ويتبين من كلام المفسرين اعلاه، ملخص قصة أصحاب الجنة، وهي أن الله تعالى قد ابتلى أصحاب الجنة في يوم الحصاد، أي: في يوم جمع الثمار، حيث اتفقوا على أن يجمعوا ثمار هذه الجنة أو البستان في الصباح الباكر، ولا يتركوا من ثمارها شيئًا إلا جمعوه، فأرسل الله تعالى عليها أثناء الليل وهم نائمون طائفًا من عنده فأحرقها، فأصبحت أشجارها وثمارها محترقة وهم لا يشعرون، فقاموا من نومهم متجهين ليباشروا حصاد تلك الثمار، وهم يتحدثون بصوت خافت حتى لا ينتبه إليهم أحد، لأنهم قرروا أن يمنعوا حق الفقراء والمساكين في تلك الثمار، ونسوا أن الزكاة والصدقة تنمي المال وتمنعه من الزوال وتضع فيه البركة، ومع ذلك اعتقدوا أنهم ضلوا الطريق، فذهبوا إلى مكان آخر لكنهم فوجئوا بأنها هي الجنة نفسها فكان جزاؤهم أن حرموا من تلك النعم كلها نتيجة ظلمهم وأكلهم حق المساكين.
ويتضح مما مضى أن قصة أصحاب الجنة المذكورة في القرآن الكريم وارتباطها مع الشجر على سبيل الابتلاء والمحنة، حيث أعطت هذه القصة دروسًا في أخذ العبرة من أصحاب تلك الجنة التي حفت بالأشجار والثمار المتنوعة إلا أنهم جحدوا نعمة الله تعالى عليهم، بحرمانهم حق المساكين، مع نسيانهم أن الله تعالى هو المعطي، وهو القادر على أن يسلب منهم كل النعم، فكان عقابهم الحرمان والهلاك والعذاب، وفي القصة تحذير عن فعلهم وعدم الاستهانة بنعم الله تعالى والحفاظ عليها وعدم التفريط بها، وذلك بالشكر والثناء على الله تعالى مع المسارعة إلى التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله تعالى.
ذكر لنا القرآن الكريم أمثلة كثيرة في مواطن شتى لتوضيح معانٍ كثيرة من إنفاقٍ في سبيل الله وإيمانٍ به تعالى وغيرها، وتقريب هذه المعاني إلى النفوس كي يزداد المؤمن يقينا بها، ومن هذه الأمثلة ما كان المثل فيها هو الشجر، وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: الحث على الإنفاق في سبيل الله:
ضرب الله تعالى مثلًا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل كما جاء في قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } [البقرة: 261] .
قال ابن كثير: «هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قال سعيد بن جبير: في طاعة الله، وقال مكحول: يعني به: الإنفاق في الجهاد، من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك، وعن عكرمة عن ابن عباس: الجهاد والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف؛ ولهذا قال الله تعالى: {كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ} ، وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله عز وجل، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة» 84.
قال ابن عاشور: «مثل {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} تشبيه حال جزائهم وبركتهم، والصلة مؤذنة بأن المراد خصوص حال إنفاقهم بتقدير مثل نفقة الدين، وقد شبه حال إعطاء النفقة ومصادفتها موقعها وما أعطي من الثواب لهم بحال حبة أنبتت سبع سنابل، أي: زرعت في أرض نقية وتراب طيب وأصابها الغيث فأنبتت سبع سنابل» 85.
وجاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف) 86.
ومعنى الحديث أن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
«وقد ذكر الزمخشري وغيره: أن التشبيه ليس بين الذين ينفقون والحبة، بل بين الصدقة نفسها والحبة؛ فالكلام فيه مضاف محذوف مقدر في القول، وتقديره: مثل صدقة الذين ينفقون في سبيل الله، فقد شبه سبحانه الصدقة التي تنفق في سبيل الله بحبة تلقى في الأرض، فتخرج عودًا مستويًا قائمًا تتعلق به سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، أي: أنه يتولد عن هذه الحبة التي باركها خالق الحب والنوى سبعمائة حبة، وإسناد الإنبات إليها من حيث اتصاله بها، وأن تلك الحبات هي نماء متولد عنها، وفي الحقيقة إن المنبت هو الله سبحانه وتعالى» 87.
وتعطي الآية المتقدمة دروسًا في الإنفاق في سبيل الله وعدم البخل في المال، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، ويرتبط مفهوم الشجر بالإنفاق في سبيل الله من حيث كون السنابل نباتًا، وهي مثل ضربه الله تعالى لبيان هذا الإنفاق.
ومن الجدير بالذكر أن لفظ السنبلة ذكر في القرآن الكريم في مواضع منها:
قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } [البقرة: 261] .
وقال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) } [يوسف: 43] .
ثانيًا: الإيمان والهدى:
ضرب الله تعالى الشجرة المباركة مثالًا على نور إيمان المؤمن وهداه في قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) } [النور: 35] .
قال الواحدي: «بنوره وهداه يهتدي من في السماوات والأرض، ثم ضرب مثلا لذلك النور الذي يقذفه في قلب المؤمن حتى يهتدي به فقال: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ} وهي الكوة غير النافذة، والمراد بها هاهنا الذي وسط القنديل، وقوله: {فِيهَا مِصْبَاحٌ} يعني: السراج، {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} لأن النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شيء، {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ} لبياضه وصفائه، {دُرِّيٌّ} منسوب إلى أنه كالدر، {يُوقَدُ} أي: الزجاجة، والمعنى للمصباح، {مِنْ شَجَرَةٍ} أي: من زيت شجرة، {مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ} ليست مما يطلع عليها الشمس في وقت شروقها فقط، {وَلَا غَرْبِيَّةٍ} أو عند الغروب، والمعنى: ليس يسترها عن الشمس في وقت من النهار شيء فهو أنضر لها وأجود لزيتها {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} لصفائه دون السراج وهو قوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ} يعني: نور السراج ونور الزيت، ثم قال عز من قائل: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} » 88.
فبعد بيان تفسير هذه الآية الكريمة يمكن بيان مفهوم الشجرة المباركة التي ذكرت في الآية الكريمة، وبعد أن شبه الله تعالى الزجاجة وفيها المصباح، بالكوكب الدري المتلألئ، عاد سبحانه وتعالى إلى المصباح، فأخبر أنه: {يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ} ، فما المراد من هذه الشجرة؟
اختلف في هذا على ستة أقوال:
الأول: أنها ليست من شجر الشرق دون الغرب، ولا من شجر الغرب دون الشرق؛ لأن الذي يختص بإحدى الجهتين كان أدنى زيتًا، وأضعف ضوءًا ولكنها ما بين الشرق والغرب، كالشام؛ لاجتماع الأمرين فيه؛ وهو قول مالك.
وفي رواية ابن وهب عنه قال: هو الشام، الشرق من هاهنا والغرب من هاهنا، ورأيته لابن شجرة أحد حذاق المفسرين.
الثاني: أنها ليست بشرقية تستر عن الشمس عند الغروب، ولا بغربية تستر عن الشمس وقت الطلوع؛ بل هي بارزة؛ وذلك أحسن لزيتها أيضا؛ قاله قتادة.
الثالث: أنها وسط الشجر، لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت، وذلك أجود لزيتها: قاله عطية.
الرابع: أنها ليس في شجر الشرق ولا في شجر الغرب مثلها، قاله يحيى بن سلام.
الخامس: أنها من شجر الجنة لا من الدنيا، قاله الحسن.
السادس: أنها مؤمنة، ليست بنصرانية تصلي إلى الشرق، ولا يهودية تصلي إلى الغرب، وهو قول ابن عمر 89.
وعلى أية حال فأن جميع هذه الأقوال حسنة غير مردودة إلا أن أغلب المفسرين ذكروا أن هذه الشجرة هي هي شجرة الزيتون المباركة ضرب الله تعالى بها مثلا لنوره جل وعلا، ونور إيمان قلب المؤمن وهداه.
وأما وصفها مباركة:
وقيل: إنما وصفت بالبركة لأنها تثبت في الأرض التي بارك الله تعالى فيها للعالمين، وقيل: بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه السلام، زيتونة بدل من شجرة، وقال أبو علي: عطف بيان عليها، وهو مبني على مذهب الكوفيين من تجويزهم عطف البيان في النكرات، وأما البصريون فلا يجوزونه إلا في المعارف، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم الإبدال عنها أو بيانها تفخيم لشأنها 90.
وأما علاقة الشجر بهذه الآية الكريمة، كونه مثالًا للهدى والإيمان.
يقول أبو بكر ابن العربي: «فضرب مثلًا للهدى النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان المصباح، وللصدر الزجاجة، ولصفاء الصدر وانشراحه الكوكب المضيء، وللاستضاءة سداد المعارف وصلاح الأعمال، وللإيقاد من الزيت الاستمداد من بحر المعارف، وللشجرة انقسام القلوب، والمعارف من أصل العلم الأول، على أغصان إلى أوراق إلى ثمار على اختلاف أنواع الشجر وصفات الأغصان واختلاف حال الثمار في الهيئات والطعوم، وإمكان الجني وتعذره، وحلوه ومره، إلى غير ذلك من معانٍ لا تبلغها القدرة البشرية، ولا تنتهي إليها العلوم الجزئية» 91.
ويتضح مما تقدم ارتباط شجرة الزيتون المباركة بضرب الأمثال في القرآن الكريم، وهي مثل للمؤمن في نور الإيمان والهدى في قلبه.
ثالثًا: كلمات الله تعالى:
ضرب الله تعالى مثلا في الشجر بوصفه أقلاما تكتب بها كلمات الله تعالى في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (27) } [لقمان: 27] .
قال ابن كثير: «ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلامًا، وجعل البحر مدادًا ومده سبعة أبحر معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مددا» 92.
قال الحسن البصري: «لو جعل شجر الأرض أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، وقال الله: «إن من أمري كذا، ومن أمري كذا لنفد ما في البحور، وتكسرت الأقلام» 93.
وقد روي أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس؛ أن أحبار يهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] . إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم) ، وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ} [لقمان: 27] 94.
قال الزركشي: «قال المفسرون: والغرض من ذلك الإعلام بكثرة كلماته وهي في نفسها غير متناهية وإنما قرب الأمر على أفهام البشر بما يتناهى، لأنه غاية ما يعهده البشر من الكثرة، وقال بعض المحققين: إن ما تضمنت الآية أن كلمات الله تعالى لم تكن لتنفد، ولم تقتض الآية أنها تنفد بأكثر من هذه الأقلام والبحور، وكما قال الخضر عليه السلام: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من ماء البحر حين غمس منقاره فيها» 95.
قيل لابن عرفة: إن قلت: ما فائدة قوله: {مِنْ شَجَرَةٍ} ، ولو حذف لكان أبلغ، لأنه إذا كان جميع ما في الأرض من شجر، وحجر ومدر وعظام أقلامًا، وكتب بها كلمات الله تعالى فلم تنفد بنفود الأقلام، فأحرى أن لا تنفد حالة كتبها بالأقلام المصنوعة من الشجر فقط، والجواب: بأنه لو لم يقل، من شجرة، لزم منه المحال؛ لأن الأرض فيها الجوهر والعرض فيلزم صيرورة العرض كلاما وهو محال، وكان يلزم عليه المحال، وهو نفود كلمات الله تعالى؛ لأن المحال قد يستلزم محالا، ورده ابن عرفة في مختصره المنطقي: بأنه لو استلزم المحال محالًا لما صدقت قضية تقدمها كاذب، مع أنه قد تصدق وقد تكذب، فإن قلت: هلا قال: ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام، فالجواب: أن الشجر أقرب إلى الأقلام من الحجر 96.
قال الرازي: فإن قيل: كيف قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي} [الكهف: 109] .
ولم يقل من شجر؟ قلنا: لأنه أراد تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر شجرة واحدة إلا وقد بريت أقلامًا 97.
ويتضح مما مضى ارتباط مفهوم الشجر بكلمات الله تعالى بوصفه أقلامًا يكتب بها كلمات الله تعالى الباقية التي لا تنفد، مع فرض شجر الأرض أقلامًا، والبحر ممدودًا بسبعة أبحر مدادًا، لا يقع نفاد الكلمات، وهذه صورة مقربة للأذهان بما يتناهى من الشجر والأقلام مع كلمات الله تعالى غير المتناهية، فلو جعلت الأشجار التي في الأرض أقلامًا لكتابة كلمات الله، وجعل مدادها البحر المتصل بمدار سبعة أبحر أخرى، فإن تلك الأقلام ومعها المداد تنفد دون أن تنفد كلمات الله.
قال الزمخشري: «وجاء التعبير بالشجرة على الإفراد دون الجمع لإرادة تفصيل الشجر وتقصيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بريت أقلامًا» 98.
أولًا: شجر نعيم:
لا شك أن في الجنة أشجارًا وثمارًا كثيرةً ومتنوعةً لا حصر لها، أعدها الله تعالى لعباده المؤمنين حيث وصفها الله تعالى في القرآن الكريم بأنها نعيم دائم لأصحاب الجنة، كما جاء في الآيات القرآنية نذكر بعضًا منها كما يأتي:
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) } [المرسلات: 41 - 42] .
وقال تعالى: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) } [النبأ: 31 - 32] .
وقال تعالى: {وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) } [الواقعة: 27 - 33] .
وقال تعالى: {مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51) } [ص: 51] .
وقال تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) } [الرحمن: 68] .
وقد وردت في القرآن الكريم أسماء لبعض أشجار الجنة وأكدت ذلك السنة النبوية.
ومنها ما يأتي:
قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) } [الرعد: 29] .
قال الزمخشري: «ومعنى (طوبى لك) أصبت خيرا وطيبا، ومحلها النصب أو الرفع، كقولك: طيبا لك، وطيب لك، وسلاما لك، وسلام لك» 99.
قال ابن عاشور: «وطوبى: مصدر من طاب طيبًا إذا حسن، وهي بوزن البشرى والزلفى، قلبت ياؤها واوا لمناسبة الضمة، أي: لهم الخير الكامل؛ لأنهم اطمأنت قلوبهم بالذكر، فهم في طيب حال: في الدنيا بالاطمئنان، وفي الآخرة بالنعيم الدائم، وهو حسن المئاب، وهو مرجعهم في آخر أمرهم» 100.
وذكر الإمام الرازي في تفسير كلمة طوبى ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنها اسم شجرة في الجنة، فعن عتبة بن عبد السلمي، يقول: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله عن الحوض، وذكر الجنة، ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال:(نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى) ، فذكر شيئا لا أدري ما هو؟ قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: (ليست تشبه شيئا من شجر أرضك) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتيت الشام؟) فقال: لا، قال: (تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة، تنبت على ساق واحد، وينفرش أعلاها) ، قال: ما عظم أصلها؟ قال: (لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك، ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرما) 101.
وحكى أبو بكر الأصم رحمه الله: أن أصل هذه الشجرة في دار النبي صلى الله عليه وسلم وفي دار كل مؤمن منها غصن.
القول الثاني: وهو قول أهل اللغة أن طوبى مصدر من طاب، كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك، أصبت طيبا، ثم اختلفوا على وجوه: قال ابن عباس رضي الله عنه: فرح وقرة عين لهم، وقال عكرمة: نعم ما لهم، وقيل: غبطة لهم، عن الضحاك. وقيل: حسنى لهم، عن قتادة، وقيل: خير وكرامة، عن أبي بكر الأصم، وقيل: العيش الطيب لهم، عن الزجاج.
واعلم أن المعاني متقاربة والتفاوت يقرب من أن يكون في اللفظ، والحاصل أنه مبالغة في نيل الطيبات ويدخل فيه جميع اللذات، وتفسيره أن أطيب الأشياء في كل الأمور حاصل لهم.
القول الثالث: إن هذه اللفظة ليست عربية، ثم اختلفوا: فقال بعضهم: طوبى اسم الجنة بالحبشية، وقيل: اسم الجنة بالهندية، وقيل: البستان بالهندية، وهذا القول ضعيف؛ لأنه ليس في القرآن إلا العربي لا سيما واشتقاق هذا اللفظ من اللغة العربية ظاهر 102.
وعلى كلام الزمخشري تكون هذه الكلمة السامية تحية من الله تعالى لعباده المؤمنين، وتكون هذه التحية مقررة لهم بأن لهم السلام والاطمئنان، والطيب في إقامتهم في الجنة، بدليل ما جاء معطوفًا عليها، وهو قوله تعالى: {وَحُسْنُ مَآبٍ} أي: مآبٍ، ومرجع ونهاية، هي حسنة في ذاتها، ليجتمع لها طيب الإقامة، وحسن الثواب، بل كلاهما من الثواب 103.
ولا مانع من أن يكون لكلمة طوبى معنيان، الأول ما ذكره الزمخشري، والثاني ما جاء في السنة النبوية من أن طوبى شجرة في الجنة حسب ما جاء به حديث عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه كما مر ذكره.
جاء ذكرها في سورة النجم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) } [النجم: 13 - 15] .
قال الإمام الطبري: والسدرة: شجرة النبق، وقيل لها سدرة: المنتهى في قول بعض أهل العلم من أهل التأويل، لأنه إليها ينتهي علم كل عالم 104.
والمنتهى هي آخر شيء ومكانها عند جنة المأوى، حيث ينتهي إليها ما يصعد به من الأرض وما يهبط به من فوقها، وجاء في حديث المعراج المشهور لما عرج به جبريل إلى السماء ودخل السماء السابعة قال: «ثم رفعت إلي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى» 105.
وأما سبب تسميتها سدرة المنتهى كما جاء في حديث ابن مسعود، قال: (لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها) 106.
جاء عن ابن عباس في تسمية سدرة المنتهى: «لأن علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا رسول صلى الله عليه وسلم» 107.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى بما ورد عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ورفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه آذان الفيول، في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألت جبريل، فقال: أما الباطنان: ففي الجنة، وأما الظاهران: النيل والفرات) 108.