أولًا: المعنى اللغوي:
الحاء والفاء والظاء أصل واحد يدلّ على مراعاة الشيء 1، فالحفظ لغةً 2: نقيض النسيان، وهو التعاهد وقلّة الغفلة. وحفظ الشيء حفظًا: استظهره، وحرسه، وراقبه، ورعاه. ورجلٌ حافظٌ، وقومٌ حفّاظٌ، وهم الّذين رزقوا حفظ ما سمعوا، وقلّما ينسون شيئًا يعونه.
والحفيظ: الموكّل بالشيء يحفظه، يقال: فلان حفيظنا عليكم وحافظنا. والاحتفاظ: خصوص الحفظ، تقول: احتفظت به لنفسي. والتحفّظ: قلة الغفلة، والتيقّظ؛ حذرًا من السّقطة في الكلام والأمور. وتحفّظت الكتاب، أي: استظهرته شيئًا بعد شيء. وحفّظته الكتاب: حملته على حفظه. واستحفظته كذا، أي: سألته أن يحفظه. ويقال: استحفظت فلانًا مالًا إذا سألته أن يحفظه عليّ، واستحفظته سرًّا، أي: ائتمنته عليه. وقال الله في أهل الكتاب: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44] ، أي: استودعوه وائتمنوا عليه.
والمحافظة: المواظبة على الأمور، كالصلاة ونحوها. وحافظ على الأمر وثابر: بمعنًى. وحافظت على الرجل محافظةً وحفاظًا إذا حفظته في غيبته، ووفيت بعهده، وراعيت ودّه. والمحافظة: المراقبة.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف معنى الحفظ في الاصطلاح عن معناه في اللغة، فالحفظ: منعٌ للشيء بتفقّده ورعايته. ويقال تارةً لهيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إليه الفهم، ومنه: ضبط الصّور المدركة. وتارة يقال لضبط في النفس يؤدّي إلى تأكّد المعقول واستحكامه في العقل، ويضادّه النسيان. وتارةً يقال لاستعمال تلك القوة في الرعاية الحسيّة، ثمّ يستعمل في كلّ تفقّدٍ ورعايةٍ. وعليه يمكن أن يعرّف الحفظ بأنه: منع الشيء وتفقّده ورعايته؛ علمًا وهيئةً ووقتًا، والقيام بجميع ما يحصل به أصله، ويتمّ به عمله، وينتهي إليه كماله 3.
وردت مادة (حفظ) في القرآن (44) مرة 4.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء:34]
الفعل المضارع ... 7 ... {وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ} [يوسف:65]
فعل الأمر ... 2 ... {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} [المائدة:89]
المصدر ... 3 ... {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) } [الصافات:7]
اسم الفاعل ... 15 ... {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) } [الطارق:4]
الجمع ... 1 ... {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام:61]
الصفة المشبهة ... 11 ... {إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) } [هود:57]
اسم المفعول ... 2 ... {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22) } [البروج:22]
وجاء الحفظ في الاستعمال القرآني على ستة أوجه 5:
الأول: العلم: ومنه قوله تعالى: {بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ} [المائدة: 44] ، أي: بما علموا ووعوا.
الثاني: الصيانة والعفة: ومنه قوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] ، أي: صائنات لأنفسهن.
الثالث: الحفظ بعينه: ومنه قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [الحجر: 9] ، يعني به: الرعاية.
الرابع: الشفقة: ومنه قوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) } [يوسف: 12] ، يعني: مشفقين.
الخامس: الضمان: ومنه قوله تعالى: {فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [يوسف: 63] ، أي: ضامنون لرده إليك.
السادس: الشهادة: ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) } [الانفطار: 10 - 11] ، أي: رقباء وشهداء.
الذكر:
الذكر لغة:
الذّكر هو حفظ الشيء وتذكره عن ظهر قلبٍ 6. والذكر يقال ويراد به هيئةٌ للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة.
الذكر اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الذّكر والحفظ:
الذكر كالحفظ، إلا أنّ الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارًا باستحضاره. كما يقال لاستحضار الشيء بالقلب أو بالقول؛ ولذا قيل: الذّكر ذكران: ذكرٌ بالقلب، وذكر باللسان، وكلّ واحد منهما ضربان: ذكر عن نسيانٍ، وذكر لا عن نسيان، بل عن إدامة الحفظ 7.
الجمع:
الجمع لغة:
هو ضمّ الشيء بتقريب بعضه من بعض.
الجمع اصطلاحًا:
جاء (الجمع) بمعنى: إثبات القرآن في الصدر وحفظه عن ظهر قلب، في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17] .
أي: إنّ علينا جمع القرآن في صدرك يا محمد؛ حتى نثبته فيه، وعلينا قرآنه حتى تقرأه بعد أن جمعناه في صدرك 8. فالمراد: إنّ علينا جمع الوحي وأن تقرأه، وتبيّنه للناس بلسانك، أي: نتكفّل لك بأن يكون جمعه وقرآنه بلسانك، أي: عن ظهر قلبٍ، لا بكتابة تقرؤها؛ فيكون محفوظًا في الصدور بيّنًا لكل سامعٍ، لا يتوقّف على مراجعةٍ، ولا على إحضار مصحفٍ من قربٍ أو بعدٍ 9.
وعن قتادة قال: قوله: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17] ، يقول: حفظه وتأليفه 10.
وقيل: {جَمْعَهُ} يعني: حفظه في قلبك، {وَقُرْآنَهُ} يعني: يقرأ عليك جبريل حتى تحفظه 11.
الصلة بين الجمع والحفظ:
أنّ الجمع يقال: باعتبار الضّم بين الأجزاء، والحفظ يقال: لإبقاء تلك الأجزاء على تأليفها، ففيه إشعارٌ بالتعاهد لا يستفاد من الجمع.
الوعي:
الوعي لغة:
وعى الشيء والحديث، يعيه وعيًا وأوعاه: حفظه وفهمه وقبله؛ فهو واعٍ. والوعيّ الحافظ الكيّس الفقيه 12. ومن ذلك قوله تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] ؛ يعني: أذنٌ حافظةٌ عقلت عن الله ما سمعت 13. والوعيّ: الفهم المنوّر القلب، يسمع القول فيتلّقاه بفهمٍ وتدبّرٍ 14.
الوعي اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الوعي والحفظ:
الحفظ على إطلاقه يشمل الوعي وهو حفظ القلب، والإيعاء وهو حفظ الشيء في وعاء؛ لما في الإيعاء من معنى الحياطة والجمع اللازمين للحفظ. فحفظ العلم وعيٌّ، وحفظ غيره إيعاءٌ.
الرعاية:
الرّعاية لغةً:
الحفظ 15؛ يقال: رعاه يرعاه رعيًا ورعاية: حفظه. وكلّ من ولي أمر قوم فهو رعاية.
الرعاية اصطلاحًا:
وقد استرعاه إياهم: استحفظه، واسترعيته الشيء فرعاه: حفظه. وفي المثل: من استرعى الذئب ظلم؛ لأنّ من ائتمن خائنًا فقد وضع الأمانة في غير موضعها.
الصلة بين الرعاية والحفظ:
أنّ الرّعاية سببٌ للحفظ 16.
النسيان:
النسيان لغة:
ترك الإنسان ضبط ما استودع؛ إما لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصدٍ؛ حتى ينحذف عن القلب ذكره 17. فالنّسيان ضدّ الذّكر والحفظ، والنسيان: التّرك والتضييع والتفريط 18.
النسيان اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين النسيان والحفظ:
النسيان مشعر بالتفريط والتضييع والإهمال التي هي نقيض الحفظ والرعاية.
أولًا: الحفظ صفة لله تعالى:
الحفيظ والحافظ اسمان من أسماء الله تعالى، والحفيظ: الموثوق به بترك التضييع 19، والحفيظ الذي يضع المحفوظ حيث لا يناله أحدٌ غير حافظه 20.
وقال الخطّابي: «الحفيظ هو الحافظ؛ فعيلٌ بمعنى فاعل؛ كالقدير والعليم. يحفظ السماوات والأرض وما فيهما؛ لتبقى مدة بقائها؛ فلا تزول ولا تدثر؛ كقوله تعالى: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] .
{وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الصافات: 7] ؛ أي: حفظناها حفظًا. والله أعلم. وهو الذي يحفظ عبده من المهالك والمعاطب، ويقيه مصارع السوء؛ كقوله سبحانه: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] ؛ أي: بأمره. ويحفظ على الخلق أعمالهم، ويحصي عليهم أقوالهم، ويعلم نيّاتهم وما تكنّ صدورهم، ولا تغيب عنه غائبة، ولا تخفى عليه خافية. ويحفظ أولياءه فيعصمهم عن مواقعة الذنوب، ويحرسهم عن مكايدة الشيطان؛ ليسلموا من شرّه وفتنته» 21.
وتختلف معاني اسم الله الحفيظ، ومرجعها إلى رعاية الشيء والعناية به، ويكثر أن يستعمل كنايةً عن مراقبة أحوال المرقوب وأعماله.
وقال الطيبي: «الحفظ صون الشيء عن الزوال والاختلال، إما في الذّهن، وبإزائه النسيان، وإما في الخارج، وبإزائه التضييع. والحفيظ يصحّ إطلاقه على الله تعالى بكل واحد من الاعتبارين؛ فإنّ الأشياء كلها محفوظةٌ في علمه تعالى، لا يمكن زوالها عنه بسهو أو نسيان. وهو تعالى يحفظ الموجودات عن الزوال والاختلال ما شاء، ويصون المتضادات والمتعاديات بعضها عن بعض، فيحفظها في المركبات محمية عن إفناء بعضها بعضًا، فلا يطفئ الماء النار، ولا تحلل النار الماء. ويحفظ على العباد أعمالهم، ويحصي عليهم أفعالهم، وأقوالهم» 22.
وما جاء مصرّحًا فيه باسم الله (الحفيظ) ثلاث آياتٍ؛ قوله تعالى على لسان هودٍ: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [هود: 57] ؛ أي: رقيبٌ؛ فلا تخفى عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مجازاتكم، ومن كان رقيبًا على الأشياء كلها حافظًا لها وكانت مفتقرة إلى حفظه من المضارّ، لم يضرّ مثله مثلكم 23.
وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سبأ: 21] .
أي: وربّك على أعمال هؤلاء الكفرة حفيظٌ؛ لا يعزب عنه علم شيءٍ، وهو مجازٍ جميعهم يوم القيامة؛ بما كسبوا في الدنيا من خير وشر 24.
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ} [الشورى: 6] ؛ يعني: الله حفيظ عليه يحصي عليهم أفعالهم، ويحفظ أعمالهم؛ ليجازيهم بها يوم القيامة جزاءهم، ولست أنت يا محمّد؛ بالوكيل عليهم بحفظ أعمالهم، وإنما أنت منذرٌ؛ فبلّغهم ما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب 25.
وباختلاف معاني الاسم تختلف تعديته بنفسه أو بحرف جر يناسب المعنى، وقد عدّي في القرآن في الآيات المذكورات بحرف (على) كما يعدّى الرقيب والوكيل والمحيط؛ لأنّه بمعناها 26.
وأمّا الحافظ؛ فمعناه الصائن عبده عن أسباب الهلكة في أمور دينه ودنياه 27.
قال تعالى: {فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 64] .
أي: حفظ الله خيرٌ من حفظكم، وقرئ: (حفظًا) 28، والقراءتان بمعنًى، وذلك أنّ من وصف الله بأنه خيرهم حفظًا فقد وصفه بأنه خيرهم حافظًا، ومن وصفه بأنه خيرهم حافظًا فقد وصفه بأنه خيرهم حفظًا 29.
وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
وسيأتي الكلام عليها مفصّلًا.
وقال تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] ؛ يحتمل أن يكون المعنى: وكنّا لأعمالهم وأعدادهم حافظين، لا يؤودنا حفظ ذلك كلّه 30، أو كنّا للشياطين حافظين أن يخرجوا من أمر سليمان أو يفسدوا ما عملوا 31، فعلى هذا يعود الضمير في {لَهُمْ} إلى الشياطين، وهو الأشبه بسياق الآية.
ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على داود وسليمان وأوليائهما، فيكون المقصود: كنّا حافظين أن ينالهم أحدٌ من الشياطين بسوء، بل كلٌّ في قبضة سليمان وتحت قهره، لا يتجاسر أحد منهم على الدّنوّ إليه، وهو محكّم فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء؛ ولهذا قال: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38] 32.
ويلاحظ أنّ اسمي الله (الحفيظ) و (الحافظ) لم يقترنا بغيرهما من الأسماء الحسنى في القرآن الكريم، فهما من الأسماء التي لم ترد إلا مفردة، ولعلّ حكمة ذلك -والله أعلم- أنّ اسم الحفيظ والحافظ دالّان بالتضمّن على كثيرٍ من الأسماء الحسنى؛ فصفة الحفظ تدلّ على من له حفظٌ، وتتضمّن الحياة والعلم والقدرة وسائر مشروطاتها؛ فإنّ من جهل الشيء أو عجز عن الشيء لا يستطيع أن يحفظه من أن يوجد فيه ما لا يريده وما لا يرضاه 33.
والحفظ يكون من أوصاف الذات ومن أوصاف الفعل؛ ففي صفات الذات يرجع إلى العليم؛ لأنّه يحفظ بعلمه جميع المعلومات فلا يغيب عنه شيء منها، كما يقال: فلانٌ يحفظ القرآن؛ أي: هو حاضرٌ في قلبه، وفي مقابلة هذا الحفظ النسيان، وعلى هذا خرج قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} [مريم: 64] .
وقوله: {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} [طه: 52] .
كما يرجع إلى الهيمنة والإحاطة والرقابة، وضدّه العزوب والغفلة والغياب، ودلّ عليه قوله: {وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [يونس: 61] .
وقوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم: 42] .
وقوله: {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ} [الأعراف: 7] .
وإذا كان الحفظ من صفات الفعل فيرجع إلى حفظه للوجود وكلاءته ورعايته، وضد هذا الحفظ الإهمال والتفريط 34.
ثانيًا: نماذج من محفوظات الله عز وجل المذكورة في القرآن الكريم:
إنّ حفظ الله عز وجل شاملٌ جميع خلقه؛ فهو سبحانه وتعالى القيّم بحفظ كل شيء وتدبيره ورزقه، وتصريفه فيما شاء وأحبّ، من تغيير وتبديل وزيادة ونقص، يقول تعالى: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سبأ: 21] .
حافظٌ لأمور خلقه على ما قدّر ودبّر 35.
وقال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] ؛ أي: لا يثقله ولا يشقّ عليه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما؛ بل ذلك سهلٌ عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء 36.
وإذا كان الكرسي يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسيّ ليس أكبر مخلوقات الله تعالى، بل هناك ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، وفي عظمة هذه المخلوقات تكلّ الأبصار وتحير الأفكار، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها الذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصبٍ؟ 37.
إنّ الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوفٌ به أزلًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال، ثم كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائنٌ إلى الأبد) 38، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، جفّت الأقلام وطويت الصحف، كما قال سبحانه وتعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70] .
فأحصى ما هو كائن قبل أن يكون، فخلقهم على ذلك العلم السابق فيهم. وقال: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22] .
وأجرى القدر على علم ما كتبه في اللوح المحفوظ. وإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا، فيؤمر بأربع كلمات فيقال له: اكتب رزقه وأجله وعمله وشقيًّا أو سعيدًا 39.
وفي كتابة المقادير الأزلية جاء قوله تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1] .
وقوله عز وجل: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] ؛ فأقسم في الآية الأولى بالقلم الذي سطر المقادير في الأزل، ودلّت الآية الثانية على أنّ الملائكة الموكلين بحفظ أعمال العباد اليوميّ وكتابتها كانوا يستنسخون من الكتاب السابق الذي كتبه القلم في أمّ الكتاب أزلًا، فيكون عمل الرجل اليوميّ مطابقًا لما يستنسخ من اللوح المحفوظ، فسّره بذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما 40.
وقال تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] ؛ أي: ما تركنا شيئًا إلا قد كتبناه في أمّ الكتاب 41، فصانه الله عن التضييع والتفريط. ووصفه بأنّه كتابٌ مبينٌ، كما في قوله: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] .
ثمّ عبّر القرآن عن اللوح المحفوظ بأكثر من عبارةٍ؛ فهو الإمام المبين، كما في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12] .
فهو الإمام المبين، سمّي كذلك؛ لأنه يبين عن حقيقة جميع ما أثبت فيه، فالمعنى: وكلّ شيء كان أو هو كائنٌ أحصيناه، فأثبتناه في أم الكتاب 42.
وهو الكتاب الحفيظ؛ قال تعالى: {بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} [ق: 2 - 4] ؛ أي: يقولون: أإذا متنا وبلينا، وتقطّعت الأوصال منّا، وصرنا ترابًا، كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلى هذه البنية والتركيب؟ ذلك رجعٌ بعيد الوقوع، فيعتقدون استحالته وعدم إمكانه. قال الله تعالى رادًّا عليهم: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ} أي: ما تأكل من أجسادهم في البلى، نعلم ذلك ولا يخفى علينا أين تفرّقت الأبدان؟ وأين ذهبت؟ وإلى أين صارت {وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} أي: حافظ لذلك كله، وسمّاه الله تعالى حفيظًا؛ لأنه لا يدرس ما كتب فيه، ولا يتغير ولا يتبدّل 43. ويحتمل أن تكون {حَفِيظٌ} مفعول بمعنى محفوظٌ؛ أي: محفوظٌ من الشياطين ومن أن يدرس أو يتغيّر، وهو اللوح المحفوظ 44. ولا تدافع بين المعنين؛ إذ يلزم لصحّة كونه حافظًا أن يكون محفوظًا حفظه الله عز وجل. والله أعلم.
وهو أمّ الكتاب، كما في قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] .
وفي قوله: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4] ؛ أي: إنّ نسخة هذا القرآن في أصل الكتاب، وهو اللوح المحفوظ 45. وهو الكتاب المكنون، كما جاء به قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 77 - 79] ؛ أي: مصون عند الله في اللوح المحفوظ، وهو كقوله تعالى: {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 13 - 16] .
قال ابن بطة: «ولقد جاءت الآثار عن الأئمة الراشدين وفقهاء المسلمين الذين جعلهم الله هداة للمسترشدين، وأنسًا لقلوب العقلاء من المؤمنين، مما أمروا به من إعظام القرآن وإكرامه، مما فيه دلالة على أن ما يقرأه الناس ويتلونه بألسنتهم هو القرآن الذي تكلّم الله به، واستودعه اللوح المحفوظ، والرّقّ المنشور، حيث يقول الله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21] .