الخوف شعور فطري أوجده الله تعالى في النفس البشرية؛ ليعين الإنسان على اتقاء الأخطار التي تهدده مما يساعده على الحياة والبقاء، يقوى ويضعف حسب الحالة التي يكون فيها الإنسان والمؤثر الذي يتعرض له، فلا يخلو شخص من هذا الشعور مهما علت منزلته.
وهذا ما يؤكده علماء النفس: «فالخوف حالة انفعالية داخلية طبيعية يشعر بها الإنسان في بعض المواقف، ويسلك فيها سلوكًا يبعده عادة عن مصادر الضرر، وهذا كله ينشأ عن استعداد فطري أوجده الخالق في الإنسان والحيوان، ويسمى الغريزة، ولابد أن يكون الخالق قد أوجد هذا الاستعداد الغريزي لحكمة تتعلق بصالح الكائن الحي، فالخوف هو الذي يدفعنا لحماية أنفسنا وللمحافظة عليها، فإذا كنا لا نخاف النار مثلًا فقد تحرقنا، وإذا كنا لا نخاف الحشرات والحيوانات الضارية فقد تقتلنا، وإذا كنا لا نخاف الجراثيم فقد تفتك بنا، وهناك كذلك الخوف من الزلل، وخوف الإنسان على سمعته وما إلى ذلك، ومن الطبيعي أن تقترن الحالة الشعورية الانفعالية (وهي الخوف) بالسلوك الملائم وهو الخلاص من الخطر» 70.
يقول د. محمد بني يونس: «الخوف: ظاهرة طبيعية أو سوية، و لا يدل على أي اضطراب نفسي أو انحراف في الشخصية و طالما أن هناك أسبابًا معقولة له، وأن مستوى الخوف الذي يبديه الشخص الخائف يتناسب مع حجم المثير المخوف، والخوف في حد ذاته ليس شيئًا رديئًا يجب القضاء عليه، أو يجب الاستغناء عنه في مجالات التربية والمجالات الاجتماعية العادية» 71.
أما إذا تجاوز الخوف الحد المطلوب فإنه يصبح حالة مرضية تنغص على المرء معيشته، وتشل ذاكرته وتصيبه بالشلل الحركي، وتدفعه إلى الاستسلام والجمود.
ولقد وصف القرآن الكريم انفعال الخوف عند بعض الأنبياء عليهم السلام نتيجة تعرضهم لمؤثرات مختلفة 72، نتناولها بإيجاز:
ويتجلى ذلك بصورة واضحة في قصص موسى وداود ولوط عليهم السلام:
1.خوف موسى عليه السلام.
ويتجلى ذلك في موقفين:
الموقف الأول: عندما تحولت العصا في يده إلى ثعبان يتحرك يمينًا وشمالًا، قال تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل:9 - 10] .
قال عز وجل: (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گگ گ ? ? ?) [القصص:31] .
لقد فوجئ موسى عليه السلام بمجرد أن ألقى العصا أنها صارت حية كبيرة هائلة مخيفة، تهتز وتضطرب، تسعى وتسير، وتتحرك حركة سريعة مخيفة.
وقوله تعالى: (? ? ? ?) «أي: انطلق مسرعًا، فأعطاها ظهره، وأطلق ساقيه للريح فرارًا من هذا الهول الذي طلع عليه من تلك العصا التي كانت خشبة جامدة في يده منذ لحظات» 73.
لقد كان الأمر بالغ الصعوبة خاصة أن موسى عليه السلام في مثل هذا الموقف كان يحوطه القلق والاضطراب، وتغمره الوحشة، ويحتويه الظلام وهو عائد من مدين إلى مصر يبحث عن الأنس والدفء في ظلمة الليل، ووحشة الصحراء، كما قال تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [طه:9 - 10] .
لذا طمأنه الله عزوجل فقال له: (ک ک گ گگ گ ? ?) «وهذا أبلغ ما يكون في التأمين، وعدم الخوف.
فإن قوله: (ک) يقتضي الأمر بإقباله، ويجب عليه الامتثال، ولكن قد يكون إقباله، وهو لم يزل في الأمر المخوف، فقال: (گ گ) أمر له بشيئين، إقباله، وأن لا يكون في قلبه خوف، ولكن يبقى احتمال، وهو أنه قد يقبل وهو غير خائف، ولكن لا تحصل له الوقاية والأمن من المكروه، فقال: (گ ? ?) فحينئذ اندفع المحذور من جميع الوجوه، فأقبل موسى عليه السلام غير خائف ولا مرعوب، بل مطمئنًّا، واثقًا بخبر ربه، قد ازداد إيمانه، وتم يقينه، فهذه آية، أراه الله إياها قبل ذهابه إلى فرعون، ليكون على يقين تام، فيكون أجرأ له، وأقوى وأصلب» 74.
الموقف الثاني: عند لقاء السحرة، وإذا حبالهم وعصيّهم بما عمل فيها من حيل يخيّل للناظر إليها أنها حيات تسعى.
قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [طه:65 - 68] .
(? ? ? ? ?) «أي: أحسّ، وقيل: وجد، وقيل: أضمر، وقيل: خاف، وذلك لما يعرض من الطّباع البشريّة عند مشاهدة ما يخشى منه، وقيل: خاف أن يفتتن النّاس قبل أن يلقي عصاه، وقيل: إنّ سبب خوفه هو أنّ سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على النّاس فلا يؤمنوا، فأذهب اللّه سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشّره به بقوله: (? ? ? ? ? ?) » 75.
إن خوف موسى عليه السلام في هذا المشهد ليس خوف جبن أو خوفًا على حياته، بل كان خائفًا من أن يقع الناس تحت تأثير هذا المنظر بصورة يصعب معها إرجاعهم إلى الحقّ. «فالتعبير عن الحالة العرضية التي مرت بموسى عليه السلام بكلمة (?) بدل (خوف) ، وتعيين هذه الحالة بأنها كانت في نفسه، يشير إلى أنها كانت حالة نفسية عرضية سريعة، سرعان مازالت وتلاشت، وحلَّ محلها يقينه وثقته وثباته، وهذا التوجس النفسي لم يؤثر على موقفه وتحديه، ولم يتحول إلى خوف وجودي، ينتج آثارًا عملية سيئة» 76.
فما أروع عناية الله عز وجل بأوليائه تربط على قلوبهم وتثبت أقدامهم في أحلك المواقف وأصعب اللحظات لتسكب في قلوبهم السكينة والطمأنينة.
2.خوف داود عليه السلام في موقفه مع الخصمين.
قال الله عز وجل: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [ص:21 - 22] .
«تتحدّث الآيات عن قصة حدثت لداود عليه السلام، وتذكر أن خصمين دخلا عليه مجلسه في صورة غير مألوفة، إذ تسورا عليه السور، ولم يدخلا من المدخل الطبيعي إليه. ففزع منهما، وتوقع الشر من دخولهما على تلك الصورة، التي يقتحمان عليه فيها مجلسه اقتحامًا، من غير استئذان، وهو الملك، ذو البأس والسلطان، الذي تقوم على حراسته الجنود، والحجّاب» 77.
وكأن هذه الآيات تبين لنا أن داود عليه السلام مع ما أتاه الله من الحكم، والملك، والسلطان، والجاه، والجيوش والحراس. يفزع ويخاف، ويتوقع الشر، وحصول المكروه. مما يؤكد أن الخوف انفعال فطري لا يخلو منه أحد مهما كانت قوته وسلطانه أو علت مكانته ومنزلته.
3.خوف لوط عليه السلام على ضيوفه من قومه المجرمين.
قال الله عز وجل: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) } [العنكبوت:33 - 34] .
تصور هذه الآيات الكرب والضيق والهم والأسى والحزن والخوف الذي أصاب لوطًا عليه السلام عندما جاءته الملائكة في صورة سويّة من صور البشر، فيهم الشباب، والنضارة، والجمال. فخاف عليهم من تعرض قومه الشاذين لهم وقد اشتهروا بفعل الفاحشة دون تحرج أو حياء، فأحس لوط عليه السلام وهو في هذا الموقف العصيب بأنه عاجز عن حماية ضيوفه والتصدي لقومه الذين أعمتهم سكرة الشهوة عن الاستجابة لنداءاته المتكررة عبر استثارة النخوة الآدمية فيهم أو استجاشة وجدان تقوى الله فيهم، فقول الملائكة للوط عليه السلام: {وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ} يدل على ظهور أمارات الخوف عليه مع ما أصابه من الهم والأسى.
