أولًا: المعنى اللغوي:
يدل أصل مادة (فطر) على فتح شيء وإبرازه، من ذلك الفطر من الصوم. يقال: أفطر إفطارًا. وقومٌ فطرٌ أي مفطرون. ومنه الفطر، بفتح الفاء، وهو مصدر فطرت الشاة فطرًا، إذا حلبتها 1.
والفطرة: الاستقامة على التوحيد 2.
وفطر: اخترع وأنشأ 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الفطرة: «الجبلة المتهيئة لقبول الدين» 4.
وقيل: «الخلقة؛ لأن من معاني الفطرة الخلقة 5، التي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها: على محبة الخير وإيثاره، وكراهية الشر ودفعه، وفطرهم حنفاء مستعدين لقبول الخير والإخلاص لله، والتقرب إليه» 6.
قال النبي صلى الله عليه وسلم 7: (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) ، ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] ) 8.
وولادة المولود في سياق هذا الخطاب النبوي يكون معناها «أي على الجبلة القابلة لدين الحق» 9.
وردت مادة (فطر) في القرآن الكريم (19) مرة، ويخص موضوع البحث منها (15) مرة 10.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 8 ... {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأنعام:79]
اسم الفاعل ... 6 ... {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأنعام:14]
المصدر ... 1 ... {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30]
ووردت الفطرة في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: إيجاده الشيء وإبداعه 11. ولم تخرج في الاستعمال القرآني عن معناها اللغوي.
النشأة:
النشأة لغة:
أصل مادة (نشأ) يدل على ارتفاعٍ في شيءٍ وسموٍ. ونشأ السحاب: ارتفع. وأنشأه الله: رفعه 12، ويقال: «أنشأه الله: خلقه. وأنشأ الله الخلق أي: ابتدأ خلقهم 13.
النشأة اصطلاحًا:
الدلالة الاصطلاحية لمصطلح الإنشاء هي (الابتكار) .
الصلة بين النشأة والفطرة:
دلالة مصطلح النشأة على الابتكار لها صلة بإحدى معاني الفطرة وهي (الإبداع) ؛ لأن الله عز وجل ينشأ الفطرة في الإنسان ويبدعها من العدم.
الغريزة:
الغريزة لغة:
أصل مادة (غرز) على الإدخال والقرب والحبس 14. وأقرب المعاني اللغوية لدلالة لفظة (الغريزة) اصطلاحًا نفسيًا هو معنى (الحبس) فكأن الغريزة محبوسة في الإنسان كحبس اللبن في جسم الناقة فغرز ولم يخرج.
الغريزة اصطلاحًا:
«سجية، فطرة، طبيعة من خير أو شرٍ تصدر عنها صفات ذاتية» انقاد لغريزته- مكافحة الغرائز البهيمية» 15، «هي ملكة تصدر عنها صفات ذاتية» 16 ومن معانيها الطبيعة 17.
الصلة بين الغريزة والفطرة:
الغريزة أخص من الفطرة فبينهما عموم وخصوص، فالغريزة إحدى جوانب الفطرة.
الجبلة:
الجبلة لغة:
الفطرة. جبل الله عز وجل الخلق يجبلهم ويجبلهم. وهذه جبلة فلان أي خليقته التي خلق عليها «18، «وجبلة الوجه: بشرته» 19.
الجبلة اصطلاحًا:
إن الجبلة تعني الخلق 20 و «الجبلة: الطبيعة والخلقة المركوزة في أصل الخلقة» 21.
الصلة بين الجبلة والفطرة:
الجبلة تعطي معنى من معاني الفطرة (الخلقة) .
إن من أهم ركائز الفطرة الصحيحة الإيمان بالله جل وعلا الفاطر أي فاطر الموجودات كيف لا وهو مبدعها صغيرها وكبيرها، ومن أسمائه (الفاطر) ، وهو فاطر أعظم شيئين في الكون وهما السموات والأرض، وهو فاطر الخلق؛ لكن بعض الناس جحدوا فطرة الله سبحانه وتعالى وراحوا يؤلفون مناهج أرضية إنسانية قاصرة بحجة أن الله عاجز عن تدبير شؤون خلقه، فحول ملاحدة الشيوعية الشهادة لله بالوحدانية إلى ضلالة.
