فهرس الكتاب

الصفحة 269 من 2431

وهكذا نجد أن الأمانة شرط أساس لاصطفاء الرسل، وهي من أبرز أخلاقهم، ولقد تجلى هذا الخلق العظيم في أبهى وأزهى صوره في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد عرف بالأمانة والصدق حتى لقبته قريش بالصادق الأمين، ويدل على ذلك قصة رفع الحجر الأسود عند بناء الكعبة المشرفة، عندما تنازعوا في استحقاق شرف رفعه، ووضعه في مكانه من البيت، حتى كادوا يقتتلون لولا أنهم احتكموا لأول من يدخل من باب الصفا، وكان صلى الله عليه وسلم هو أول من دخل، فقالوا: قبلنا به حكمًا، هذا هو الصادق الأمين، فرفعوه في ثوب، ثم أخذه صلى الله عليه وسلم بيديه، ووضعه في الركن المعد له في الكعبة المشرفة 39.

فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يعرف بالأمين قبل النبوة، وبعد حمله الرسالة مثل الأمانة حق تمثيل، حتى وكل عليًا رضي الله عنه في أداء الأمانات لأهل مكة، بعد أن طردوه منها 40.

وكانت تلك شهادة أعدائه فيه، كما جاء في حوار أبي سفيان وهرقل، حيث قال هرقل: «سألتك ماذا يأمركم؟ فزعمت أنه يأمر بالصلاة، والصدق، والعفاف، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي» ، وفي موضع آخر: «وسألتك هل يغدر؟ فزعمت أن لا، وكذلك الرسل لا يغدرون» 41.

ولئن كانت هذه صفة أصحاب الدعوات فإن أتباعهم كذلك متميزون؛ ولذلك اقترن تعريف المؤمن بسلوكه المميز، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) 42.

أي: الإيمان والأمانة أخوان، بحيث لا وجود للإيمان بدون الأمانة، فمن كان أمينًا بحيث يأمنه الناس على أموالهم ونفوسهم ولا يخاف منه على مال أحد ولا على نفسه؛ فذلك الحقيق بأن يسمى مؤمنًا.

فالرسل أمناء الله على وحيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء) 43.

وكذلك كل من جاء بعدهم من العلماء والدعاة فهم أمناء في تبليغ هذا الدين إلى الناس.

والمقصود أن الأمانة صفة وشعار كل الرسل والدعاة الصادقين الصالحين، في كل الأمم والعصور، فالرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة، وإبلاغ الأمانة، وقد قاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وهذا يقتضي تعظيم الأمانة، والاقتداء بهم في هذه الصفة؛ لأن الاقتداء بالأنبياء مأمور به.

وكذلك كان للأمانة عند أتباع الأنبياء شأن عظيم، فقد رعوها حق رعايتها، وعظموا شأنها، وحثوا عليها، ففي فتوحات فارس غنم المسلمون غنائم كثيرة، وكان من أعجب ما أخذوا من الغنائم البساط -بساط كسرى-، وهذا البساط كان كبير الطول والعرض، وكان كسرى إذا جاء الشتاء يشتاق إلى الربيع، فأمر المهرة والمهندسين والفنيين، فصنعوا له هذا البساط العظيم، وجعلوا اليواقيت فيه مثلما تنبت الأزهار في الربيع ملونة بالألوان المعروفة، فأخذوا اللآلئ واليواقيت والجواهر ولونوها بلون الأزهار، وغرسوها في هذا البساط العظيم، فيجلس كسرى في إيوانه في وسط هذا البساط العجيب، ولم يكن لدى أحد من ملوك الأرض مثل هذا البساط، ولكن ماذا يفعل المسلمون؟ لابد أن يبعثوا بكل هذه الغنائم إلى بيت المال؛ ليقسمها عمر رضي الله عنه، ويعطي من شاء، كما فرض الله سبحانه وتعالى، فكيف كان العمل؟

ليس هناك من وسيلة لنقل هذا البساط كاملًا، فقالوا: لابد أن نقطعه، ويحمل كل جمل ما يستطيع، فقطعه سعد رضي الله عنه ومن معه، حتى أوصلوه إلى المدينة، وقالوا لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: ألا نريك يا أمير المؤمنين كيف كان يجلس كسرى؟! ففرشوا ذلك البساط، وضموا كل قطعة إلى الأخرى، وعمر رضي الله عنه واقف يتأمل ويتفحص، ويتعجب حيث لم تنقص منه لؤلؤة واحدة، فقال: «إن قومًا أدوا هذا لأمناء» وقد قال ابن أبي نجيح: «لما أتي عمر بتاج كسرى وسواريه جعل يقلبه بعود في يده، ويقول: والله إن الذي أدى إلينا هذا لأمين، فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله، يؤدون إليك ما أديت إلى الله، فإذا رتعت رتعوا. قال: صدقت» 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت