كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية المكذبة رسل الله المشركة بالله ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك، فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك وأتباعك عليهم آتيهم من وراء ذلك، كما أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال» 38.
ولم يكتف هؤلاء المشركون بالسب والتكذيب بل جادلوا رسلهم بالباطل، وهموا بقتلهم.
قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] .
قال السعدي في هذه الآية: «ثم هدد من جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق؛ ليبطلوه، وعلى الباطل؛ لينصروه، و أنه بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ} من الأمم {بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} أي: يقتلوه.
وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة أهل الخير الذين معهم الحق الصرف الذي لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب العظيم الذي لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في عقوبتهم الدنيوية والأخروية: {فَأَخَذْتُهُمْ} أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم {فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} ؟! كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو إلا صيحة أو حاصب ينزل عليهم أو يأمر الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم فإذا هم خامدون» 39.
وقد بين الله سبحانه وتعالى لنبيه أنه لا حجة بأيدي هؤلاء الكفار سوى تقليد آبائهم الضالين، وهذا من أباطيلهم وشبههم الزائفة، وأخبره أن غير هؤلاء من الكفار من الأمم الماضية قد سبقهم إلى هذه المقالة.
قال تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 22 - 23] .
قال الرازي: «لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد؛ وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي ولا بدليل نقلي، ثم بين أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل ...
ثم بين الله سبحانه وتعالى أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه، إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا وحب الكسل والبطالة، وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال؛ لقوله تعالى: {إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} والمترفون: هم الذين أترفتهم النعمة أي: أبطرتهم فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق، وإذا عرفت هذا علمت أن رأس جميع الآفات حب الدنيا واللذات الجسمانية، ورأس جميع الخيرات هو حب الله والدار الآخرة» 40.
وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين الضالين، بتقليدهم لآبائهم الضالين، ليس المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من الباطل، ولهذا كل رسول يقول لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة 41.
وإنما قال أولًا {مُهْتَدُونَ} ، وثانيًا: {مُقْتَدُونَ} ؛ لأن الأول وقع في محاجتهم النبي صلى الله عليه وسلم وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه {مُهْتَدُونَ} والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه {مُقْتَدُونَ} ، وفى هذا تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وتخصيص المترفين بالذكر؛ للإشعار بأن الترف هو الذي أوجب البطر وصرفهم عن النظر إلى التقليد 42.