وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يضر بإذن الله، أي: بإرادة الله، والإذن نوعان: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى في الآية السابقة: {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 97] .
وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين» 40.
1.الإكراه على النكاح.
يقول سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
روى البخاري «عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} [النساء: 19] » 41.
يقول الإمام القرطبي في تفسيره لهذا الآية: «لا يحل لكم أن ترثوهن من أزواجهن فتكونوا أزواجًا لهن، فالمقصود إذهاب ما كانوا عليه في جاهليتهم، وألا تجعل النساء كالمال يورثن عن الرجال كما يورث المال، وقرأ حمزة والكسائي» 42.
وقوله تعالى: {لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} ، يعني: ميراث نكاح النساء.
وقيل: أن ترثوا أموالهن كرهًا يعني وهن كارهات.
{وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} أي: لا تحبسوهن عندكم وتمنعوهن وكانوا إذا كانت جميلة تزوجوها وإذا كانت دميمة حبوسها حتى تموت فيرثونها، وتفعلون ذلك، { ... لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ... } ، كأن هذا حكم آخر، لا ترثوا النساء كرهًا هذا حكم، و أيضًا لا تعضلوهن حكم ثانٍ.
والمثال: عندما يكون الرجل كارهًا لامرأته فيقول لها: والله لن أطلقك، أنا سأجعلك موقوفة ومعلقة لا أكون أنا لك زوجًا ولا أمكنك أيضًا من أن تتزوجي؛ وذلك حتى تفتدي نفسها فتبرئ الرجل من النفقة ومؤخر الصداق، فيحمي الإسلام المرأة ويحرم مثل تلك الأفعال.
{إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} ، فحينئذٍ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم واختلفوا في الفاحشة المبينة، فقيل: هي النشوز وسوء الخلق وإيذاء الزوج وأهله، وقيل الفاحشة: هي الزنى، يعني: أن المرأة إذا نشزت أو زنت حل للزوج أن يسألها الخلع، وقيل: كانت المرأة إذا أصابت فاحشة أخذ منها زوجها ما ساق إليها وأخرجها فنسخ الله ذلك بالحدود، {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} .
قال ابن عباس: «الخير الكثير: أن يعطف عليها، فيرزق الرجل ولدها، ويجعل الله في ولدها خيرًا كثيرًا» 43.