أي: أن جيش المسلمين جيش أمين حين أدى ذلك؛ لأن ياقوتة واحدة يضعها في جيبه قيمتها بعشرة آلاف دينار! ولم يكن العرب قبل الإسلام يحلمون بألف ولا بمائة درهم أن يكسبها الواحد من أموال كسرى، لكن عمر رضي الله عنه وجد البساط كاملًا! فتعجب من هذه الأمانة! وكان بجواره أحد الصحابة فقال: «يا أمير المؤمنين عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا» أي: لو أنك خنت لخانوا، فهؤلاء جيشك تربوا على الإيمان الذي تربيت عليه.
إنها الأمانة التي فقدتها الأمة الإسلامية؛ لأن هؤلاء القوم لم يخرجوا إلا ابتغاء وجه الله، وقاتلوا في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله، وماذا تساوي يواقيت كسرى بالنسبة إلى جنات النعيم؟!
وماذا يساوي أخذ شيء من هذه الدنيا الفانية إذا كان الإنسان متوعدًا عليه بغضب من الله عز وجل، ونارٍ في الدار الآخرة؛ فلذلك أدوا تلك الغنائم كاملة، وشهد لهم عمر رضي الله عنه بالأمانة.
ومما يدل على مكانة الأمانة عند السلف أتباع الأنبياء ما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: «لا يغرنك صلاة امرئ ولا صومه، من شاء صام ومن شاء صلى، ولكن لا دين لمن لا أمانة له» 45.
وقال نافع مولى ابن عمر رضي الله عنهما: «طاف ابن عمر سبعًا، وصلى ركعتين، فقال له رجل من قريش: ما أسرع ما طفت وصليت يا أبا عبد الرحمن! فقال ابن عمر: أنتم أكثر منا طوافًا وصيامًا، ونحن خير منكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وإنجاز الوعد» 46.
وصف الله تعالى مكة بالبلد الأمين، بقوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين:3] .
والمراد: مكة باتفاق 47. وسمي الأمين لأن من دخله كان آمنًا، فالأمين فعيل بمعنى: مفعل، ويجوز أن يكون بمعنى: مفعول، على وجه الإسناد المجازي، أي: المأمون ساكنوه.
قال تعالى: {وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 4] .
والإشارة إليه بقوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ} للتعظيم، ولأن نزول السورة في ذلك البلد، فهو حاضر بمرأى ومسمع من المخاطبين، نظير قوله: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد:1] 48.
والأمن أكبر شروط حسن المكان؛ لأن الساكن أول ما يتطلب الأمن وهو السلامة من المكاره والمخاوف، فإذا كان آمنًا في منزله كان مطمئن البال، شاعرًا بالنعيم الذي يناله.
وأمين للمبالغة، أي: آمن من فيه وما فيه من طير وحيوان ... ، وأمانته حفظه من دخله، كما وصف بالآمن، في قوله: {حَرَمًا آمِنًا} [القصص: 57] .
بمعنى: ذي أمن.
وفائدة القسم بهاتيك البقاع المباركة المشحونة ببركات الدنيا والدين إبانة شرفها، وما ظهر فيها من الخير بسكنى الأنبياء والصالحين 49. وفيه إشارة إلى موارد أعظم الشرائع الواردة للبشر، فـ (التين) إيماء إلى رسالة نوح، وهي أول شريعة لرسول، و (الزيتون) إيماء إلى شريعة إبراهيم ... ، و {وَطُورِ سِينِينَ} إيماء إلى شريعة التوراة، و {الْبَلَدِ الْأَمِينِ} إيماء إلى مهبط شريعة الإسلام، ولم يقع إيماء إلى شريعة عيسى؛ لأنها تكملة لشريعة التوراة، وقد يكون الزيتون على تأويله بالمكان وبأنه المسجد الأقصى إيماء إلى مكان ظهور شريعة عيسى عليه السلام؛ لأن المسجد الأقصى بناه سليمان عليه السلام، فلم تنزل فيه شريعة قبل شريعة عيسى، ويكون قوله: {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين:3] . إيماء إلى شريعة إبراهيم وشريعة الإسلام، فإن الإسلام جاء على أصول الحنيفية؛ وبذلك يكون إيماء هذه الآية ما صرح به في قوله