ومع كثرة وسائل المعرفة وتقدمها بما يسهل سبل تحصيل العلم والمعرفة إلا أن هذه التقنيات لا تزيد كثيرًا من الناس إلا جهالة وسفهًا؛ نظرا لغواية وكيد القائمين عليها المهيمنين على وسائل الاتصال والمعرفة، مما ينعكس سوءًا على أفكار الناس وسلوكهم، فضلًا عن انتشار الجهل المركب بين حملة الشهادات العالية وبين من يدعي الثقافة، فترى جهلًا جهولًا في كلامهم وأحكامهم، ناهيك عن سلوكهم.
عن أنس رضي الله عنه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكم أحدٌ بعدي، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أشراط الساعة أن يقل العلم، ويظهر الجهل، ويظهر الزنا) الحديث 90.
مما يترتب على الجهل والفقر كثرة الأمراض وانتشار الأوبئة، وفي عصرنا هذا مع التقدم في مجال الطب وكثرة كليات الطب والمستشفيات إلا أن ثمة أمراضًا منتشرة في المجتمعات الإسلامية بسبب سوء التغذية والتلوث البيئي والقصور في الجانب الوقائي، وغياب الوعي، والتقصير في جانب التربية مما يؤدي إلى الإهمال والفوضى والغش ويساهم في انتشار الأوبئة، وغير ذلك مما يرجع إلى تعطيل شرائع الإسلام التي جاءت بالخير والإحسان والعافية.
ولقد جاء القرآن بما فيه شفاء الأرواح والأبدان، وكذلك السنة النبوية استخلص منهما العلماء والحكماء معاجم للطب والدواء، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ? وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا) [الإسراء: 82] .
وقد أشار القرآن إلى ضرورة التوقي بالنظافة والتغذية المفيدة، وتحري الأدوية الناجعة، ونوه بكثير من الأطعمة النافعة، وأشار إلى جملة منها كعسل النحل.
قال تعالى: (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ?68?ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ? يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ?69?) [النحل: 68 - 69] .
وكل شرائع الإسلام من وضوء وغسلٍ وصلاة وصيام وحج وزكاة وذكر ودعاء فيها الشفاء والعافية للأبدان والأرواح، وللأفراد والمجتمعات، كذلك حرم الشرع كل ما فيه ضرر أو خطر على صحة الإنسان كالخمر ولحم الخنزير والدم المسفوح وغيرها.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ?90?إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ? فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 90 - 91] .
(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى? طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ? فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ?145?) [الأنعام: 145] .
وأغلب ورود كلمة مرض في القرآن في مرض القلوب وسقم النفوس وتلبسها بالشبهات وتعلقها بالشهوات، ولقد شخص القرآن أمراض القلوب، وبين أعراضها ومخاطرها، وشرع الوقاية من تلك الآفات.
قال تعالى عن المنافقين: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ?10?) [البقرة:10] .
(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى? رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة: 125] .
(لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ? وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(53 ) ) [الحج: 53] .
(وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ?12?) [الأحزاب: 12] .
(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ? إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [الأحزاب: 32] .
(وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ ? فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ? رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ? فَأَوْلَى? لَهُمْ ?20?) [محمد: 20] .
والمتأمل في هذه الآيات يقف على جملة من أعراض أمراض القلوب وأخطارها:
ولاشك أن خراب الذمم وفساد الضمائر من أسباب الفساد الاجتماعي والبيئي والصحي، ويحضرنا في هذا السياق قوله تعالى في ذم النفاق وأصحابه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة:204 - 206] .
عن مجاهدٍ قيل له: «يا أبا الحجاج، وكيف هلاك الحرث والنسل؟ قال: يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان والظلم، فيحبس بذلك القطر من السماء، فيهلك بحبس القطر الحرث والنسل» 91.
رابعًا: التعصب:
التعصب داء مقيت ينتشر بين الجهال وأصحاب البدع والأهواء، الذين يتعصبون لأهوائهم ويتشبثون بجهلهم، فيجعلون من التعصب غشاوة على أبصارهم تحجب عنهم نور الهدى، وتراهم يعشقون الباطل ويبغضون الحق وإن لاحت لهم أعلامه وظهرت حججه، فالتعصب مزلة الأقدام، ومظنة الجمود والأوهام، ومدعاة إلى الظنون وتتبع العثرات، وقائدٌ إلى سوء الظن والريبة في غير موضعها، والنفور من أهل العلم والجهالة والتسرع في الأحكام، وتمزق المجتمع.
وشفاء التعصب التجرد للحق، وتحري الصواب، والتثبت في الخبر.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46] .
{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] .
ونبذ الأهواء.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء:135] .
فواجب المؤمن أن يذود عن حمى العدل، ولا يجنح إلى هوى، ولا يتعصب لقرابةٍ أو لغيرها من روابط على حساب العدالة.
وقال تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص:26] .
فلا ينبغي للحكم أن يتسرع في إصدار الأحكام، بل يتروى ويتريث حتى يضع الأمور في نصابها.
يقول الإمام الغزالي: «إن التعصب من آفات علماء السوء، فإنهم يبالغون في التعصب للحق، وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة لا في معرض التعصب والتحقير لأنجحوا فيه، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع، ولا يستميل الأتباع مثل التعصب واللعن والتهم للخصوم، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم» 92.
خامسًا: التطرف:
هو الوقوع في حافة الإفراط أو التفريط، ويقابله التوسط وهو الاعتدال، وفي مجتمعاتنا تجد من يتحرر من أحكام الشرع ويتحلل منها، في مقابل من يغالي أو يتشدد، ولقد دعا الإسلام إلى التوسط والتوازن في أمور الدين والدنيا.
قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77] .
كما دعا إلى الاعتدال في النفقة، فلا إسراف ولا تقتير {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .
وقد ابتليت المجتمعات المسلمة ببعض المتشددين في أمور الدين المتنطعين، كما ابتليت بالمارقين عن دينهم المتساهلين في أحكامه المقصرين في شرائعه.
عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: (جاء ثلاثة رهطٍ إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها؛ فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر -أو غفر الله- له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا! وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر! وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا! فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال:(أنتم الذين قلتم كذا وكذا! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء! فمن رغب عن سنتي فليس مني) 93.
في مقابل ذلك فلابد من الجد والسبق إلى العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، دون توانٍ أو تقاعسٍ، فقد قال تعالى ليحيى عليه السلام وهو في ريعان الصبا: {يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم:12] .
أي: بجدٍ وحرص ومواظبة واجتهاد، وتمسكٍ بما فيه من أحكامٍ وإرشاد، فلا يضعف ولا يتراجع ولا يتقاعس عن رسالته ودعوته التي وكل بها، وامتدح الله أهل الكتاب بقوله: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف:170] .
والتشديد في الفعل يدل على بلوغ الغاية في حسن التمسك وشدة الحرص وقوة العزيمة في الأخذ بالكتاب، فلا تهاون ولا تفريط.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:17 - 18] .
فكما تتوق النفوس إلى معالي الرتب الدنيوية وإلى تحقيق الأفضل وإحراز الأحسن في أمور الدنيا، فالمؤمن همته للآخرة همةٌ عاليةٌ ونفسه لنعيمها تواقة وروحه لها وثابة.
سادسًا: كيد الأعداء:
الصراع بين الحق والباطل سنة من سنن الله تعالى، والعداء للحق حقيقة لاشك فيها، فمنذ أن صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة ربه وأعداء الإسلام يسعون إلى إضعاف المسلمين وبث بذور الفرقة بينهم، كما يسعون إلى صرفهم عن دينهم وشغلهم عن كتاب ربهم وتعطيل شريعة الإسلام، ولقد كشف القرآن عن أعداء الإسلام وبين مكائدهم وحذر من حيلهم وأساليبهم.
من ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء:44 - 45] .
وعن عداوة اليهود لنا قال سبحانه: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [المائدة:82] .
فقد رأينا ولا زلنا نرى صورًا ومشاهد من عداوتهم للمسلمين وكيدهم بالمؤمنين.
وعن مخاطر المنافقين وعداوتهم ومكرهم أسهب القرآن في ذلك، حتى لا تكاد تخلو سورة مدنية من ذم النفاق والمنافقين، من ذلك سورة المنافقين التي يقول الله فيها: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون:4] .
كما بين القرآن سبل الوقاية من مكائد الأعداء كما جاء في قوله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .
قال ابن كثير: «يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» 94.
سابعًا: فتن الشبهات:
يسعى أعداء الإسلام جاهدين إلى تشكيك المسلمين وصرفهم عن دينهم، بإثارة غبار الشبهات.
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:217] .
فمنذ أن بزغ فجر الإسلام والمعركة بين الحق والباطل لم تتوقف، وجنود الباطل لم يكفوا عن زخرفتهم للأباطيل وإثارة غبار الشبه على صفحة الحق.
قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام:112] .
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان:31] .
ولهذه الشبه أخطار داهمة على المجتمعات المسلمة، ولاسيما مع انتشار الجهل وانحسار العلم وتمكن أعداء الدين وأدعيائه من وسائل الإعلام والتأثير وصناعة القرار، فكان لهذا أثرٌ سيئ على المجتمعات المسلمة، يحتاج إلى جهدٍ جهيدٍ لمجابهته والتخلص من تبعاته.
عن حذيفة رضي الله عنه قال: (كنا عند عمر رضي الله عنه فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن؟ فقال قومٌ: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التى تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلبٍ أشربها نكت فيه نكتةٌ سوداء، وأي قلبٍ أنكرها نكت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنةٌ ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه) . قال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرًا لا أبا لك؟! فلو أنه فتح لعله كان يعاد. قلت: لا بل يكسر. وحدثته أن ذلك الباب رجلٌ يقتل أو يموت. حديثًا ليس بالأغاليط). قال أبو خالدٍ: «فقلت لسعدٍ: يا أبا مالكٍ، ما أسود مربادا؟ قال: شدة البياض في سوادٍ. قال: قلت: فما الكوز مجخيًا؟ قال: منكوسًا» 95.
ثامنًا: فتن الشهوات:
الاستغراق في الشهوات سبيل من سبل الغواية والضلال، وسلاح الشهوات سلاح شيطاني يتصيد به من وقع في حبائله.
والشهوات خلقها الله تعالى لابتلاء العباد ولتستقيم الحياة.
قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] .
فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد والبلاء أعظم، وحذر من الافتتان بهن بما يصد المؤمن عن واجباته الشرعية، أو يحمله على الوقوع في المحظورات من أجل إرواء شهوة، والاعتدال في هذا هو المحمود، قال ابن كثير رحمه الله: «فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه» 96.
والناس من جهة الشهوات قسمان: «قسم: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت زادًا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب، والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها ابتلاء وامتحانًا لعباده؛ ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم وطريقًا يتزودون منها لآخرتهم، ويتمتعون بما يتمتعون بها على وجه الاستعانة بها على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فجعلوها معبرًا إلى الدار الآخرة، ومتجرًا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادًا إلى ربهم» 97.
ولقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من خطوات الشيطان التي يسعى من خلالها إلى الإفساد والإغواء.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] .
«ووقوع هذه الآية بعد الآيات العشر التي في قضية الإفك مشيرة إلى أن ما تضمنته تلك الآيات من المناهي وظنون السوء ومحبة شيوع الفاحشة كله من وساوس الشيطان» 98.
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} أي: «ما تطهر من اتباع خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يسعى هو وجنده في الدعوة إليها وتحسينها، والنفس ميالة إلى السوء، أمارة به، والنقص مستولٍ على العبد من جميع جهاته، والإيمان غير قوي، فلو خلي وهذه الدواعي ما زكى أحد بالتطهر من الذنوب والسيئات والنماء بفعل الحسنات» 99.
عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَا زَكَى مِنْكُمْ} قال: «ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير» 100.
كما نهى الإسلام عن كل ما يثير الغرائز ويضرم نار الشهوات، فتستعر في غير محلها وتتوقد في غير حلها.
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 30 - 31] .