فهرس الكتاب

الصفحة 1592 من 2431

عاد

ذكر الله سبحانه وتعالى الكثير من القصص القرآنية في كتابه العزيز، يتحدث في هذه القصص عن أقوام وأمم سابقة، كيف الحال معهم من حيث: عبادة الله عز وجل، وموقفهم من الأنبياء المرسلة إليهم، وما هو الجزاء الذي يستحقونه نتيجة أفعالهم؟ كل ذلك لحكمة يقضيها الله سبحانه وتعالى، ومن الأقوام الذين قص الله خبرهم قوم عاد.

أولًا: التسمية:

هذه القبيلة ينسبون إلى جدهم عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، قال ابن إسحاق مبينًا ذلك: «عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح» 1.

وقال الطبري: «وكان ممن طغا وعتا على الله عز و جل بعد نوح، فأرسل الله إليهم رسولًا فكذبوه وتمادوا في غيهم، فأهلكهم الله هذان الحيان من إرم بن سام بن نوح أحدهما: عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح وهي عاد الأولى» 2.

ولكن هل هما عادان أم عاد واحدة؟

ذكر أهل العلم في ذلك قولين:

القول الأول: إنها عاد واحدة، وقد نسب الألوسي هذا القول إلى الجمهور فقال: « {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} [النجم:50] أي: القدماء؛ لأنهم أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح، كما قاله ابن زيد والجمهور» 3.

القول الثاني: إنهما عادان، وقد نقله الطبري عن ابن إسحاق، وقال به ابن كثير 4.

وسبب اختلافهم يرجع إلى قول الله تعالى: {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى} [النجم:50] .

فمن فهم من لفظة الأولى أن هناك أخرى جعلهما عادين، أما أصحاب القول الأول فقد فهموا من هذا الوصف أنها أولى باعتبار هلاكها فهي أولى الأمم هلاكًا بعد قوم نوح، وأول العرب ذكرًا، وأول العرب البائدة، أو إن الأولى بمعنى القديمة 5.

ثم إن أصحاب القول الثاني اختلفوا في تسمية عاد الأولى والأخرى على قولين:

أحدهما: إن عادًا الأولى عاد بن إرم، وهم الذين أهلكوا بريح صرصر عاتية، وعادًا الآخرة قوم هود.

الثاني: إن عادًا الأولى قوم هود والآخرة قوم كانوا بحضرموت 6. والله أعلم.

ثانيًا: المكان:

تحدث القرآن الكريم عن مكان وجودهم وسكناهم، وقد سميت سورة من سور القرآن الكريم باسم المكان الذي سكنوه وهو الأحقاف.

فالأحقاف اسم المنطقة التي سكنها قوم عاد، وهم قوم نبي الله هود عليه السلام لقوله تعالى: {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} [الأحقاف:21] .

وقبل أن نقوم بتحديد مكان منطقة الأحقاف، لا بد من معرفة معنى الأحقاف كما ذكر في تفاسير القرآن، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره «أن الأحقاف جمع حقف وهو: الجبل من الرمل» 7.

أما الماوردي فقد عرفها تعريفًا دقيقًا في تفسيره فقال: «الأحقاف هي ما استطال واعوج من الرمل العظيم ولا يبلغ أن يكون جبلا» 8.

أما مكان الأحقاف التي هي ديار عاد فقد اختلف المفسرون في ذلك على أقوال يجمعها ما قاله الحافظ ابن كثير: «وكانوا عربًا يسكنون الأحقاف - وهى جبال الرمل - وكانت باليمن بين عمان وحضر موت، بأرض مطلة على البحر يقال لها الشحر، واسم واديهم مغيث» 9.

وعلى العموم فالمقصود من القصة أخذ العظة والعبرة مما حدث لهؤلاء القوم، وتحديد المكان ليس فيه مزيد عبرة سوى النظر في عاقبة الظالمين، وما أحسن قول الإمام الطبري بعد أن استعرض تلك الأقوال ثم قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: أن الله تبارك وتعالى أخبر أن عادا أنذرهم أخوهم هود بالأحقاف، والأحقاف ما وصفت من الرمال المستطيلة المشرفة، وجائز أن يكون ذلك جبلًا بالشام، وجائز أن يكون واديًا بين عمان وحضرموت، وجائز أن يكون الشحر، وليس في العلم به أداء فرض، ولا في الجهل به تضييع واجب، وأين كان فصفته ما وصفنا من أنهم كانوا قوما منازلهم الرمال المستعلية المستطيلة» 10.

ثالثًا: الزمان:

ذكر الله تعالى في قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] .

زمان قوم عاد، فهم كانوا من ذرية نوح عليه السلام، وبعده في الزمان.