ويتجلى ذلك في خوف موسى عليه السلام من ضغط فرعون وإفراطه في التعدي.
قال تعالى: {اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) } [طه:42 - 46] .
لما كلف الله تعالى موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب إلى فرعون ودعوته إلى الحق، تذكر موسى عليه السلام -وقد تربى في قصره- بطش فرعون وطغيانه وجبروته، كما أن موسى قد قتل القبطي بطريق الخطأ، فهناك احتمال كبير أن يتعرض للمساءلة والحساب، كما قال تعالى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) } [الشعراء:14] .
فعندها توجه موسى وهارون عليهما السلام إلى الله عز وجل: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى} ، فقد خاف موسى عليه السلام من أن يعجل فرعون بعقابه قبل أن يسمع منه ما أرسل به إليه، وهكذا شأن الطاغية دومًا إذا سمع شيئًا لا يعجبه ولا يتفق مع هواه، تعجل الأمر بالقتل.
وهنا تأتي المعية الربانية بالحفظ والتأييد والرعاية والعناية {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} .
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: «لا تخافا منه، فإنّني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى عليّ من أمركم شيءٌ، واعلما أنّ ناصيته بيدي، فلا يتكلّم ولا يتنفّس ولا يبطش إلّا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي» 78.
فأي ثقة وطمأنينة يستشعرها القلب المؤمن وهو يوقن أنه في معية من بيده ملكوت كل شيء، ومن يقول للشيء كن فيكون! فيا لقرة أعين المؤمنين بمعية ربهم تحفظهم في أشد المواقف وتحميهم من كيد الطغاة وبطش المجرمين!
3.الخوف من المجهول أو غير المعلوم.
ويتجلى ذلك في هذه المواقف الثلاثة:
1.خوف إبراهيم عليه السلام من ضيوفه.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الذاريات:24 - 28] .
يصور هذا المشهد القرآني وصول مجموعة من الملائكة على صورة رجال إلى منزل إبراهيم عليه السلام، وكان إبراهيم لا يعرفهم، دخلوا عليه منزله، فقام من فوره وقدم لهم طعامًا شهيًّا، فلم تمتد أيديهم إليه، فلما رأى إبراهيم ذلك منهم نكرهم.
يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «نكر الشيء وأنكره: ضد عرفه، أي: نكر ذلك منهم، ووجده على غير ما يعهد من الضيف، فإن الضيف لا يمتنع من طعام المضيف إلا لريبة، أو قصد سيء، وأحس في نفسه خيفة منهم وفزعًا، أو أدرك ذلك وأضمره إذ شعر أنهم ليسوا بشرًا، أو أنهم ربما كانوا من ملائكة العذاب، والوجس يطلق على ما يعتري النفس من الشعور والخواطر عند الفزع» 79.
وقد عبر الله عز وجل عن هذا الموقف نفسه في سورة هود بقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود:70] .
ثم اكتشف إبراهيم حقيقة ضيوفه وأنهم ملائكة الرحمن جاءوا لإهلاك قوم لوط كما بشروه بغلام عليم يكون له من زوجه العجوز العقيم.
«والجميل في التعبير أنه بمجرد ما داخل إبراهيم الخوف، وظهرت علاماته على وجهه، بادر الملائكة إلى طمأنته، وطرد الشعور بالخوف من فؤاده، بالكشف عن هويتهم الملائكية الكريمة، وتعزيزها بإلقاء بشرى الولد، بردًا وسلامًا على إبراهيم، فالرسول آمن عند ربه، وما كان ليروعه شيء ولا أحد أبدًا، وإنما كان خوف إبراهيم توجسًا، أي: شعورًا خفيًّا، فقوله: (?) من الوجس، وهو إضمار الشعور بالخوف في النفس. ومع ذلك سارعت الملائكة إلى طرد ذلك الخاطر من قلبه، وتمكين وجدانه من روح الأمن والسلام» 80.
2.خوف يعقوب عليه السلام على يوسف من الذئب.
منذ اللحظة الأولى التي قصَّ فيها يوسف رؤياه على أبيه يعقوب عليهما السلام، أدرك يعقوب أنه سيكون ليوسف مستقبل مشرق زاهر، فطلب من يوسف ألا يقص رؤياه على إخوته خوفًا من كيدهم ومكرهم، خاصة وأنهم كانوا يرون تعلق يعقوب به وإيثاره عليهم في زعمهم، ثم جاءت اللحظة التي طلب فيها إخوة يوسف من أبيهم أن يرسل معهم يوسف في نزهة للهو واللعب، ووعدوه بحفظه وحمايته، كما حكى القرآن في قوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف:11 - 13] .
«لقد سلّم لهم أبوهم بما طلبوه، ولكنه أظهر لهم بعض مخاوفه، إذا هو أجابهم إلى ما طلبوا .. فهو يحزن لبعد يوسف عنه، ولو ليوم أو بعض يوم، إذ كان سلوته، وأنسه.
ثم هو يخشى أن يصيبه مكروه إذا هم غفلوا عنه، فيعدو عليه ذئب من تلك الذئاب المتربّصة لصيد تناله من إنسان أو حيوان في هذه الفلاة التي يرعون فيها! وفي قوله: (? ? ? ? ? ? ?) قد وضع بين أيديهم السلاح الذي يستعملونه في تنفيذ أمرهم الذي دبّروه، وليكون لهم منه ما يصدّق ظنون أبيهم ومخاوفه فيما ظنّه وتخوّفه؛ فكانت قصّة الذئب التي جاءوا أباهم بها، هي من وحي هذه الظنون وتلك المخاوف التي أعلنها أبوهم لهم.
(? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف:14] . إنهم التقطوا من أبيهم كلمة (?) وجعلوها العدوّ المتربص بهم، وأنهم سيأخذون حذرهم منه، وهم عشرة رجال، وإنه لن يستطيع أن ينال شيئًا منهم» 81.
«وهذا المشهد يؤكد حصول انفعال الخوف عند يعقوب عليه السلام تجاه ولده وقرّة عينه يوسف عليه السلام، وهذا الأمر طبيعي جدًّا، وهو فطرة بشرية مغروزة في أعماق الآباء تجاه أولادهم، فالخطر قد يدهم يوسف عليه السلام من غيرة إخوته وحسدهم، أو من بطشهم به من خلال وسوسة الشيطان لهم، فجاء تحذير يعقوب عليه السلام له. ومن حق يعقوب عليه السلام أن يخاف وينفعل، سواء خوفه من الذئب، أو من إهمالهم أخاهم فيأكله الذئب، أو من إخوته أنفسهم، وهو يستشعر تغلغل الحسد إلى قلوبهم» 82.
3.خوف موسى عليه السلام من فرعون وزبانيته بعد قتله القبطي بطريق الخطأ.
قال الله تعالى: {فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19) وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) } [القصص:18 - 21] .
تصور هذه الآيات لحظات الحيرة والاضطراب التي انتابت موسى بعد قتله للقبطي بطريق الخطأ وانتشار الخبر في قصر فرعون، وخوف موسى من اكتشاف أمره، خاصة بعدما نصحه أحد الناصحين من آل فرعون بالخروج من مصر قبل أن تصل إليه أيدى زبانية فرعون.
«وقد صور القرآن حالة موسى عندما خرج من المدينة.
قال تعالى: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [القصص:21] .
خرج من المدينة خائفًا، وكان قد أصبح في المدينة خائفًا، وخرج من المدينة يترقب، وكان قد أصبح في المدينة يترقب. كان في المرة الأولى خائفًا أن يتعرف عليه أحدهم؛ لأنه قتل قبطيًّا بالأمس، وكان يترقب ويتلفت وينظر يمنة ويسرة.
أما الآن فهو خائف من جنود فرعون، لأن معهم أمرًا بالقبض عليه وقتله.
وخوف موسى طبيعي، لا يلام ولا يعاب عليه، وليس جبنًا ولا ضعفًا، ألا تريد من رجل مطلوب القبض عليه وقتله أن يخاف من ذلك؟
ولكن خوف موسى الطبيعي من الخطر الفرعوني المحدق به لم يؤثر على إيمانه بالله وتوكله عليه وثقته به، فكل حياته كانت هكذا، وكان يرى فضل الله عليه وحفظه له، في كل ما مر به من أحداث» 83.
