فهرس الكتاب

الصفحة 709 من 2431

التزكية

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (زكا) على النمو والزيادة 1. قال الراغب: «وأصل الزكاة: النمو الحاصل عن بركة الله تعالى، ويعتبر ذلك بالأمور الدنيوية والأخروية. يقال: زكا الزرع يزكو: إذا حصل منه نمو وبركة، ومنه الزكاة: لما يخرج الإنسان من حق الله تعالى إلى الفقراء، وتسميته بذلك لما يكون فيها من رجاء البركة، أو لتزكية النفس، أي: تنميتها بالخيرات والبركات، أو لهما جميعا، فإن الخيرين موجودان فيها» 2.

ويقال: «زكى الرجل نفسه تزكيةً أي: مدحها. ومنه قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] . قيل: لا تمدحوها بحسن أعمالها» 3.

وقد تطلق التزكية على الصلاح، قال الفيومي رحمه الله: «زكا الرجل يزكو إذا صلح وزكيته -بالتثقيل- نسبته إلى الزكاء وهو الصلاح» 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

التزكية: إنها تعني: تطهير النفس من نزعات الشر والإثم، وتنمية فطرة الخير فيها؛ مما يؤدي إلى استقامتها، وبلوغها درجة الإحسان 5.

وقيل: تخليص النفس الإنسانية من كل ما يتعلق بها من شوائب، ونواقص، وترسيخ الفضائل والقيم النبيلة والأخلاق السامية فيها، وتوجيهها إلى كل ما فيه الخير والصلاح 6.

وترجمة ذلك كله في كلمتين مشهورتين عن أهل السلوك والطريق، وهما: (التخلية) و (التحلية) . والمقصود من التخلية: هو تطهير النفس من الرذائل؛ كالحسد والرياء والكبر، والعجب وحب الدنيا، وغيرها من الرذائل. والمقصود بالتحلية: هو العمل بالطاعات والمبرات والقربات؛ مما يترتب عليه تحلي النفس وتزكيتها بالفضائل؛ كالعفة والشجاعة والعدل والصدق.

وردت مادة (زكى) في القرآن (22) مرة 7.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 5 ... {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) } [الشمس:9]

الفعل المضارع ... 15 ... {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103]

صيغة المبالغة ... 2 ... {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) } [مريم:19]

وجاءت التزكية في الاستعمال القرآني على ثلاثة وجوه:

الأول: الإصلاح: ومنه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة:103] . أي: تصلحهم بها.

الثاني: الثناء والمدح: ومنه قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم:32] . أي: فلا تمدحوها 8.

الثالث: الطهارة والنقا: ومنه قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) } [الشمس:9] أي: طهرها من الذنوب والمعاصي 9.

التربية:

التربية لغة:

قال ابن فارس: «الراء والباء والحرف المعتل يدل على أصلٍ واحد، وهو: الزيادة والنماء. تقول: ربا الشيء يربو، إذا زاد» . ويتعدى بالتضعيف فيقال: ربيته وتربيته فتربى. وهذا مما يكون على معنيين:

أحدهما: من الذي ذكره، وهو النمو والزيادة؛ لأنه إذا ربي نما وزكا وزاد.

والمعنى الثاني: من ربيته من التربيب، من رب، بمعنى أصلحته وأحسنت القيام على أمره 10.

التربية اصطلاحًا:

يرى ابن سينا: أن التربية تعني: إبلاغ الذات إلى كمالها الذي خلقت له. وقيل: التربية: تعني: تنمية وزيادة الوظائف الجسمية والعقلية والخلقية عند الإنسان، وذلك بهدف البلوغ إلى الكمال والرقي والتمام الإنساني، ولا يتم ذلك إلا عن طريق التدريب والمجاهدة المستمرة، بالإضافة إلى وجود القابلية والطواعية لدى هذا الإنسان 11. وقيل: التربية طريقة لإعداد الإنسان الصحيح والصالح والمتميز بسلوكه الفكري والإنساني، والقادر على توظيف مصادر المعرفة لديه في حل مشاكله ومشاكل مجتمعه 12.

الصلة بين التزكية والتربية:

عن العلاقة بينهما يقول الشيخ محمد الغزالي: «والتزكية أقرب الكلمات وأدلها على معنى التربية، بل تكاد التزكية والتربية تترادفان في إصلاح النفس، وتهذيب الطباع، وشد الإنسان إلى أعلى؛ كلما حاولت المثبطات والهواجس أن تسف به وتعوج» 13.

التطهير:

التطهير لغة:

هو النقاء من الدنس والنجس ومن كل ما يشين 14.

فالتطهير في المفهوم اللغوي يدور حول: النزاهة والنظافة، والخلوص من الأدناس؛ حسية كانت كالأنجاس، أم معنوية كالعيوب من الحقد والحسد ونحوهما 15.

التطهير اصطلاحًا:

المقصود به في بحثنا: تطهير النفس وتنزيهها من الذنوب والخطايا والعيوب المعنوية، كالحقد والغل والكبر ونحوهم.

الصلة بين التزكية والتطهير بناءً على ماسبق ذكره:

يكونان متقاربين إلى غاية كبيرة في المفهوم والمضمون.

التهذيب:

التهذيب لغة:

التنقية مما يعيب. قال ابن فارس: «الهاء والذال والباء: كلمة تدل على تنقية شيء مما يعيبه. يقال: شيء مهذب: منقى مما يعيبه. وأصله الإهذاب: السرعة في الطيران والعدو، ومعناه أنه لا يمكن التعلق به ... كذلك المهذب لا يتعلق منه بعيب» 16، فتنقية كل شيءٍ وإصلاحه وتخليصه من الشوائب يسمى تهذيبًا 17.

التهذيب اصطلاحًا:

لايخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين التزكية و التهذيب:

هما متقاربان في المفهوم والمضمون.

التدسية:

التدسية لغة:

إدخال الشيء تحت الشيء بما بفيد الستر والخفاء 18.

قال ابن منظور: «دسس: الدس: إدخال الشيء من تحته، دسه يدسه دسًا فاندس ودسسه ، ودسه يدسه دسًا إذا أدخله في الشيء بقهرٍ وقوة» 19. وقال الفيومي: «دسه في التراب دسا -من باب قتل- أي: دفنه فيه، وكل شيء أخفيته فقد دسسته، ومنه يقال للجاسوس: دسيس القوم» 20.

وفي التنزيل العزيز: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 - 10] .

يعني: {أَفْلَحَ مَنْ} جعل نفسه زكيةً مؤمنةً، و {خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} في أهل الخير وليس منهم 21. قال البغوي: «و {دَسَّاهَا} أصله: دسسها من التدسيس، وهو إخفاء الشيء، فأبدلت السين الثانية ياء. والمعنى هاهنا: أخملها وأخفى محلها بالكفر والمعصية» 22.

التدسية اصطلاحًا:

لا تخرج عن المفهوم اللغوي.

الصلة بين التزكية والتدسية:

العلاقة بينهما التناقض كما هو واضح. قال الزمخشري: «ودسى نفسه: نقيض زكاها» 23.

مما لاشك فيه أن الحق سبحانه وتعالى هو المطهر للنفوس المزكي لها بهدايته وتوفيقه؛ ولهذا نسبت التزكة إليه في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 49 - 50] .

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} عام في ظاهره، ولم يختلف أحد من المتأولين في أن المراد اليهود 24.

قال النيسابوري: «ويدخل فيه كل من زكى نفسه، ووصفها بزكاء العمل أو قبول الطاعة والزلفى عند الله» 25.

والرؤية: إما بمعنى الإبصار: أي ألم تنظر إليهم، وإما بمعنى الإدراك القلبي متضمنًا معنى الوصول والانتهاء: أي ألم ينته علمك إليهم. والاستفهام في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} للتعجب من أحوالهم، والتهوين من شأنهم، حيث بالغوا في مدح أنفسهم مع أنهم كاذبون في ذلك. فهم يصفون أنفسهم بالأفعال الحسنة، ويمدحونها مدحًا كثيرًا، مع أنهم لا يستحقون إلا الذم بسبب سوء أقوالهم وأفعالهم 26.

قال أبو جعفر: «وأولى الأقوال بالصواب في: معنى (تزكية القوم) ، الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم، وصفهم إياها بأنها لا ذنوب لها ولا خطايا، وأنهم لله أبناء وأحباء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه في قوله تعالى: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] .

وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى} [البقرة: 111] ؛ لأن ذلك هو أظهر معانيه؛ لإخبار الله عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم دون غيرها» 27.

فالمراد بتزكيتهم أنفسهم: ادعاؤهم الطهارة عن المعاصي والرذائل، وهذا يدل على إدعائهم الصلاح. ولكن الحق سبحانه وتعالى يبطل معتقدهم وإدعائهم بإثبات ضده، فيقول تعالى: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} وهذا إضراب وإعراض عن قولهم.

قال أبو السعود: «عطفٌ على مقدر ينساق إليه الكلام: كأنه قيل هم لا يزكونها في الحقيقة لكذبهم وبطلان اعتقادهم، بل الله يزكي من يشاء تزكيته ممن يستأهلها من المرتضين من عباده المؤمنين؛ إذ هو العليم الخبير بما ينطوي عليه البشر من المحاسن والمساويء» 28.

فهذه الآية تقتضي الغض من المزكي لنفسه بلسانه، والإعلام بأن الزاكي المزكى من حسنت أفعاله، وزكاه الله عز وجل، فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة، تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلو، والترفع والتفاخر 29.

قال الإمام الرازي عند تفسيره لقوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] : «لما بالغ اليهود في تزكية أنفسهم -يعني: أثنوا على أنفسهم بما ليسوا هم له بأهل- ذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الإنسان نفسه، وإنما العبرة بتزكية الله له؛ لأن التزكية متعلقةٌ بالتقوى، والتقوى صفةٌ في الباطن، ولا يعلم حقيقتها إلا الله، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله، وفى هذا دلالة على أن الإيمان يحصل بخلق الله تعالى؛ لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الإيمان، فلما ذكر تعالى أنه هو الذي يزكي من يشاء؛ دل على أن إيمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى» 30.

وبعد أن بين الحق تعالى أنه لا تصلح التزكية إلا من الله، أتبع ذلك بقوله تعالى: {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} وهذه الجملة عطفٌ على جملةٍ قد حذفت تعويلًا على دلالة الحال عليها، وإيذانًا بأنها غنيةٌ عن الذكر، أي: يعاقبون بتلك الفعلة القبيحة ولا يظلمون في ذلك العقاب 31.

فالمقصود من الجملة: أنهم لا ينقصون أي قدر من أعمالهم، ولو كان كأصغر الأشياء التي لا يلتفت إليها، ولا يتجه النظر نحوها، ولو كان بقدر الفتيل، وهو الخيط الذي يكون في شق نواة التمر، أو القشرة التي تكون حول النواة، أو هو ما تفتله بين أصابعك من وسخ وغيره 32.

وفى الآية موضع من العبرة: حيث يحذر الحق المسلمين الغرور بدينهم كما كان أهل الكتاب في عصر التنزيل، وأن يبتعدوا عن تزكية أنفسهم بالقول، واحتقار من عداهم من المشركين، وأن يعلموا أن الله لا يحابى في نظم الخليقة أحدًا، لا مسلمًا ولا يهوديًا ولا نصرانيًا، ألا ترى أن خاتم النبيين قد شج رأسه، وكسرت سنه، وردي في حفرة من جراء تقصير عسكره فيما يجب من اتباع أمر القائد وعدم مخالفته، وأن يهتدوا بكتاب الله وبسنته في الأمم، وأن يتركوا وساوس الدجالين الذين يصرفونهم عن الاهتداء بهدى كتابهم، ويشغلونهم بما لم ينزل الله به عليهم سلطانًا، فإنه ما زال ملكهم وما ذهب عزهم إلا بتركهم لهدى دينهم، واتباعهم لأولئك الدجالين والمشعوذين 33.

ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة والعلم الشامل، وكان ذلك أمرًا لا نزاع فيه، وشهد عليهم بالضلال، والكذب، ثبت كذبهم فزاد في توبيخهم فقال معجبًا لرسوله صلى الله عليه وسلم من وقاحتهم واجترائهم على من يعلم كذبهم، ويقدر على معالجتهم بالعذاب: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 50] 34.

فالآية: تشجب لمدعيات هؤلاء القوم، وتكذب مفترياتهم، وتفضحهم على رؤوس الأشهاد، وتدعو الناس جميعًا أن ينظروا إليهم وهم في هذا الثوب الكاذب المفضوح 35!!.

وهو تعجيب إثر تعجيب، وتنبيه على أن ما ارتكبوه متضمن لأمرين عظيمين موجبين للتعجيب: ادعاؤهم الاتصاف بما هم متصفون بنقيضه. وافتراؤهم على الله سبحانه، فإن ادعاءهم الزكاء عنده تعالى متضمن لادعائهم قبول الله وارتضاءه إياهم، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، ولكون هذا أشنع من الأول جرمًا، وأعظم قبحًا -لما فيه من نسبته سبحانه وتعالى إلى ما يستحيل عليه بالكلية من قبول الكفر وارتضائه لعباده، ومغفرة كفر الكافر وسائر معاصيه- وجه النظر إلى كيفيته؛ تشديدًا للتشنيع وتأكيدًا للتعجيب. والتصريح بالكذب، مع أن الافتراء لا يكون إلا كذبًا؛ للمبالغة في تقبيح حالهم 36. فجعل افتراءهم الكذب، -لشدة تحقق وقوعه-، كأنه أمر مرئي ينظره الناس بأعينهم، وإنما هو مما يسمع ويعقل، وكلمة {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} نهاية في بلوغه غاية الإثم 37.

وإنما وصف {إِثْمًا} بقوله: {مُبِينًا} في: {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} ؛ لأن كذب الإنسان على مثله ممن قد يصدقه هذا معقول، لكن إن كذب على الله فهو قبيح؛ لذلك قال الحق: {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} . إذن فالكذب مطلقًا هو إثم، والكذب المبين: هو الكذب على الله 38.

ولما كانت التزكية من الله للعباد فضلًا وكرمًا، امتن عليهم، فقال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] .

قال الشيخ الشنقيطي: «بين -جل وعلا- في هذه الآية، أنه لولا فضله ورحمته، ما زكا أحد من خلقه، ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه. ويفهم من الآية أنه لا يمكن أحدًا أن يزكي نفسه بحال من الأحوال» 39. فالآية: بيان لمظاهر فضله تعالى ولطفه بعباده المؤمنين. والمراد بالتزكية هنا: التطهير من أرجاس الشرك، ومن الفسوق والعصيان 40.

قال الإمام الطبري: «ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته لكم، ما تطهر منكم من أحد أبدًا من دنس ذنوبه وشركه، ولكن الله يطهر من يشاء من خلقه. وقوله: {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يقول: والله سميع لما تقولون بأفواهكم، وتلقونه بألسنتكم، وغير ذلك من كلامكم، عليم بذلك كله وبغيره من أموركم، محيط به، محصيه عليكم، ليجازيكم بكل ذلك» 41.

وقال الإمام ابن عجيبة عند تفسيره لهذه الآية: « {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بالهداية والتوفيق لأسباب التطهير والعصمة والحفظ، {مَا زَكَى مِنْكُمْ} أي: ما طهر من أدناس العيوب ولوث الفواحش {مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} إلى ما لا نهاية له، وإذا كان التطهير والعصمة بيد الله فلا تروا لأنفسكم؛ فضلًا عمن لم يعصمه الله، فإنه مقهور تحت مجاري الأقدار، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} يطهر من يشاء من عباده بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه بالحفظ والرعاية، أو بالتوبة بعد الجناية، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميع لأقوالكم وإن خفيت، ومن جملتها: الحلف على ترك فعل الخير، عليم بنياتكم وإخلاصكم» 42.

أولًا: الثناء المذموم:

إن هناك أناسًا كثيرين يظنون أن ثناء الإنسان على نفسه أمر مذموم مطلقًا، وفي كل الأحوال والمواطن، وفي المقابل هناك مبالغون في الثناء على أنفسهم في كل الأحوال والأوقات، والكل مجانب للصواب، فالثناء قد يكون مذمومًا في بعض الأحوال، و قد يكون محمودًا في بعضها، وإذا كان الأمر كذلك يمكن القول بأنه يمنع ثناء الإنسان لنفسه لغير ضرورة أو حاجة؛ لظاهر قوله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] .

قال صاحب اللباب: «التزكية -ها هنا - عبارةٌ عن مدح الإنسان نفسه» 43. قال ابن عباس: «أي: فلا تمدحوها» . {هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} أي: بمن بر وأطاع وأخلص العمل لله تعالى 44. وقال الحسن: «علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم، ولا تبرؤوها عن الآثام، ولا تمدحوها بحسن أعمالها» 45.

قال أبو حيان: «أي: لا تنسبوها إلى زكاء الأعمال والطهارة عن المعاصي، ولا تثنوا عليها، واهضموها، فقد علم الله منكم الزكي والتقي قبل إخراجكم من صلب آدم، وقبل إخراجكم من بطون أمهاتكم. وقال الكلبي ومقاتل: كان الناس يعملون أعمالًا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية» 46.

قال الثعالبي: «وقوله سبحانه: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} ظاهره النهي عن تزكية الإنسان نفسه» 47.

وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، لا على سبيل الاعتراف بالنعمة، والتحدث بها، فإنه جائز لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكرها. والأحسن في إيراد الاعتراف والشكر أن يقدم ذكر نقصه، فيقول مثلًا: كنا جهالًا فعلمنا الله، وكنا ضلالًا فهدانا الله، وكنا غافلين فأيقظنا الله، وهكذا، فنحن اليوم كذا وكذا 48.

وقال الزمخشري: «وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء: فأما من اعتقد أن ما عمله من العمل الصالح من الله وبتوفيقه وتأييده ولم يقصد به التمدح: لم يكن من المزكين أنفسهم؛ لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر» 49.

وقد جاء في صحيح مسلم: عن محمد ابن عمرو بن عطاءٍ، قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم) فقالوا: بم نسميها؟ قال: (سموها زينب) 50.

قال القرطبي عند تفسيره لهذه الآية: «فقد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه» 51.

ذلك أن المثني على نفسه يكون قد وقع في عدة محاذير شرعية، منها: الكبر والعجب وأن يكون فخورًا ... إلخ وكلها أمراض خطيرة تورث النفس الهلكة، وتقودها إلى جهنم وبئس المصير. وقد قيل لحكيم: ما الذي لا يحسن أن يقال وإن كان حقا، فقال: «مدح الرجل نفسه، وقد قال معاوية رحمه الله لرجل: من سيد قومك، فقال: أنا، فقال: لو كنته لما قلته» 52.

خلاصة القول: أن الأصل منع الإنسان الثناء على نفسه؛ لما قد يصاحبه من العجب أو الفخر؛ ولذا يحذر الحق سبحانه وتعالى أتباع هذا الدين الحنيف من مدح أنفسهم والثناء عليها بأي شئ مما تمدح له النفس، أو يتباهى به تباهيًا وتفاخرًا على الغير؛ لأن هذا ثناء ومدح مذموم، فإذا كان الله تعالى {لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران: 5] ، يعلم البر والفاجر التقي والعاصي، فلا حاجة لمثل هذا الثناء البغيض. فأعرف الناس بنفسه أشدهم إيقاعًا للتهمة بها في كل ما يبدو ويظهر له منها، وأجهلهم بمعرفتها وخفايا آفاتها وكوامن مكرها من زكاها، وأحسن ظنه بها؛ لأنها مقبلةٌ على عاجل حظوظها، معرضةٌ عن الاستعداد لآخرتها 53.

ثانيًا: الثناء المحمود:

إذا دعت حاجة أو ضرورة لأن يمدح الإنسان نفسه فإن الأمر يكون جائزًا ومباحًا ولاشيء فيه، بل قد يستحب أو يجب في بعض الأحوال. قال الإمام السيوطي: «يحسن من الإنسان الثناء على نفسه في مواضع مستثناة من الأصل الغالب، وهو أن الإنسان يهضم نفسه ولا يثني عليها» 54. وقال السيوطي أيضًا: «قال ابن الجوزي رحمه الله: اعلم أن المدحة إذا خلت عن البغي والاستطالة على أهل الحق، وكان مقصود قائلها إقامة حق أو إبطال جور أو إظهار نعمة، لم يلم» 55.

ومن المواطن التي يجوز فيها للإنسان أن يثني على نفسه: الموطن الذي يشبه ما قال فيه يوسف صلى الله عليه وسلم: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت