يؤديها، ولذلك حرم الله تعالى كنز الأموال المفضي إلى منع أداء الزكاة، كما حرم التبذير لأنه إنفاق للمال فيما حرم الله تعالى؛ كالخمر والميسر والرشوة.
قال تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الإسراء:26 - 27] .
كما حرم تعالى الإسراف.
قال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف:31] .
كما بين القرآن الكريم حرصه على ألا تتحول هذه الملكية إلى تكدس في الثروات يؤدي إلى ترف وفساد وسيطرة.
وقد استشف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى من قوله تعالى: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7] .
حيث ترك الأراضي المفتوحة في العراق والشام ومصر بيد أهلها، ولم يقسمها بين الفاتحين، حتى لا تنحصر الثروة بأيديهم، ولا يبقى شيء لمن يأتي بعدهم، ووافقه على ذلك الصحابة رضي الله عنهم مستدلًا بهذه الآية 98.
المال عصب الحياة، وضرورة من ضرورياتها، «وقد اعتبر الشارع المال من الكليات الخمس التي تقوم بها حياة الناس، وشرع الحدود والعقوبات والزواجر للحفاظ عليها» 99.
قال الغزالي: «ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة» 100.
وقد بين القرآن الكريم شرف المال وقيمته، وأمر بحفظه في آيات كثيرة، من ذلك قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء:5] .
فنهى تعالى عباده المؤمنين عن إعطاء الأموال للسفهاء الذين لا يحسنون التصرف فيها خشية إفسادها وإتلافها.
وأشار تعالى إلى علة ذلك النهي بقوله في الآية: {قِيَامًا} أي: التي «تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها» 101.
وقال الفخر الرازي: «اعلم أنه تعالى أمر المكلفين في مواضع من كتابه بحفظ الأموال.
قال تعالى: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الإسراء:26 - 27] .
وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا} [الإسراء:29] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان:67] .
وقد رغب الله في حفظ المال في آية المداينة حيث أمر بالكتابة والإشهاد والرهن، والعقل أيضًا يؤيد ذلك؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا يمكنه القيام بتحصيل مصالح الدنيا والآخرة، ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة المال؛ لأن به يتمكن من جلب المنافع ودفع المضار.
فمن أراد الدنيا بهذا الغرض كانت الدنيا في حقه من أعظم الأسباب المعينة له على اكتساب سعادة الآخرة، أما من أرادها لنفسها ولعينها كانت من أعظم المعوقات عن كسب سعادة الآخرة» 102.