أولًا: معرفة الله بصفات جلاله وعظمته وكبريائه:
إن التفكر في عظمة الله تعالى عبر التدبر في أسمائه وصفاته، يفتح للقلب البشري نافذة يطل منها على أوصاف العظمة والكبرياء لله عز وجل، بما يسكب في القلب الخوف منه والحرص على خشيته وتقواه، فالقلب اليقظ حين يتأمل في صفات مولاه ويعلم أنه هو القوي المتين، الكبير المتعال، الواحد القهار، الحميد المجيد، القادر المقتدر والجبار المتكبر، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد، ذو الجبروت والملكوت، عندها تنتابه قشعريرة ووجل تدفعه إلى سلوك سبيل الهدى.
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2] .
إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر بالله في أمر أو نهي فيغشاه جلاله، وتنتفض فيه مخافته ويتمثل عظمة الله ومهابته، إلى جانب تقصيره هو وذنبه، فينبعث إلى العمل والطاعة، وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حين يذكر بالله في صدد أمر أو نهي فيأتمر معها وينتهي كما يريد الله؛ وَجَلًا وتَقْوًى لله 84.
وقد نعى الله عز وجل على أولئك الذين لا يتفكرون في عظمة ربهم في قوله تعالى: {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) } [نوح:13] .
وقد ذكر الماوردي في هذه الآية خمس تأويلات نذكر منها:
«أحدها: ما لكم لا تعرفون للّه عظمة، قاله مجاهد، وعكرمة.
الثاني: لا تخشون للّه عقابًا وترجون منه ثوابًا، قاله ابن عباس في رواية ابن جبير.
الثالث: لا تعرفون للّه حقه ولا تشكرون له نعمه، قاله الحسن.
الرابع: لا تؤدون للّه طاعة، قاله ابن زيد» 85.
فما أعجب من يرى آيات الله مبثوثة في الكون والأنفس تنبئ عن عظمته وجلاله، ثم ينصرف دون أن يخشع قلبه أو تنتفض جوارحه أو يسكن الإيمان واليقين وجدانه!
قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } [الزمر:67] .
ثانيًا: الشعور بالتفريط في جنب الله، ومعرفة قبح عواقب الذنوب والمعاصي:
إن القلب اليقظ المترع بالخوف من مولاه ينتفض وجلًا وخشية كلما وقع في المعصية أو قصّر في الطاعة؛ لأنه يعلم ما للمعاصي والذنوب من أضرار سيئة وعواقب وخيمة في الدنيا والآخرة، وأنها قد تشكل -مع إلفها والتعود عليها- حجابًا يحرمه تذوق حلاوة الإيمان ولذة العبادة، ويقوده إلى الغفلة واتباع الهوى.
«إن الخوف منه تعالى مانعٌ للذنب، عاصمٌ من الخطأ، حافظٌ من الزلل، مبعدٌ عن الخلل، حافزٌ للنفس، موقظٌ للضمير، حاثٌّ على الاجتهاد، وأنى لقلب لم يزرع فيه خوف الله أن يرتدع عن الهوى، ويرعوي عن الجهل، وكيف لفؤادٍ لم تسكنه خشية الله والهيبة لجلاله، والوجل من بطشه، والإشفاق من وعيده؛ كيف له أن يعمر بالطاعة، ويتجافى عن المعصية، ويتنكر للخطيئة، ويستوحش من الذنب» 86.
فالخوف من الله يجعل العبد في حساسية وتوق للذنوب؛ لأنه يعلم أن كل ما يفعله من طاعات ومعاصٍ مسجل في صحيفته، منشور في ديوانه، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) } [آل عمران:30] .
كما أخبر تعالى أن الميزان دقيق يزن أصغر الأشياء وأحقرها، من خير أو شر.
قال تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) } [الأنبياء:47] .
قال ابن القيم: «العبد إما أن يكون مستقيمًا أو مائلًا عن الاستقامة، فإن كان مائلًا عن الاستقامة فخوفه من العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، وهو ينشأ من ثلاثة أمور:
أحدها: معرفته بالجناية وقبحها.
والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب على المعصية عقوبتها.
والثالث: أنه لا يعلم لعله يمنع من التوبة ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب.