فهرس الكتاب

الصفحة 761 من 2431

وهذه السنة تحكم النظام الكوني بطريقة منظمة وثابتة لا انفلات فيها، ما يسمح بالتفاعل الإيجابي للإنسان مع الكون، وهذا التسخير لا يكون إلا بالتعرف على خواص الأشياء وحقائقها باستعمال وسائل الإدراك والحس، والاستعانة بهدي القرآن الذي «يضبط صيغ التعامل بين الطرفين بقيم ومبادئ وأعراف، تحقق أقصى درجات التكشف والإبداع ... ، وتنشئ أكثر الصيغ الحضارية ملائمة لطموح الإنسان وأخلاقيته ومكانته في الكون» 132؛ لأن التسخير هو قهر للمخلوقات وإرغامها على القوانين الكونية التي ركبها فيها الله؛ لذا حث القرآن على البحث في دقائق المخلوقات وخصائصها، واستكشاف مكامن الخير والنفع فيها؛ وذلك بالتعمق الدقيق في تفاصيلها وحقائقها التي لا تتبدى إلا بعد التفكر فيها.

كما حاول القرآن أن يضع الإنسان على هذه الطريق من خلال فتح بصره على بعض طرق الانتفاع بهذه الكائنات، فهو يضرب لنا مثلًا للتفكر في كائن صغير لا يكاد الإنسان يولي له شأنًا، لكن فائدته كبيرة بالنسبة له، وهو آية النحل، فقد خصها الله بسورة كاملة في محكم تنزيله، مبينًا لنا طريقة عيشها وعملها وفائدتها.

وفي هذا يقول الإمام السعدي: «في خلق هذه النحلة الصغيرة التي هداها الله هذه الهداية العجيبة، ويسر لها المراعي، ثم الرجوع إلى بيوتها التي أصلحتها بتعليم الله لها، وهدايته لها ثم يخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة، فهذا دليل على كمال عناية الله تعالى، وتمام لطفه بعباده، وأنه الذي لا ينبغي أن يحب غيره ويدعي سواه» 133.

فسنة التسخير قانون إلهي وضعه في يد الإنسان؛ ليسهل به مهمته على الأرض، فيجب على الإنسان أن يعرف كيف يستغله ويصل به إلى إرضاء مولاه.

هي سنة جارية على الإنسان منذ أن خلقه الله وقدر عليه الحياة والعمل، فأهل الجنة هم أهل الهداية العاملون المجدون المخلصون، وأهل النار هم أهل الضلال والغواية والكفر، والهداية سنة بيد الله تعالى، يقول -جل في علاه-: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] .

وقد ارتبطت سنة الهداية والضلال بموضوع التفكر في آية الأعراف التي جاءت في معرض الذم للذين كفروا وكذبوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، بالرغم من الحجج الدامغة والدلائل الباهرة التي جاءهم بها، وضرب لهم مثل العارف بآيات الله الذي آتاه الله علمًا واسعًا كان سبيل النجاة لو أراد ذلك العارف، لكن نفسه أبت إلا الركون إلى دار الفناء، وكان عمله مخالفًا تمامًا لعلمه، فسلبه الله ذلك العلم، وكتب عليه الضلال في الدنيا والآخرة.

يقول الألوسي: «وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى، ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد، مع أن الكل من الله تعالى؛ إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه» 134.

وفي هذه الآيات ترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من الله لصاحبه، وعصمة من الشيطان، وفيه ترهيب من إلقاء الآيات وراء الظهر، ما يدعوه لاتباع الهوى، والإخلاد إلى الشهوات، ونزولًا إلى أسفل سافلين.

ومن سنن الله على البشر سنة الابتلاء، وهي سنة كتبها الله؛ ليتميز بها الصالح عن الطالح، ويتباين منهج الحق عن مناهج الباطل، فتكون الدنيا هي دار الابتلاء، بما تحمله من مغريات وشهوات وملذات تغري بها الطامعين؛ لتكون حجة لمن انحط وغفل عن الغاية الكبرى وتقوم الحجة على من اتبع النهج السوي، وأمسك نفسه عن الهوى.

والتفكر في سنة الابتلاء وارد في قصة المثل الذي ضربه الله تعالى للمنفق المرائي الذي ابتلاه الله في جنته التي كانت عامرة وذات زينة وبهجة، وله ذرية ضعيفة يعولها، لكنه اغتر واستكبر، ونسي حق الله، فما كان إلا أن جرت عليه سنة الله بالابتلاء؛ لينتبه من نوم الغفلة، ويعود إلى الصراط المستقيم.

كما أنه سنة الله على رسله عند تبليغ دعوتهم، فمن ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم وصمه بالجنون والكذب.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأعراف: 184] .

وفي هذا تسلية للدعاة على طريق دعوتهم وحث لهم على الصبر والاحتساب، فالابتلاء في الدنيا هو محبة من الله لعباده قصد تنبيههم إلى غفلتهم وتقصيرهم، وكثرة أخطائهم، وزيادة في حسناتهم، ورفعًا لدرجاتهم في الجنة.

وهذه بعض من السنن التي تحكم الحياة والكون، وهناك نواميس أخرى، حري بالعقل أن يبحث عنها ويفهمها ويوظفها؛ لتسهيل الحياة وخدمة الرسالة الربانية، وأن يتفكر فيها وفي معانيها قصد إدراك حقيقة وجوده على الأرض.

ويكون معنى {وَفِي أَنْفُسِهِمْ} أنهم يرون آيات صدقه في أحوال تصيب أنفسهم، أي: ذواتهم مثل الجوع الذي دعا عليهم به النبيء صلى الله عليه وسلم، ونزل فيه قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] .

ومثل ما شاهدوه من مصارع كبرائهم يوم بدر وقد توعدهم به القرآن بقوله: {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان: 16] .

وأية عبرة أعظم من مقتل أبي جهل يوم بدر، رماه غلامان من الأنصار وتولى عبد الله بن مسعود ذبحه وثلاثتهم من ضعفاء المسلمين وهو ذلك الجبار العنيد. وقد قال عند موته: لو غير أكار قتلني، ومن مقتل أبي بن خلف يومئذ بيد النبيء صلى الله عليه وسلم وقد كان قال له بمكة: (أنا أقتلك) وقد أيقن بذلك فقال لزوجه ليلة خروجه إلى بدر: والله لو بصق علي لقتلني.

رابعًا: إدراك مقاصد الحياة والوحي:

إن من أهداف التفكر العامة والتي جاءت في رحاب آياته بيان مقاصد الحياة لكثير من الناس الذين يجهلونها؛ وذلك عن طريق إنزال الوحي وهداية البشر، ودعوة القرآن لاستكشاف هذه المقاصد بغرض تسهيل فهم الحياة لهم وإدراك سر خلقهم ووجودهم، وبيان مهمتهم والطريق المستقيم الذي يجب أن يسيروا عليه.

وبما أن التفكر من العمليات الراقية في العقل البشري، كان لابد أن تتصل مواضيعه بإدراك حكمة الحياة، وكشف مقاصد الشرع؛ لذا جاءت آياته واضحة في هذا المعنى مؤيدة له، عن طريق عرض مشاهد الكون والاستدلال بها عن عدم عبثية الخلق، ومن ثم هي تنبيه للإنسان إلى أنه الراعي المستخلف لشئون الكون بهدف القيام بأمور الرسالة الموكلة إليه.

فبعد تحقق الأهداف السابقة لموضوع التفكر من معرفة الإنسان لخالق الكون والإيمان به، ثم طاعة أوامره واجتناب نواهيه، مرورًا بتزكية نفسه وتهذيبها، ثم إحاطته بالسنن والنواميس الكونية، يبدأ عمله على هذه الأرض من خلال القيام بالمهمة التي من أجلها أرسل إلى الأرض، وهي تحقيق العبودية لله تعالى عن طريق حسن الاستخلاف في الأرض، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] .

هذه الأمانة الاستخلافية التي قبلها الإنسان بالرغم من الضعف الكائن فيه، بعد إباء من هو أعظم منه في ميزان الوجود من سموات وأرض وجبال على حملها، قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] .

وللقيام بأعباء هذه الأمانة كرمه الله تعالى بأن جعل حواسه المختلفة نوافذه على عالمه الخارجي، وميزه بالعقل عن سائر المخلوقات، وجعل لعقله سلطانًا على قوى نفسه، وركب فيه المشاعر؛ ليطل بها على نفسه الداخلية، وهداه بنور الوحي الرباني، وبعث إليه الرسل، كل هذه الوسائل؛ لينهض بهذه المسئولية الثقيلة، ويقوم بها على أكمل وجه، فيتحقق معنى العبودية التامة لله تعالى، وإن كان جل وعلا غنيًا عن هذه العبادة.

قال تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6] .

هي رسالة ألم بها أرباب العقول {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

فسمت أرواحهم بعبير الذكر، وتغذت عقولهم برحيق الفكر، فأدركوا حكمة الخلق ورسالة الوجود، واعترفوا بالحق، وفهموا أن هذه الحياة ما هي إلا دار اختبار لطاقة الإنسان على حمل الأمانة والقيام بتبعاتها، وأن كل ما في الكون شاهد على هذه الحقيقة، ثم يكون اللقاء يوم القيامة؛ ليحاسبوا على أداء الرسالة، ويجازوا إما إلى الجنة أو إلى النار.

ومن إدراك هذه الحقيقة ينطلق المسلم بهذه المعرفة اليقينية، ويقابل عوالم الكون ويتعامل معها مراعيًا مبادئ وسنن النظام الكوني؛ لتحقيق مصالحه العليا على الصعيد الإنساني والحضاري وفق سياسة التوافق والانسجام.

قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

وهي علاقة تكريم تتجسد فيها سيادة الإنسان ومحوريته، وتظهر مسئوليته الواعية تجاه نفسه وتجاه ما يحيط به عن طريق التفاعل الإيجابي معه، هذه المكانة ناتجة عن امتلاكه مفاتيح معرفة الكون، والوسائل والأدوات التي تجعله يحسن التحكم به.

هذه النظرة للكون والحياة هي جوهر التصور الإسلامي المخالف للنظريات الغربية التي تدفع بالإنسان للدخول في صراع مع الطبيعة للسيطرة على قواها، ومن ثم تسخيرها لخدمة أهدافه وتحقيق مصالحه، أما قمة العلاقة في الإسلام فتنشأ عن طريق الرحمة بالمخلوقات، والإحساس بدورها ومكانتها في المنظومة الكونية، والاستثمار الإيجابي لها، ما يكسب الإنسان فيها وحدة مع هذا الوجود وتناغما مع تسبيحاته؛ لأنهما خلقا من أجل هدف واحد هو تحقيق العبودية الكاملة للخالق الواحد.

ومن فهم هذه الرسالة استطاع أن يجمع بين مرتكزات الحضارة الإنسانية التي تقوم على الإيمان بالله، والعلم النافع، والعمل الصالح، وهي منظومة لا يمكن الفصل بين ركائزها وإلا حدث اختلال في التوازن الحضاري، وانتشر الضلال والفساد وكثر الشر، حينها لا بد أن يحدث الركود الحضاري، وتتوقف عجلة الرقي والتطور، ما ينبئ عن سقوط الحضارة، ولنا في حضارات الأمم السابقة عبرة، أين تزعزعت ركيزة الإيمان بالله، ما عجل بسقوط أمم كانت قد عمرت الأرض وآثارها شاهدة عليها إلى يومنا هذا، لكننا نجد في المقابل أن الحضارة الإسلامية لم تسقط ذلك السقوط المريع لباقي الحضارات، كونها ما تزال تحمل بذور قيامها في جنباتها، وإن فصلنا أكثر نجد أن القاعدة الصلبة التي تقوم عليها الحضارة الإسلامية هي الإيمان بالله، وهي قاعدة ما زالت صلبة عند المسلمين إلى يومنا هذا، لكن تخاذلهم عن اكتساب العلم النافع، وتضييع أسباب العمل الصالح هو ما أدى إلى أفول نجمهم، وتأخر ركبهم.

ولأن حل الأزمة وزمام الأمر في إيقاظ العقل ودعوته للتفكر، لم يهمل القرآن دور الفكر في هذه التربية، فقد اعتنى بمواءمة فكر الإنسان مع دوره المنوط به، من خلال فتح باب التفكر والتأمل على الكون على مصرعيه، فكانت آياته دعوة لاستثمار طاقة العقل فيما يفيد بني البشر بضوابط محددة، تغاير في أهدافها ووسائلها السياحة العقلية التي يدعو اليها الفكر الغربي اليوم، أو ما يسمى التأمل الارتقائي الذي لا تجاوز نتائجه حدود النفس البشرية -هذا إذا تحقق ذلك- دون أن ينعكس على الواقع والمجتمع.

وما الوضع المتردي الذي تمر بها الأمة الإسلامية في هذا العصر إلا وجه من وجوه التأزم الفكري وعدم وجود منهجية لتقويم مفاهيم الحضارة وتصحيح النظر إلى دور الإنسان في هذه الحياة، كل هذا ناتج عن عدم فقه التكامل الوحيي الفكري لرسالة الإسلام، ما أدى إلى اختلال الموازنة بين جانب الروح وجانب الفكر؛ لذا تبدو حاجة الإنسان الملحة إلى توفر تربية شمولية منظومية «تربط بين الإيمان والأخلاق الفاضلة، والعلم الصحيح والعمل الصالح وإن هذه العناصر الأربعة للتربية ينبغي أن تصبح متلازمة متماسكة إذا شئنا سعادة البشر أفرادًا وجماعات، ونجاة الإنسانية مما يحيط بها من شرور وأخطار» 135.

وهي التربية التي غرسها القرآن في نفوس الجيل الأول فأثمرت.

قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

وستثمر في أي وقت متى وجدت تربة النفوس مهيأة؛ لتنهل من معينه.

وركز القرآن على الارتباط الوثيق بين العقل والوحي وتكاملهما في البناء الحضاري، فأمر العقل بالبحث في أرجاء الكون مسترشدًا بهدي الوحي، كاشفًا عن سر الخلق والخالق، فالوحي يتبدى في كتاب الله وسنة رسوله، وهما باب النجاة، ومفتاح هذا الباب نور الفكر الصحيح، هذه الثنائية تجعل البناء الحضاري بناءً حصينًا ومتينًا، وهذا التكامل هو الذي كان الدعامة القوية لتحفيز المسلمين للبحث في أسرار هذا النظام الكوني، وتفعيل هذا البحث في إرساء سفينة الاستخلاف؛ لتبنى حضارة استمرت عدة قرون.

لذا وجب على المتفكر وهو يجول في رحاب الكون أن يستأنس بنور الوحي الذي يمده بحقيقة الأشياء، ويكشف الغطاء عنها، فيقوم عقله بسبر أغوارها والتأمل فيها، كما أن الوحي يبصر العقل بأمور الغيب التي لا طاقة له بها، وتوجيهه للسير في هذه الحياة وتوضيح مهمته فيها، ومن ثم تزويده بطاقة إيمانية ومعرفية يحتاجها في الطريق، فآيات الله المنصوصة في الكتاب هي المدخل الصحيح للعلم بطبيعة الكون وسنته ونظامه الخاص، وبالتالي اكتناه أسراره وخفاياه، فآيات الله في الكون وآياته في الكتاب تبدوان في الوحي القرآني متساوقتان، بل ومتناسبتان تمام التناسب» 136.

كما أن من مقاصد الوحي بيان وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم فما هو إلا تابع لما يوحى له، فبالتفكر الصادق يتبين أن الرسول لا يملك صفات الإله، ولا خصائص الملائكة، فهو بشر يتبع ما يأتيه به أمين الوحي جبريل عليه السلام {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] .

وليس لديه أي قدرة في تغيير شيء أو آية إلا بإذن الله تعالى، كما أن مهمته إنذار الكفار لما ينتظرهم من عقاب شديد نتيجة عدم اتباعهم للحق، وعملهم به، وارتباط الإنذار بآيات التفكر؛ ليثير في القلب الخوف والرهبة ومحاسبة النفس على أعمالها والاستعداد ليوم الجزاء.

موضوعات ذات صلة:

الآيات الكونية، التدبر، العبرة، العقل، الغفلة، القرآن

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 446.

2 لسان العرب، ابن منظور 5/ 4351.

3 القاموس المحيط، الفيروزآبادي 2/ 115.

4 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 698.

5 المفردات، الراغب الأصفهاني 2/ 202.

6 التعريفات، الجرجاني ص 88.

7 انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبد الله جلغوم، ص 883 - 884.

8 انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/ 65.

9 انظر: المصدر السابق 4/ 3064.

10 المفردات، الراغب الأصفهاني 2/ 110.

11 الكليات، الكفوي ص 978.

12 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 324.

13 المصباح المنير، الفيومي 1/ 189.

14 التعريفات ص 54.

15 الفروق اللغوية، العسكري ص 75.

16 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 358 - 359.

17 المفردات، الراغب الأصفهاني 1/ 81.

18 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/ 89.

19 العمليات العقلية في القرآن الكريم، عبدالرحمن صالح عبد الله، مجلة جامعة الملك سعود، العلوم التربوية والدراسات الإسلامية، السعودية 1995 م، عدد 7، ص 116.

20 لسان العرب، ابن منظور 5/ 3450.

21 المفردات، الراغب الأصفهاني 2/ 201.

22 نظم الدرر، البقاعي 7/ 531.

23 مدخل إلى موقف القرآن من العلم، عماد الدين خليل ص 94.

24 لسان العرب، ابن منظور 4/ 2783.

25 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 505.

26 التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/ 72.

27 انظر: التصوير الفني في القرآن، سيد قطب ص 125.

28 انظر: جامع البيان، الطبري، 13/ 253.

29 انظر: المصدر السابق 13/ 255 - 257.

30 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم 5/ 1617 - 1618.

31 روح المعاني، الألوسي 9/ 111.

32 التحرير والتنوير 9/ 179.

33 روح المعاني، الألوسي 7/ 198.

34 المصدر السابق 7/ 200.

35 أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قوله: {وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ} ، 4/ 147، رقم 3372.

36 المنار، محمد رشيد رضا 1/ 140.

37 البرهان في علوم القرآن، الزركشي 1/ 487.

38 البحر المحيط، أبو حيان 2/ 326.

وذكره الطبري عن السدي قال: هذا مثل آخر للمرائي، وهو المرجح عنده، وروى عن ابن زيد: هو مثل للمان في الصدقة، وقال مجاهد وقتادة والربيع: للمفرط في الطاعة.

39 الكشاف، الزمخشري 1/ 341.

40 التفسير القيم، ابن القيم ص 165.

41 أخرجه البخاري في التفسير، باب قوله: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ} ، 4/ 1650، رقم 4264.

42 أسرار التنوع في تشبيهات القرآن الكريم، ملك حسن عبد الرزاق بخش ص 141، 142.

43 البحر المحيط، أبو حيان 2/ 237.

44 المنار، محمد رشيد رضا 7/ 352.

45 التحرير والتنوير، ابن عاشور 7/ 243.

46 أسرار التنوع في تشبيهات القرآن الكريم، ملك بخش ص 15.

47 التحرير والتنوير، ابن عاشور 11/ 142.

48 مفاتيح الغيب، الرازي 17/ 238.

49 تفسير السمرقندي 2/ 111.

50 المنار، محمد رشيد رضا 9/ 340.

51 مفاتيح الغيب، الرازي 15/ 406.

52 خطمه: أنفه.

انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 198.

53 التفسير القيم، ابن القيم ص 280، 281.

54 المنار، محمد رشيد رضا 9/ 342.

55 الكشاف، الزمخشري 4/ 508.

56 التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/ 117.

57 اللباب في علل البناء والإعراب، العكبري 2/ 129.

58 البرهان في علوم القرآن، الزركشي 2/ 327.

59 من أساليب التربية بالقرآن التربية بالآيات، عبد الرحمن النحلاوي ص 52.

60 نظم الدرر، البقاعي 2/ 641.

61 جامع البيان، الطبري 13/ 289.

62 التحرير والتنوير 9/ 195 - 196.

63 المصدر السابق 21/ 51.

64 روح المعاني، الألوسي 21/ 22.

65 منهج القرآن الكريم في تربية الإنسان، مصطفى حوامدة، مجلة جامعة الشارقة للعلوم الشرعية والإنسانية، أكتوبر 2006 م، المجلد 3، العدد 3 ص 32.

66 التحرير والتنوير، ابن عاشور 3/ 64.

67 أخرجه ابن حبان في صحيحه، 2/ 386، رقم 620.

وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم 68.

68 روح المعاني، الألوسي 4/ 158.

69 المصدر السابق 4/ 154.

70 مفاتيح الغيب، الرازي 9/ 456.

71 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 184.

72 أخرجه ابن المنذر في تفسيره، 2/ 534.

73 زهرة التفاسير، أبو زهرة 7/ 3895.

74 منهج القرآن في صياغة تفكير الإنسان، زياد خليل الدغامين، مجلة الفرقان، ص 205.

75 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 161.

76 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 502.

77 روح المعاني، الألوسي 14/ 187.

78 الإنسان والكون في الإسلام، التفتزاني ص 38.

79 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 1/ 435.

80 التحرير والتنوير 2/ 353.

81 انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 4/ 435 - 440، مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 196.

82 في ظلال القرآن، سيد قطب 6/ 3848.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت