أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (س ج د) على تطامن وذل. يقال سجد، إذا تطامن. وكل ما ذل فقد سجد 1.
ومنه سُجودُ الصلاة، وهو وضع الجَبْهة على الأَرْضِ، والاسْمُ السِجْدَةُ بالكسر 2.
وفلان ساجد المنخر: ذليلٌ خاضعٌ، والساجدة: مؤنث ساجد، والسّجّاد: كثير السجود. والسّجّادة: الطنفسة، والبساط الصغير الذي يصلى عليه، وأثر السجود في الجبهة، والمسجدة: السجادة 3.
والمسجد: «بيت الصلاة، وأيضًا موضع السجود من بدن الإنسان، والجمع: مساجد» 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: «السُّجُودُ أصله: التّطامن والتّذلّل، وجعل ذلك عبارة عن التّذلّل لله وعبادته، وهو عامّ في الإنسان، والحيوانات، والجمادات، وذلك ضربان:
سجود باختيار، وليس ذلك إلا للإنسان، وبه يستحقّ الثواب، نحو قوله: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) } [النجم:62] ، أي: تذللوا له.
وسجود تسخير، وهو للإنسان، والحيوانات، والنّبات، وعلى ذلك قوله: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) } [الرعد:15] » 5.
«ومنه سجود الصلاة: وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه» 6.
وردت مادة (سجد) في القرآن الكريم (92) مرة 7.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 8 ... {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) } [الحجر:30]
الفعل المضارع ... 15 ... {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) } [آل عمران:113]
فعل الأمر ... 12 ... {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62) } [النجم:62]
المصدر ... 4 ... {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29]
اسم فاعل ... 4 ... {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) } [الأعراف:120]
اسم مكان ... 28 ... {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:29]
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن:18]
وجاء السجود في القرآن على وجهين 8:
الأول: السجود الشرعي، وهو وضع الجبهة على الأرض: ومنه قوله تعالى: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [النمل:25] .
الثاني: الركوع الشرعي: ومنه قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة:58] أي: ادخلوه ركعًا.
العبادة:
العبادة لغةً:
من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحّده وأطاعه، وانقاد وخضع وذلّ له، والتزم شرائع دينه، وأدّى فرائضه 9.
العبادة اصطلاحًا:
قال المناوي: «العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصّت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل» 10.
وقال الراغب: «العبودية: إظهار التّذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التّذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى» 11.
الصلة بين العبادة والسجود:
العبادة أعم من السجود، فالسجود نوع من أنواع العبادات التي شرعها الله تعالى.
الركوع:
الركوع لغة:
يأتي بمعنى الخضوع والافتقار والانحناء 12.
الركوع اصطلاحًا:
هو الانحناء لذي قدر ومكانة في نفس فاعله؛ تعظيمًا وإجلالًا؛ للدلالة على الخضوع والاستسلام والطاعة تعبدًا.
الصلة بين الركوع والسجود:
إن كلًا من الركوع والسجود يدل على الانحناء 13، غير أن السجود يكون بانحناءٍ أشد، ويجوز أن يفعل خارج الصلاة تعبدًا لله، وقد ورد ذكره في القرآن من فعل الكفار لآلهتهم، ولم يرد ذكر الركوع بذلك فيه، يقول الله تعالى: {وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] .
وقد ورد ذكر جواز السجود لغير الله في القرآن على سبيل التقدير والاحترام، ولم يرد ذكر الركوع بذلك فيه، يقول تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف: 100] .
الخشوع:
الخشوع لغة:
خشع في اللغة: خضع وذل وخاف، والخشوع: الخضوع والسكون والتذلل والخوف.
الخشوع اصطلاحًا:
إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفًا وانقيادًا، مع خضوع الجوارح والأعضاء 14.
الصلة بين الخشوع والسجود:
السجود عمل يقوم به المرء ظاهرًا على هيئة مخصوصة، بانحناء القامة والأعضاء ووضع الجبهة والأنف على الأرض، بينما الخشوع يكون محله القلب، ويظهر أثره بهيئة مغايرة على أعضاء الإنسان بسكونها، وعلى الصوت فيخفت، وعلى البصر فيخضع.
وردت (ما) و (من) في أربع آيات من آيات السجود لتخص جميع مخلوقات الله عزّ جلّ في السموات والأرض طوعًا أوكرهًا، وهي: الآية/15 في سورة الرعد، والآيتان/48 و 49 في سورة النحل، والآية/18 في سورة الحج، ولبيان تفسير كلٍ منهما، والفروق بينهما إذا وجدت، نسير ببيانها كالآتي:
أولًا: تفسير مجيء (ما) : وقد وردت في (آيتين) بموضعين اثنين متتابعين في سورة النحل:
قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل:48] .
يعني: «يخبر الله عن عظمته وجلاله وكبريائه بأن كل ما له ظلٌ يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، بكرة وعشيًّا فإنه ساجد بظله لله تعالى، و {سُجَّدًا} حال من الظلال، أي: كل شيءٍ له ظله» 15.
وقال مجاهد رحمه الله: «إذا زالت الشمس سجد كل شيءٍ لله عزّ وجلّ. وقال: سجود كل شيءٍ فيؤه» .
وقال أبو غالب الشيباني: «أمواج البحر صلاته، ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم» .
وقوله: « {عَنِ الْيَمِينِ} ، أفرد الله {الْيَمِينِ} للجنس، وجمع في {وَالشَّمَائِلِ} ؛ لأن لفظ اليمين واحدٌ لكن معناه معنى الجمع، أي: عن يمين ما خلق، ثم رجع إلى معناه في الشمائل بالجمع» 16.
والمعنى: «أولم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئةٌ عن أيمانها وشمائلها عن جانبي كل واحد وشقّيه، منقادة غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، وهذا استعارة من يمين الإنسان وشماله لجانبي الشيء» .
وفي قوله: « {دَاخِرُونَ} ، جمع بالواو هنا؛ لأن المصدر الدّخور، من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب» 17.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] .
يقول الإمام الطبري رحمه الله في تفسيرها: «فوالله يخضع ويخشع ويستسلم لأمره ما في السموات والأرض من دابة تدبّ عليها، والملائكة التي في السموات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة، والذين لا يؤمنون بالآخرة تتفيأ ظلالهم عن اليمين والشمائل سجدًا لله وهم صاغرون. وقال بعض نحاة البصرة: اجتزيء بذكر الواحد من الدّواب عن ذكر الجميع، بتقدير: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ} ، كما يقال: ما أتاني من رجلٍ. بمعنى: ما أتاني من الرجال.
وقال بعض نحويي الكوفة: إنما قيل: {مِنْ دَابَّةٍ} ؛ لأن (ما) وإن كانت قد تكون على مذهب «الذي» - فإنها غير مؤقتة، فإذا أبهمت غير مؤقتة أشبهت الجزاء، والجزاء يدخل «من» فيما جاء من اسم بعده من النكرة، فيقال: من ضربه من رجل فاضربوه.
ولا تسقط «من» من هذا الموضوع، كراهية أن تكون حالًا لـ: (من) و (ما) فجعلوه بـ: «من» ليدلّ على أنه تفسير لـ: (ما) و (من) ؛ لأنهما غير مؤقتتين، فكان دخول «من» فيما بعدهما تفسيرًا لمعناها، وكان دخول «من» أدلّ على ما لم يؤقّت من (من) و (ما) ، فلذلك لم تلقيا» 18.
وذكر الإمام الزمخشري رحمه الله في تفسير هذه الآية «عدة أقوال:
-يجوز أن يكون بيانًا لما في السموات وما في الأرض جميعًا، على أن في السموات خلقًا لله يدبون فيها كما يدبّ الأناسيّ في الأرض.
-ويجوز أن يكون بيانًا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات: الخلق الذي يقال له الروح.
-ويجوز أن يكون بيانًا لما في الأرض وحده، ويراد بما في السموات الملائكة، وكرر سبحانه وتعالى ذكرهم على معنى: والملائكة خصوصًا من بين الساجدين؛ لأنهم أطوع الخلق وأعبدهم.
-ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهنّ، وبقوله: (ے) ، ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم» 19.
ثانيًا: تفسير مجيء (من) : وقد وردت في (آيتين) بموضعين اثنين:
قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد:15] .
والمعنى: «أن جميع المخلوقات مما احتوت عليه السموات والأرض كلها خاضعة لربها تسجد له، حتى ظلال هذه المخلوقات تسجد أول النهار وآخره، كما قال سبحانه: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44] » 20.
«ومن هنا تقع على الملائكة عمومًا وسجودهم طوعًا بلا خلاف، أما أهل الأرض فالمؤمنون منهم داخلون في سجودهم طوعًا، أما سجود الكفرة فهو الكره، وذلك على نحوين من هذا المعنى.
فإن جعلنا السجود هنا الهيئة المعهودة؛ فالمراد من الكفرة من يضمه السيف إلى الإسلام فيسجد كرهًا، وإما نفاقًا، وإما أن الكره أول حاله فتستمر عليه الصفة وإن صح إيمانه بعد.
وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل فيدخل الكفار أجمعون في (من) ؛ لأنه ليس من كافر إلا ويلحقه من التذلل والاستكانة بقدرة الله أنواع أكثر من أن تحصى بحسب رزاياه واعتباراته.
وقال النحاس والزجاج رحمهما الله: «إن الكره يكون في عصاة المسلمين وأهل الكسل منهم» 21.
ويقول الفيروز آبادي رحمه الله: «السجود ضربان:
1 -سجود اختيار (طاعة) : وليس ذلك إلا للإنسان 22، قال تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62] .
2 -سجود تسخير (اضطرار) : وهو للإنسان والحيوان والنباتات ولكل مخلوق، قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] » 23.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] .
«يذكر الله سبحانه وتعالى: بأن جميع المخلوقات في السماء -من الملائكة-، والأرض -من جنٍّ وإنس وغيرهم-، والشمس والقمر- في السماء-، والجبال والشجر والدّواب في الأرض، وسجود ذلك ظلاله، وكثير من الناس - من يهود ونصارى ومجوس ومشركين-، وهؤلاء يسجد ظلهم أيضًا.
فإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، دلّ على أنه الربّ المعبود، من عدل عنه إلى سواه فقد ضلّ وخسر. وهذا مذهب حسن موافق لمذهب أهل السنة.
وروي عن أبي العالية الرياحي رحمه الله قوله: «ما في السماء نجمٌ، ولا شمسٌ، ولا قمرٌ، إلا يقع ساجدًا لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه.
وقد أدخلت المخلوقات غير العاقلة من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب تشبيهًا لأفعال المكلفين بالسجود والانقياد والطاعة لله تعالى.
وقال مجاهد رحمه الله في قول الله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} ، «إن هؤلاء رغم استحقاقهم للعذاب بكفرهم فإن ظلهم يسجد لله الخالق سبحانه» 24.
وقال ابن كثير رحمه الله: «إنما ذكر الله سبحانه {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} ، على التنصيص؛ لأنها عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة، وأنها خلق فاعلٍ عظيمٍ؛ لذلك قال سبحانه: {لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [فصّلت: 37] » 25.
ثانيًا: الاتفاق والاختلاف بين ورود (من) و (ما) في سياق الآيات:
تأتي كلٌ من: (من) و (ما) للاستفهام، أو الشرط، أواسم الموصول المشترك، أو غير ذلك مما يفهم من سياق الكلام العربي.
وفي هذه الآيات الأربع التي وردت فيها «من» و «ما» ؛ فهي من أسماء الموصول المشتركة، يظهر معناهما جليًا إذا كان في الجملة صلة الموصول.
وقد تتنوع دلالات اسم الموصول حسب السياق والسباق الوارد في الآية، ومنها: تعظيم الموصوف به بما يدل على أمرٍ عظيم؛ إذ فيها تعظيم للخالق بالخضوع والسجود له من جميع مخلوقاته، المنتشرة في كل ملكه السماوي والأرضي، وهذا تعظيم لله وعبادة وخضوع للمولى سبحانه تعالى.
والأصل في المعنى اللغوي بين (من) و (ما) :أن (من) يؤتى بها في جملة الصلة للدلالة على العاقل، أما (ما) فيؤتى بها للدلالة على غير العاقل، وقد تغلّب إحداهما على الأخرى لوجود قرينة، أو تحلّ إحداهما محل الأخرى بوجود إشارة واضحة 26.
وبإمعان النظر في آيات السجود الأربعة التي وردت فيها (من) و (ما) نجد ما يلي:
أولًا: أنه لا فرق بين مجيء (من) و (ما) ، إذ كلٌ منهما تأخذ نفس المعنى.
يفهم هذا من كلام الإمام ابن كثير رحمه الله إذ يقول: «بعد أن فسّر قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] -، «هذه كقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل: 48] أي: (من) الواردة في سورة الرعد مثل (ما) الواردة في سورة النحل» 27.
ويقول الإمام ابن عطية رحمه الله: في تفسير الآية: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 49] .
«وقعت (ما) في هذه الآية لما يعقل، ثم نقل كلام الزّجّاج، فظاهر كلامه أنها حلّت محلها في المعنى» 28.
وبهذا المعنى أولّ ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص: 24] .
فقال: {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} أي: «قليل من يتقي، و (ما) على هذا القول بمعنى (من) ، ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [الليل:3] بمعنى: من خلق الذكر والأنثى» 29.
ثانيًا: تغليب الكلام للعاقل على غير العاقل؛ لأن السجود مما يختص به العقلاء.
يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: في قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] ، وبين قوله تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 49] .
«فنزّل هنا مخلوقات السموات والأرض منزلة من يعقل إذا أسند السجود إليهم وهو من فعل العقلاء» 30.
كما نجد ذلك واضحًا في تفسير قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] .
«وقد أدخلت المخلوقات غير العاقلة من شمس وقمر ونجوم وجبال وشجر ودواب تشبيهًا لأفعال المكلفين بالسجود والانقياد والطاعة لله تعالى» 31.
ويورد الإمام الزمخشري في تفسير الآية/49 من سورة النحل تساؤلًا ويجيب عنه بقوله: «فإن قلت: فهلا جيء بمن تغليبًا للعقلاء من الدواب على غيرهم؟ قلت: لأنه لو جيء بمن لم يكن فيه دليل على التغليب، فكان متناولًا للعقلاء خاصةً، فجيء بما هو صالح للعقلاء وغيرهم إرادة للعموم» 32.
لقد أثنى الله عزّ وجلّ على عباده الطائعين الساجدين له في مواضع من كتابه.
ونرى في هذا الثناء منه سبحانه تشجيعًا وحثًّا على الاقتداء بهم، واغتنام هذه الأزمنة ليلحق المرء مع ركب الساجدين.
وإذا استعرضنا آيات السجود نجد أن هذا الثناء اتصل بأزمنة محددة، نبينها في النقاط الآتية:
أولًا: الثناء على الساجدين لله في الليل:
وقد وردت في أربع آيات هي:
قال تعالى: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران:113] .
ففي شرح هذه الآية يرجح الإمام الطبري رحمه الله قول من قال: «عني بذلك تلاوة القرآن في صلاة العشاء؛ لأنها صلاة لا يصليها أحدٌ من أهل الكتاب، وفيها مدحٌ لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنهم يصلونها دون أهل الكتاب ... » 33.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان:64] .
أي: «الذين يبيتون لربهم يصلون له، ويراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام، وقالوا: من قرأ شيئًا من القرآن في صلاته وإن قلّ فقد بات ساجدًا وقائمًا» 34.
ويقول الإمام القرطبي رحمه الله: «ناقلًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: «من صلّى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا وقائمًا» 35.
وقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} [الزمر:9] .
فمعناها: «أمّن هو يقنت آناء الليل ساجدًا طورًا، وقائمًا طورًا، ونصبت: {سَاجِدًا وَقَائِمًا} على الحال من قانت» 36.
وقال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان:26] .
يخاطب الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم قائلًا: «ومن الليل فاسجد له في صلاتك، وسبحه أكثر الليل. وقد كان هذا أول شيءٍ فرضه الله؛ أي: الصلاة والتسبيح، ثم نسخ فرض قيام الليل وأصبح نافلة 37.
ثانيًا: الثناء على الساجدين لله عند تلاوة القرآن:
وقد وردت في ثلاث آيات هي:
قال تعالى: {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107] .
يعني: «أن أهل العلم - من مؤمني أهل الكتابين- إذا يتلى عليهم هذا القرآن؛ يخرون لأذقانهم سجدًا بالأرض تعظيمًا له وتكريمًا، وعلمًا منهم بأنه من عند الله» 38.
و قال تعالى: {إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم:58] .
يعني: «إذا تتلى على هؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النبيين أدلة ذكره، وحججه التي أنزلها الله عليهم في كتبهم، خرّوا سجدًا وهم باكون.
وفي إضافة الآيات إلى اسم {الرَّحْمَنِ} دلالة على أن من آياته رحمته بعباده، وإحسانه إليهم، حيث هداهم بها إلى الحق» 39.
وقال تعالى: {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] .
أي: «ما يصدّق بحججنا وآيات كتابنا إلا القوم الذين إذا ذكروا بها ووعظوا {خَرُّوا} لله {سُجَّدًا} لوجوههم؛ تذللًا له، واستكانة لعظمته، وإقرارًا له بالعبودية» 40.
ثالثًا: الثناء على الساجدين لله عند الاستغفار من الذنب:
وقد وردت في آية واحدة هي:
قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ} [ص:24] .