قال الطبري في تفسير هذه الآية: «واذكروا ما حل بقوم نوح من العذاب إذ عصوا رسولهم، وكفروا بربهم، فإنكم إنما جعلكم ربكم خلفاء في الأرض منهم، لما أهلكهم أبدلكم منهم فيها، يعني في الأرض، {مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} أي: من بعد إهلاكهم» 11.

وقال ابن كثير: «وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف:69] » 12.

[انظر: هود: التعريف بهود عليه السلام وقومه]

ورد ذكر (عاد) في القرآن الكريم (24) مرة، في (18) سورة.

وأما قصتهم فقد وردت في السور الآتية:

السورة ... الآيات

الأعراف ... 65 - 72

هود ... 50 - 60

الشعراء ... 123 - 140

فصلت ... 15 - 16

الأحقاف ... 21 - 26

الذاريات ... 41 - 42

القمر ... 18 - 21

الحاقة ... 6 - 8

أولًا: اسم نبيهم ونسبه:

ذكر الله تعالى أن نبي الله هودًا عليه السلام أخ لقبيلة عاد، قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف:65] .

إلا أن المفسرين اختلفوا في هذه الأخوة على قولين:

القول الأول: إنها أخوة نسب، وإن هودًا من قبيلة عاد، وممن صرح بذلك ونص عليه الإمام البغوي فقال: «أي: وأرسلنا إلى عاد -وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام، وهي عاد الأولى - «أخاهم» في النسب لا في الدين» 13.

وعلى هذا فالأخوة هنا مطلق القرابة كما يقال: يا أخا العرب؛ إذ إن هودا من بني عاد 14.

القول الثاني: إنه ليس من قبيلة عاد، أما إطلاق الأخوة عليه فلأنه بشر مثلهم، أو لكون الجميع من ولد آدم عليه السلام، وممن قال بذلك ابن إسحاق والزجاج.

يقول ابن الجوزي: «المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا، قال الزجاج: وإنما قيل أخوهم؛ لأنه بشر مثلهم من ولد أبيهم آدم» 15.

وبناء على هذا الخلاف ذكر في نسبه عليه السلام قولان:

القول الأول: إنه هود بن عبد الله بن رباح بن الجارود بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام. وهذا على قول من جعل الأخوة أخوة النسب.

القول الثاني: إنه هود بن شالخ بن أرفحشذ بن سام بن نوح عليه السلام 16.وعليه لا قرابة بينه وبين عاد.

فأما اسم نبيهم عليه السلام فقد ذكر أهل العلم قولين في ذلك:

الأول: إن اسمه هود كما سبق.

والثاني: إن اسمه عابر.

يقول الإمام الطبري: «فأما عاد فإن الله عز و جل أرسل إليهم هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، ومن أهل الأنساب من يزعم أن هودًا هو عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح» 17.

والذي يظهر أن الراجح هو أن اسمه هود كما نص عليه في غير ما آية من كتاب الله تعالى، وأنه من قبيلة عاد، وأن نسبه هو ما يلتقي فيه مع عاد، وذلك لظاهر الآية السابقة، والله أعلم.

وكان هود عليه السلام أشبه الناس بآدم، وقد تحدث القرآن كثيرًا عن هود فيمن تحدث عنهم من رسل الله الكرام، ويعتبر هود عليه السلام من أوسطهم بيتًا، وأكرمهم حسبًا، وأعزهم رهطًا، وذلك ليمنع من سفاهة قومه حتى يبلغهم رسالات الله، و نصح لهم هود بكل جهده وآتاهم بالحق من ربه 18.

[انظر: هود: نسب هود عليه السلام]

ثانيًا: رسالة هود عليه السلام:

أما رسالة النبي هود عليه السلام إلى قومه، مثل رسالة أي نبي من الأنبياء إلى أقوامهم، وذلك بدعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك؛ لكي لا يتخبطوا في بحر من الظلمات، وتحذيرهم وإنذارهم من غضبه وسخطه وعقابه، وتبشيرهم بجنته ورضوانه، والسمع والطاعة لأنبيائه، وهذا هو العهد والميثاق الذي أخذه على أنبيائه جميعًا بتبليغه للناس؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) } [آل عمران:81] .

ومجمل رسالة النبي هود عليه السلام ما ورد عن يحيى بن يعلى قال: «قال هود لقومه حين أظهروا عبادة الأوثان: يا قوم، إني بعثة الله إليكم، وزعيمه فيكم، فاتقوه بطاعته، وأطيعوه بتقواه، فإن المطيع لله يأخذ لنفسه من نفسه بطاعة الله للرضا، وإن العاصي لله يأخذ لنفسه من نفسه بمعصية الله للسخط، وإنكم من أهل الأرض، والأرض تحتاج إلى السماء، والسماء تستغني بما فيها، فأطيعوه تستطيبوا حياتكم، وتأمنوا ما بعدها، وإن الأرض العريضة تضيق عن التعرض لسخط الله» 19.

ولهذا بعثه الله فيهم عليه السلام لكي لا يكون لهم حجة علي الله يوم القيامة.

وأصول رسالة هود عليه السلام ثلاثة:

الأصل الأول: الدعوة للتوحيد وترك عبادة الأصنام.

لم يبعث الله تعالى رسولا إلا دعا قومه إلى عبادة الله وحده.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] .

وقال أيضًا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] .

قال الشنقيطي: «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه. وهذا هو معنى «لا إله إلا الله» ، لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه» 20.

وقوم عاد كانوا عبادًا للأصنام مشركين بالله تعالى، إذ كانت لهم ثلاثة أصنام يعبدونها من دون الله تعالى، قال ابن إسحاق: «كانت منازل عاد وجماعتهم، حين بعث الله فيهم هودًا، الأحقاف كانوا أصحاب أوثانٍ يعبدونها من دون الله: صنم يقال له: «صداء» ، وصنم يقال له: «صمود» ، وصنم يقال له: «الهباء» » 21. فكان أول ما دعا إليه قومه وهو إفراد الله تعالى بالعبادة وحده قال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:65] .

قال البغوي: {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف:65] : وحدوا الله» 22.

وقال ابن كثير: «يقول تعالى {و} لقد أرسلنا {إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف:65] .

آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له ناهيًا لهم عن الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة» 23.

وفي آية أخرى بين الله تعالى على لسان قوم عاد ما أمرهم به رسولهم عليه السلام فقال: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [الأعراف:70] .

يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره: قالت عاد له: أجئتنا تتوعدنا بالعقاب من الله على ما نحن عليه من الدين، كي نعبد الله وحده، وندين له بالطاعة خالصًا، ونهجر عبادة الآلهة والأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها، ونتبرأ منها؟ فلسنا فاعلي ذلك، ولا نحن متبعوك على ما تدعونا إليه» 24.

فتضمنت هذه الآية أمرين:

الأول: الأمر بعبادة الله تعالى وحده.

والثاني: ترك عبادة ما كانوا يعبدونه من الأصنام، فهم وإن كانوا قالوا ذلك استبعادا فهو بيان لما دعاهم إليه عليه السلام.

الأصل الثاني: الإيمان برسالة هود عليه السلام.

قال تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:124 - 126] .

فهو يصف نفسه بالرسالة والأمانة وهذا يقتضي طاعته، قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ} من ربي يأمركم بطاعته، ويحذركم على كفركم بأسه، {أَمِينٌ} على وحيه ورسالته، {فَاتَّقُوا اللَّهَ} بطاعته والانتهاء إلى ما يأمركم وينهاكم، {وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به من اتقاء الله وتحذيركم سطوته» 25.

وقال السعدي: « {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الشعراء:125] .

أي: أرسلني الله إليكم، رحمة بكم، واعتناء بكم، وأنا أمين، تعرفون ذلك مني، رتب على ذلك قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء:126] أي: أدوا حق الله تعالى، وهو التقوى، وأدوا حقي، بطاعتي فيما آمركم به، وأنهاكم عنه، فهذا موجب، لأن تتبعوني وتطيعوني» 26.

وقال تعالى أيضًا مبينا هذا الأصل: {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف:61 - 62] .

فهو عليه السلام رسول إليهم مبلغ لهم ما أرسل به إليهم، قال الطبري: « {وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أرسلني، فأنا أبلغكم رسالات ربي، وأؤديها إليكم كما أمرني أن أؤديها» 27.

وقال ابن كثير: «وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغ والنصح والأمانة» 28.

فظهر مما سبق أنه رسول إليهم ناصح لهم وأمين وهذا يقتضي أن يؤمنوا برسالته ويطيعوه.

الأصل الثالث: الإيمان بالبعث.

قال تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35) هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون:35 - 37] .

ففي هذه الآيات الكريمات يبين الله تعالى لنا كفر عاد بالبعث من بعد الموت فهم يستبعدون ذلك أولًا، ثم ينفونه ثانية.

قال الطبري: « {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} : أي بعيد ما توعدون أيه القوم، من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابا وعظاما مخرجون أحياءً من قبوركم، يقولون: ذلك غير كائن وقوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} يقول: ما حياة إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يقول: تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا فيولدون أحياء {وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} يقول: قالوا: وما نحن بمبعوثين بعد الممات» 29.

إلا أنه قد يقول قائل: إن هذه الآيات من سورة المؤمنون اختلف بالمقصود بها على قولين:

القول الأول: إنهم ثمود، ونبيهم صالح عليه السلام.

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: وقالت الأشراف من قوم الرسول الذي أرسلنا بعد نوح، وعنى بالرسول في هذا الموضع: صالحًا، وبقومه: ثمود» 30.

وقال السعدي: «قال: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [المؤمنون:31] .

الظاهر أنهم ثمود قوم صالح عليه السلام، لأن هذه القصة تشبه قصتهم» 31.

واستدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ} [المؤمنون:41]

قال ابن عاشور: «والأظهر أن المراد به هنا ثمود لأنه الذي يناسبه قوله في آخر القصة {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ} : [المؤمنون:41] ؛ لأن ثمود أهلكوا بالصاعقة، ولقوله: {قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون:40] .

مع قوله في سورة الحجر: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ} [الحجر:83] .

فكان هلاكهم في الصباح. ولعل تخصيصهم بالذكر هنا دون عاد خلافًا لما تكرر في غير هذه الآية لأن العبرة بحالهم أظهر لبقاء آثار ديارهم بالحجر كما قال تعالى: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الصافات:137 - 138] 32.

القول الثاني: إنهم قوم عاد، ونبيهم هود عليه السلام.

قال البغوي: « {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون:32] .

يعني: هودا وقومه. وقيل: صالحا وقومه. والأول أظهر» 33.

وقال ابن الجوزي: « {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} يعني عادًا {فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} وهو هود هذا قول الأكثرين، وقال أبو سليمان الدمشقي: هم ثمود والرسول صالح» 34.

واستدل أصحاب هذا القول بما هو معهود في القرآن الكريم من ذكر قصة عاد بعد ذكر قوم نوح.

قال أبو السعود: « {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ} أي من بعد إهلاكهم {قَرْنًا آخَرِينَ} هم عاد حسبما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعليه أكثر المفسرين وهو الأوفق لما هو المعهود في سائر السور الكريمة من إيراد قصتهم إثر قصة قوم نوح» 35.

والذي يظهر أن الراجح هو القول الثاني؛ لما ذكروه من سياق القرآن الكريم، وأما استدلال الأولين بهلاكهم بالصيحة فلا يمنع أن يجتمع عليهم الريح والصيحة؛ قال ابن كثير: «والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي الباردة» 36.

ثم إن الصيحة ليست مختصة بهم حتى تكون دليلا لإخراج السياق عن ظاهره، فقد أهلك الله بها أقواما غير ثمود، قال تعالى: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:94] .

ففي هذه الآية بيان أن هلاك قوم شعيب بالصيحة، وقوم لوط أهلكوا بالصيحة.

قال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} [الحجر:73] .

وأصحاب القرية المذكورون في سورة يس أهلكوا بها.

قال تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس:29] .

ثم كان مما دعاهم إليه زيادة على توحيد الله تعالى والإيمان برسوله وبالبعث أن دعاهم إلى ما يلي:

1.الاستغفار والتوبة.

قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود:52] .

والاستغفار هو طلب مغفرة الذنوب وسترها فلا يجازى بها، والتوبة هي الندم على ما فات والعزم على عدم الرجوع إلى الذنب مستقبلا قال ابن كثير: «ثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه» 37.

ولا يتنافى هذا مع من قال: إن الاستغفار هنا هو الإيمان والتوحيد.

قال الطبري: «والاستغفار: هو الإيمان بالله في هذا الموضع، لأن هودًا صلى الله عليه وسلم إنما دعا قومه إلى توحيد الله ليغفر لهم ذنوبهم، كما قال نوح لقومه: {اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [نوح:3 - 4] » 38؛ وذلك لأن طلب المغفرة من الشرك يكون بالإيمان والتوحيد، والله أعلم.

2.أنكر عليهم العبث.

قال تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} [الشعراء:128] .

فما هو الريع الذي يتخذونه مكانا لبنائهم؟

ذكر المفسرون في ذلك ستة أقوال في معناها، يجمعها كلها أن الريع المكان المرتفع عند الطرق المشهورة يتخذ مكانا لبنائهم.

قال ابن كثير: «اختلف المفسرون في الريع بما حاصله أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة» 39.

أما نوع البناء الذي وصف بأنه آية فالقول الجامع لأقوال المفسرين إنه بناء ظاهر مشهور إذ الآية هي العلامة والدلالة ولا يكون البناء آية إلا إذا كان ظاهرًا مشهورًا 40.

وأما عبثهم فاختلف في تعيينه على قولين:

أحدها: اللهو واللعب، قاله عطية.

الثاني: أنه عبث العشارين بأموال من يمر بهم 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت