قال ابن عطية: ظاهر هذا الوعد بالجزاء الحسن أنه في الدنيا، وإن طيب الحياة اللازم للصالحين، إنما هو بنشاط نفوسهم، ونبلها، وقوة رجائهم، والرجاء للنفس أمر ملذ، فبهذا تطيب حياتهم، وبأنهم احتقروا الدنيا، فزالت همومها عنهم، فإن انضاف إلى هذا مال حلال، وصحة، أو قناعة، فذلك كمال، فيكون قوله تعالى: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} معناه: لنعطينه ما تطيب به حياته: وهو القناعة والرضا 161.
6.حفظ الذرية بعد الموت.
إن الوعد على العمل الصالح ليس مختصًا بالآخرة، بل يدخل فيه أمور الدنيا حتى في الذرية بعد موت العامل.
قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82) } [الكهف: 82] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} قال: حفظا بصلاح أبيهما، وما ذكر منهما صلاح 162.
وعن محمد بن المنكدر قال: إن الله عز وجل ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، ويتلو هذه الآية 163.
والمقصود: أن من آثار وثمار العمل الصالح حفظ ذرية الرجل بعد موته بعمله الصالح، كما دلت الآية السابقة على ذلك.
ومن آثار العمل الصالح على المجتمع:
1.حصول الأمن والتمكين والاستخلاف.
من آثار العمل الصالح على المجتمع أنه طريق إلى الأمن والاستخلاف والتمكين.
قال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا} [النور: 55] .
قال ابن كثير: «هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وقد فعل تبارك وتعالى ذلك، فإنه لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر والإسكندرية -وهو المقوقس- وملوك عمان، والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة -رحمه الله وأكرمه-164.
وفي تصدير الآية الكريمة بقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ} بشارة عظيمة للمؤمنين بتحقيق وعده تعالى؛ إذ وعد الله لا يتخلف، كما قال تعالى: {وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) } [الروم: 6] .
والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، و {مِنْ} بيانية، أي: وعد الله تعالى بفضله وإحسانه الذين صدقوا في إيمانهم من عباده، والذين جمعوا مع الإيمان الصادق والعمل الصالح، وعدهم ليستخلفهم في الأرض، أي: ليجعلنهم فيها خلفاء، يتصرفون فيها تصرف أصحاب العزة والسلطان والغلبة، بدلًا من أعدائهم الكفار.
فهذا هو الوعد الأول للمؤمنين: أن يجعلهم سبحانه خلفاءه في الأرض، كما جعل عباده الصالحين من قبلهم خلفاءه، وأورثهم أرض الكفار وديارهم.
وأما الوعد الثاني فيتجلى في قوله تعالى: {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} والتمكين: التثبيت والتوطيد والتمليك، يقال: تمكن فلان من الشيء إذا حازه، وقدر عليه.
أي: وعد الله المؤمنين بأن يجعلهم خلفاءه في أرضه، وبأن يجعل دينهم وهو دين الإسلام الذي ارتضاه لهم ثابتًا في القلوب، راسخًا في النفوس، باسطًا سلطانه على أعدائه، له الكلمة العليا في هذه الحياة، ولمخالفيه الكلمة السفلى.
وأما الوعد الثالث فهو قوله سبحانه: {وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} .
أي: وعدهم الله تعالى بالاستخلاف في الأرض، وبتمكين دينهم، وبأن يجعل لهم بدلًا من الخوف الذي كانوا يعيشون فيه أمنًا واطمئنانًا وراحة في البال، وهدوءا في الحال 165.
والمقصود: أن هذه ثلاثة أشياء، وعد الله عز وجل بها المؤمنين: الاستخلاف في الأرض، فيعطيهم الله عز وجل الحكم فيحكمون بشرعه سبحانه وتعالى، فقد آمنوا، وعملوا الصالحات، وتربوا على العقيدة الصحيحة، وعلى العمل الصالح، فاستحقوا أن يسودوا العالم، وأن يحكموا غيرهم، فوعدهم بالاستخلاف، ووعدهم بأن يمكن لهم هذا الدين العظيم الذي ارتضاه لهم.
فإذا كان الله عز وجل وعد المؤمنين فالوعد عام، فإذا نص على هؤلاء فالوعد عاجل في التنفيذ: أنه يا من أنتم آمنتم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وابتليتم وتعبتم، وأوذيتم في سبيل الله عز وجل سنمكن لكم.
2.طريق إلى النعم والخيرات.
ومن آثار العمل الصالح على المجتمع أنه يثمر حصول النعم والخيرات.
قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) } [الحج: 50] .
وقال: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) } [سبأ: 4] .
فذكر الله تعالى منهم أمرين الإيمان والعمل الصالح، وذكر لهم أمرين المغفرة، والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان، فكل مؤمن مغفور له؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116] .
والرزق الكريم مرتب على العمل الصالح، وهذا مناسب، فإن من عمل لسيد كريم عملًا فعند فراغه من العمل لا بد وأن ينعم عليه، وتقدم وصف الرزق بالكريم أنه بمعنى ذا كرم، أو مكرم، أو لأنه من غير طلب بخلاف رزق الدنيا، فإنه إن لم يطلب ويتسبب إليه لا يأتي.
فإن قيل: ما الحكمة في تمييزه الرزق بوصفه بأنه كريمٌ، ولم يضف المغفرة؟
فالجواب: لأن المغفرة واحدة، وهي للمؤمنين، وأما الرزق فمنه شجرة الزقوم والحميم، ومن الفواكه والشراب الطهور، فميز الرزق لحصول الانقسام فيه، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها 166.
والمقصود: أن من ثمار العمل الصالح المغفرة والرزق والسعة والرخاء، التي إن حصلت في أي مجتمع بجانب الإيمان والعمل الصالح كان مجتمعًا مثاليًا سعيدًا.
3.الحصول على الخيرية.
ومن آثار العمل الصالح على المجتمع أنه طريق إلى خيرية المجتمع، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) } [البينة: 7] .
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح {أُولَئِكَ} المنعوتون بهذا هم خير البرية 167. أي: أفضل الخليقة؛ لأنهم بمتابعة الحق عند معرفته بالدليل القائم عليه قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الإنساني، وهدوا غيرهم بحسن الأسوة إلى مثل ما هدوا إليه من الخير والسعادة، فمن يكون أفضل منهم؟ 168.
قال الشافعي رحمه الله: والخير كلمة يعرف ما أريد منها بالمخاطبة بها، قال الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} الآية، فعقلنا أنهم: خير البرية بالإيمان وعمل الصالحات، لا بالمال 169.
والمقصود: أن الذين يجمعون بين الإيمان والعمل الصالح استحقوا أربعة أنواع من الجزاء:
وصفهم بأنهم خير البرية، ودخول جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، والخلود فيها أبدًا، ورضوان الله عليهم أي: رضي أعمالهم، ورضاهم عن الله، أي: رضاهم بثواب الله تعالى.
وأن المجتمع الذي يحرص أبناؤه على الأعمال الصالحة لحري أن يكون مجتمع خير وصلاح، ومجتمع نور وهداية، بعكس المجتمع الغارق أهله بالأعمال السيئة، فهو مجتمع بعيد عن الخيرية، خالٍ من الفضيلة.
ثانيًا: أثر العمل السيء:
للعمل السيء آثار سيئة، وعواقب وخيمة، على الفرد وعلى المجتمع.
ومن آثاره على الفرد:
1.أنه يسوء صاحبه يوم القيامة.
من آثار العمل السيئ أنه يسوء صاحبه، قال الله تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30] أي: لكراهتها إياه.
فيود أهل الطاعات أن لو استكثروا منها، ويود أهل المخالفات أن لو كبحوا لجامهم عن الركض في ميادينهم 170.
قال السمعاني: أي: غاية مديدة. قال السدي: ما بين المشرق والمغرب. وفي الأخبار: أن الأعمال يؤتى بها يوم القيامة على صور، فما كان منها حسنًا، فعلى الصورة الحسنة، وما كان قبيحًا فعلى الصورة القبيحة 171.
2.أنه سبب للعقاب والعذاب.
من آثار العمل السيئ أنه سبب للعذاب والعقاب، قال الله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) } [النساء: 123] .
فقوله: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ} أكثر المفسرين: على أن هذا في المسلمين وأهل الكتاب، وذلك أن المسلمين قالوا: نحن أهدى منكم. وقال أهل الكتاب: نحن أهدى منكم. فأنزل الله هذه الآية، يقول: ليس ثواب الله بالأمنية {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} قال الحسن: هذا في الكفار خاصة؛ لأنهم يجازون بالعقاب على الصغير والكبير، والمؤمن يجازى بأحسن عمله، ويتجاوز عن سيئاته، ثم قرأ: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا} [الزمر: 35] الآية.
وقيل: هذا عام في كل من عمل سوءًا من مسلم وكافر، ولكن المؤمن يجزى به في الدنيا 172.
وأخبر الله تعالى أن العمل السيئ يحيط بصاحبه، قال تعالى: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] أي: لا تنزل عاقبة السوء إلا بمن أساء، قال الكلبي: يحيق بمعنى: يحيط، والحوق: الإحاطة، يقال: حاق به كذا إذا أحاط به، وهذا هو الظاهر من معنى «يحيق» في لغة العرب، ولكن قطرب فسره هنا بـ «ينزل» 173.
فالعمل السيء سبب في نزول العقاب وحلول العذاب قال تعالى: {فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ} [الأعراف: 39] أي: بسبب كسبكم، وهو العمل السيء.
كما قال تعالى: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) } [فصلت: 27] .
3.أنه سبب الذل والهوان.
ومن آثار العمل السيئ أنه سبب الذل، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) } [يونس: 27] .
فقوله: {جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا} قال الفراء: فلهم جزاء السيئة بمثلها، والمعنى: أنهم يجزون بمثل ما عملوا {وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} يصيبهم الذل والخزي والهوان {مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ} ما لهم من عذاب الله من مانع يمنعهم 174.
{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} أي: كأنما ألبست وجوههم {قِطَعًا} أي: أجزاءً {مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا} لشدة السواد والظلمة التي على وجوههم والعياذ بالله بسبب الشرك والمعاصي، فكأنهم لبسوا ثوبًا أسودًا غطوا وجوههم به، والقصد الإخبار بأبدع تشبيه عن سواد وجوههم.
وقال قبلها في المقابل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) } [يونس: 26] .
والمقصود: أن في الآيات بيانًا لمصير المحسنين والمسيئين في الآخرة، فللأولين الحسنى وزيادة، فلا يغشى وجوههم قتر النار، ولا تتلوث بسخامها، ولا يصيبهم هوان، ويكونون خالدين في الجنات، وللآخرين جزاء سيء من جزاء عملهم، ولهم الذل والهوان، ولن يجدوا لهم من الله عاصمًا، ويشتد سواد وجوههم من القتر والسخام، ويكونون خالدين في النار.
والآيات جاءت كما هو المتبادر معقبة على سابقاتها، وهي والحالة هذه متصلة بها، واستمرار لها، وقد انطوى فيها تنويه بالمهتدين المحسنين، وتطمين لهم، وإنذار للكفار المسيئين، وتنديد لهم، وإطلاق الكلام فيها يجعلها كسابقاتها عامة التوجيه والتبشير والإنذار لكل الناس في كل ظرف كما هو المتبادر 175.
ثالثًا: أثر العمل المباح:
كما أن للعمل الصالح والسيئ أثرًا على صاحبه، فإن العمل المباح له أثر على صاحبه كذلك، فالعمل في التجارة والصناعة والزراعة له آثار وثمار تعود على أصحابها، ومن هذه الآثار: الأكل من رزق الله.
قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15] وقال: {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] .
فالأكل من الرزق مسبب عن المشي والسعي وأثر عنه، ولا يخفى أن الأمر بالمشي والأكل للإباحة 176، وفي قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} أمر بالتسبب والكسب.
قال ابن كثير: في الآية تذكير بنعمته تعالى على خلقه في تسخيره لهم الأرض، وتذليله إياها لهم، بأن جعلها ساكنة لا تميد ولا تضطرب بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهيأ فيها من المنافع، ومواضع الزرع والثمار.
والمعنى: سافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات 177.
يوم القيامة هو يوم الجزاء الذي يجد فيه العامل جزاء ما عمله، وما كسبه، ومن آثار العمل في الآخرة:
أخبر الله تعالى أنه يحصي عمل العبد في كتاب.
قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} [الكهف: 49] .
وقال: {لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) } [مريم: 94] .
وقال: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) } [المجادلة: 6] .
وقال: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) } [النبأ: 29] .
وقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) } [يس: 12] .
والإحصاء والكتب والحساب والعد والحفظ بمعنى متقارب: وهو الضبط 178 والعد 179.
وقال في آية أخرى قال: {كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) } [الانفطار: 11] يعني: يكتبون أعمال العباد.
فالإحصاء والكتب يتشاركان في معنى الضبط 180.
وهو بمعنى الحساب كما قال في آية أخرى: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .
وفي الآية توعد وإشارة إلى ضبط أعمالهم من الحساب، وهو العد والإحصاء، والمعنى: أنه لا يغيب عنا شيء من أعمالهم، وقيل: هو كناية عن المجازاة، فالإحصاء: هو العد، وكانوا قديمًا يستخدمون الحصى أو النوى في العد، لكن النوى فرع ملكية النخل، فقد لا يتوفر للجميع؛ لذلك كانوا يستخدمون الحصى، ومنه كلمة الإحصاء 181.
قال الرازي قوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} المراد: أنه يوضع في هذا اليوم كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين، أو في الشمال، والمراد الجنس، وهو صحف الأعمال 182.
فهؤلاء لما رأوا أعمالهم قد أحصيت عليهم، وكتبت في صحفهم تعجبوا، فقالوا: {يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ} يعني: أنهم يقولون: إذا قرؤوا كتابهم، ورأوا ما قد كتب عليهم فيه من صغائر ذنوبهم وكبائرها، نادوا بالويل حين أيقنوا بعذاب الله، وضجوا مما قد عرفوا من أفعالهم الخبيثة التي قد أحصاها كتابهم، ولم يقدروا أن ينكروا صحتها 183.
فهم {مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} [الكهف: 49] .
أي: خائفين مما في الكتاب من أعمالهم الخبيثة، وخائفين من ظهور ذلك لأهل الموقف فيفتضحون، وبالجملة يحصل لهم خوف العقاب من الحق، وخوف الفضيحة عند الخلق ويقولون: {يَاوَيْلَتَنَا} ينادون هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} وهي عبارة عن الإحصاء بمعنى: لا يترك شيئًا من المعاصي، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، إلا وهي مذكورة في هذا الكتاب، وإدخال تاء التأنيث في الصغيرة والكبيرة على تقدير أن المراد الفعلة الصغيرة والكبيرة {إِلَّا أَحْصَاهَا} إلا ضبطها وحصرها 184.
وأفاد عطف الكبيرة على الصغيرة التسوية في الإحصاء بينها وبين الصغيرة، فالمراد أنه لا يدع شيئًا إلا أحصاه 185.
وهذا الضبط والإحصاء لا يخص أعمال بنى آدم، بل يتناول جميع الأشياء.
قال الله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] .
أي: وبينا كل شيء وحفظناه، في أصل عظيم يؤتم به، ويتبع ولا يخالف، وهو علمنا الأزلي القديم الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها 186.
وقد بين الله تعالى أن هذا الإحصاء في كتاب، سهل يسير على الله تعالى، فقال تعالت كلماته: {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] .
أي: سهل لا يحتاج إلى معاناة من الله العلي الكبير، بل إنه سهل عليه سبحانه، وإن الحكم الفاصل يقع منه في ساعات أو لحظات 187.
والمقصود: أن من أثر العمل في الآخرة أن الله يحصيه على العبد، فلا يضيع منه شيء، حتى يندهش العبد من دقة الإحصاء والحفظ، فيقول: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً} والمراد بالاستفهام هنا مجرد التعجب من الكتاب في هذا الإحصاء الدقيق.
وعن قتادة قوله: {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء، ولم يشتك أحد ظلمًا، فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه 188.
والمراد بالكتاب جنس الكتاب؛ فيشمل جميع الكتب التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا، وأن المجرمين يشفقون مما فيه أي: يخافون منه، وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى ومنها قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12) } [يس: 12] .
فالمراد بـ {مَا قَدَّمُوا} ما عملوا من الأعمال قبل الموت، شبهت أعمالهم في الحياة الدنيا بأشياء يقدمونها إلى الدار الآخرة، كما يقدم المسافر ثقله وأحماله.
وأما الآثار فهي آثار الأعمال، وليست عين الأعمال بقرينة مقابلته بـ {مَا قَدَّمُوا} مثل ما يتركون من خير، أو يثير بين الناس وفي النفوس، والمقصود بذلك ما عملوه موافقًا للتكاليف الشرعية، أو مخالفًا لها وآثارهم كذلك.
فالآثار مسببات أسباب عملوا بها، وليس المراد كتابة كل ما عملوه؛ لأن ذلك لا تحصل منه فائدة دينية يترتب عليها الجزاء، فهذا وعد ووعيد كل يأخذ بحظه منه 189.