياها واستنقذها من هلكة من غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك فكأنما أحيا الناس جميعًا عند المستنقذ» .
القول الرابع: ما قاله الحسن وابن زيد: « {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} يعني: إنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي نوى بقلبه لو كان قتل الناس جميعا ومن أحياها من عفا عمن وجب له القصاص منه فلم يقتله فكأنما أحيا الناس جميعًا» .
القول الخامس: ما قاله قتادة والضحاك: «عظم الله قتلها أو عظم وزرها فمعناها من استحل قتل مسلم بغير حقه فكأنما قتل الناس جميعًا لأنهم لا يسلمون منه، ومن أحياها فحرمها وتورع من قتلها فكأنما أحيا الناس جميعًا لسلامتهم منه» 83.
الرابع: يترتب على القتل بغير حق قطع الأرحام بين الناس، قال الله تعالى {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) } [محمد: 22] .
حيث فسر قتادة الفساد في الأرض هنا بسفك الدماء الذي ينشأ عنه قطع الأرحام، سواء كانت رحم النسب والقرابة أو رحم الجوار 84، وفسر الزجاج قطع الرحم هنا بوأد البنات الذي كان شائعًا في الجاهلية لكونه قتلا بغير حق 85.
هذا وجرى خلاف بين المفسرين في المقصود بقوله: {تَوَلَّيْتُمْ} هنا على أربعة أقوال مؤداها جميعًا إلى الفساد وقطع الأرحام 86.
الخامس: يترتب على القتل بغير حق الحرمان من الميراث، وهذا لم يرد ذكره في القرآن الكريم صريحًا، وانما استنبطه المفسرون من آيات الفرائض، ولكن ورد ذكره في السنة النبوية.
ففي قول الله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] .
يقول الرازي: «اعلم أن عموم قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} زعموا أنه مخصوص في صور أربعة:
أحدها: أن الحر والعبد لا يتوارثان.
وثانيها: أن القاتل على سبيل العمد لا يرث.
وثالثها: أنه لا يتوارث أهل ملتين، وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول وبلغ حد المستفيض.
ورابعها: من تخصيصات هذه الآية ما هو مذهب أكثر المجتهدين أن الأنبياء عليهم السلام لا يورثون، والشيعة خالفوا فيه» 87.
وقال القرطبي مستنبطًا من قول الله تعالى: {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72] : «ولا خلاف بين العلماء أنه لا يرث قاتل العمد من الدية ولا من المال، إلا فرقة شذت عن الجمهور كلهم أهل بدع» 88.
ومن لطائف الآية ما ذكره أحد المفسرين المعاصرين حول استنباط حكم ميراث القاتل قوله: «إن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى، والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟
قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات، فأما (القاتل والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي.
وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: {لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} [النساء:11] .
وقد علم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب:6] .
مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن «من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه» 89.
لما كان القتل جريمة تهدم كيان الإنسان، الذي هو بنيان الله تعالى، فقد حرمته جميع الشرائع السماوية، وشرعت له العقوبة المناسبة بناء على تقسيمه إلى عمد وخطأ، وهو التقسيم الأساسي للقتل، وجعل بعض هذه العقوبات عقوبات أصلية وبعضها عقوبات تبعية، وجرمته القوانين الوضعية أيضا، وهذا ما سأبحثه فيما يأتي.
أولًا: عقوبة القتل العمد:
حرمت نصوص الشريعة الإسلامية القتل العمد، ورتبت عليه العقوبة الدنيوية والأخروية، ويؤكد ذلك قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام:151] .
وتواترت الأحاديث في هذا الشأن، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم (أول ما يقضى بين الناس بالدماء) 90.
ففيه دليل على عظم شأن دم الإنسان فإنه لا يقدم في القضاء إلا الأهم 91.
ومنها حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك الجماعة) 92.
والعقوبة الأصلية للقتل العمد في الدنيا هي القصاص الوارد في أكثر من موضع من كتاب الله تعالى نحو قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء:33] .
وقوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:178] .
والقصاص في القتل العمد له شروط لاستيفائه (شروط في القتل وشروط في المقتول وشروط في القاتل) 93، وهو - أي القصاص- حق لأولياء المقتول، إن شاءوا أخذوا به، وإن شاءوا اصطلحوا على قبول الدية المغلظة (تغليظا بالصفة وبالحلول دون التأجيل) من القاتل، وإن شاءوا عفوا عن القاتل على نحو ما هو معروف في مواضعه من كتب الفقه.
قال البغوي: «العمد المحض هو: أن يقصد قتل إنسان بما يقصد به القتل غالبا فقتله ففيه القصاص عند وجود التكافؤ، أو دية مغلظة في مال القاتل حالة» 94.
والأصل في القتل العمد القصاص، ثم يليه عند تعذر استيفائه - لسبب من الأسباب- عقوبة الدية، مضافًا إليها التعزير إذا رأت الهيئة الشرعية ذلك، فإذا امتنعت عقوبة الدية أو تعذر استيفاؤها كانت العقوبة هي التعزير، وهنا يلاحظ أن عقوبة التعزير تكون أحيانا بدلا عن القصاص، وأحيانا أخرى بدلا عن بدل القصاص، وهو الدية.
ولا يجوز الجمع بين العقوبة الأصلية وبدلها، ولكن يجوز الجمع بين بدلين، كما يجوز الجمع بين عقوبتين أصليتين، فمثلًا يجوز الجمع بين الدية والتعزير وكلاهما بدل من عقوبة القصاص، ويجوز الجمع بين القصاص والكفارة وكلاهما عقوبة أصلية، ولا جدال في أنه يجوز الجمع بين العقوبات الأصلية والعقوبات التبعية حيث لا يوجد ما يمنع من ذلك عقلًا وشرعًا.
ويترتب على أن القصاص أصل والدية والتعزير بدل أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بالعقوبة البدلية إلا إذا امتنع الحكم بالعقوبة الأصلية ولسبب من الأسباب الشرعية التى تمنع القصاص، فإذا لم يكن هناك مانع وجب الحكم بالعقوبة الأصلية والتعزير والكفارة على رأيٍ، ويلي التعزير الصيام، كعقوبة بدلية، أما العقوبات التبعية فهي الحرمان من الميراث والوصية 95.
ويلاحظ أن القصاص والدية والكفارة، عقوبات واردة في القرآن الكريم، أما التعزير والحرمان من الميراث والوصية فهي واردة في السنة النبوية على نحو ما هو معروف.
أما العقوبة الأخروية للقتل العمد فهي الواردة في قوله جل وعلا: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93] .
على تفصيل كبير للمفسرين والفقهاء وغيرهم في توبة القاتل وأثرها في ذلك.
راعت القوانين الوضعية على مر العصور إيجاد عقوبات للقتل اختلفت من أمة لأخرى ومن عصر لآخر، ولو ذهبنا نتتبع عقوبة القتل في القوانين المختلفة قديما وحديثًا لخرجنا عن المطلوب، ولكن يمكن الإشارة إلى ذلك الأمر بنوع من الاختصار فأقول: إن معظم القوانين الوضعية الحديثة تعترف بعقوبة القصاص؛ ولكنها تطبقها على جريمة القتل فقط، فتعاقب بالإعدام على القتل ولكنها لا تعاقب بالقصاص على الجراح، وتكتفي في عقاب الجارح بالغرامة والحبس أو بأحدهما.
ومن ناحية أخرى فإن بعض القوانين الوضعية لا تحكم بالقصاص على القاتل مباشرة، بل تتفاوت العقوبة ما بين القصاص أو الأشغال الشاقة المؤبدة طبقا لظروف وملابسات الجريمة.
وعلى سبيل المثال فإن قانون العقوبات المصري قد جعل عقوبة القتل العمد هي الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة حيث جاء في المادة 234/ 1 ع «وإذا اقترن القتل العمد بظروف مشددة كانت عقوبته الإعدام، والظروف المشددة التي أخذ بها المشرع المصري ستة: سبق الإصرار والترصد، والقتل بالسم، واقتران القتل بجناية، وارتباطه بجنحة، ووقوع القتل أثناء الحرب على الجرحى حتى من الأعداء 96.
ومن هنا يفترق الفقه الإسلامي عن القانون، فالقانون يرى في هذه الحالة أن العقوبة هي الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، بينما يرى الفقه الإسلامي أن عقوبته هي القصاص الذي يكون لصاحبه الحق في العفو عنه.
وبنظرة تحليلية لهذا القانون يرى بعض أساتذة الشريعة والقانون أن رأي الفقه الإسلامي أنجع في علاج الجرائم من علاج القانون؛ وذلك لأن السجن عقوبة لا تلائم نوع الجناية التي ارتكبت، فإن الجناية أفظع وأشد، إنها قتل نفس بغير حق، فإذا أوجبنا فيها هذه العقوبة ما كان ذلك محققا لعدالة العقاب؛ وبالتالي لا يشفى غليل أهل المجني عليه، ومن هنا يتكاثر ارتكاب الجرائم ويتفشى 97.
وهذا ما عالجته الشريعة الإسلامية، فمن حيث عدالة العقاب أوجبت القصاص حتى يذوق الجاني نفس الكأس الذي أذاقه لغيره، ويتجرع المرارة التي جرعها لغيره، ولا شك أن هذا المسلك في العقوبة أكثر ردعا وزجرا؛ إذ به تتحقق الحياة لنفوس كثيرة قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] .
ثانيًا: عقوبة القتل الخطأ:
عقوبات القتل الخطأ منها ما عقوبات أصلية كالدية والكفارة، ومنها هو ما بدل وهو التعزير والصيام، ومنها عقوبات تبعية مثل الحرمان من الميراث والحرمان من الوصية، وجاءت مشروعية الدية في موضعين من القرآن.