فبدلوا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) بكلمة أخرى وهي (لا إله والكون مادة) ، هذا بالنسبة للشيوعية، وأما بالنسبة لمتزعمي الرأسمالية في أمريكا وأوربا فإنهم مشركون ووثنيون: يعتقدون بآلهة ثلاثة: «الأب والإبن و روح القدس» ، ويقدسون الصليب، وعبدوا المادة التي خلقها الله فضلوا وأضلوا، سنتناول في جو هذا المبحث المحاور التي ذكرناها وهي (اسم الله الفاطر ودلالته، والله فاطر السموات والأرض، والله فاطر الخلق) .
أولًا: اسم الله الفاطر ودلالته:
ودليله قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) } [فاطر: 1] .
وتعني لفظة «الفاطر: الخالق، المنشئ للخلق» 22.
فأغلب مواضع لفظة (فاطر) في القرآن الكريم تعني الخالق 23.
وهي «المخترع المبتدي، وسوق هذه الصفة احتجاج على الشاكين يبين التوبيخ، أي أيشك فيمن هذه صفته؟ فساق الصفة التي هي منصوبة لرفع الشك» 24.
وأما اشتقاقه «فاشتقاقه من الفطر وهو الشق، ويشبه أن يكون معناه هو الإحداث دفعةً» 25.
ودلالة «كونه فاطرًا فهو عبارةٌ عن الإيجاد والابداع، فكونه تعالى خالقًا إشارةٌ إلى صفة العلم، وكونه فاطرًا إشارةٌ إلى صفة القدرة» 26.
«فثبت أنه سبحانه هو الفاطر لكل ما سواه من الموجودات» 27.
و «أن لفظ الفاطر قد يظن أنه عبارةٌ عن تكوين الشيء عن العدم المحض بدليل الاشتقاق الذي ذكرناه، إلا أن الحق أنه لا يدل عليه ويدل عليه وجوهٌ:
أحدها: أنه قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [فاطر: 1] .
ثم بين تعالى أنه إنما خلقها من الدخان حيث قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت:11] .
فدل على أن لفظ الفاطر لا يفيد أنه أحدث ذلك الشيء من العدم المحض.
وثانيها: أنه قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] .
مع أنه تعالى إنما خلق الناس من التراب. قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) } [طه: 55] .
وثالثها: أن الشيء إنما يكون حاصلًا عند حصول مادته وصورته مثل الكوز، فإنه إنما يكون موجودًا إذا صارت المادة المخصوصة موصوفةً بالصفة المخصوصة، فعند عدم الصورة ما كان ذلك المجموع موجودًا، وبإيجاد تلك الصورة صار موجدًا لذلك الكوز فعلمنا أن كونه موجدًا للكون لا يقتضي كونه موجدًا لمادة الكوز، فثبت أن لفظ الفاطر لا يفيد كونه تعالى موجدًا للأجزاء التي منها تركبت السموات والأرض، وإنما صار إلينا كونه تعالى موجدًا لها بحسب الدلائل العقلية لا بحسب لفظ القرآن» 28.
وقال آخرون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني البدأة التي ابتدأهم عليها يريد أنه مولود على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم اعتقادهم. قالوا والفطرة في كلام العرب البداءة والفاطر المبدئ والمبتدئ، فكأنه قال: صلى الله عليه وسلم يولد على ما ابتدأه الله عليه من الشقاء والسعادة وغير ذلك مما يصير إليه وقد فطره عليه واحتجوا بقوله تعالى {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف: 29 - 30] .
وروى بإسناده إلى ابن عباس قال: لم أدر ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي: ابتدأتها 29 «وكونه تعالى هو الفاطر للموجودات يستحق إفراده بالعبادة و {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} توقيفٌ على استحالة الألوهية لغير الفاطر» 30.
وقال تعالى على لسان الرجل الذي جاء من أقصا المدينة يدعوهم: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) } [يس: 22] .
«أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم؛ لأن الفطرة أثر النعمة فكانت عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر فكان بهم أليق» 31.
ثانيًا: الله تعالى فاطر السماء والأرض:
من خلال البحث في القرآن الكريم لغرض معرفة مواضع ورود لفظ {فَاطِرِ} مقترنًا بلفظي {السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} نجده في عدة مواضع ترد في سياق بيان القدرة الباهرة لله عز وجل من ذلك قوله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) } [الأنعام: 14] .
وفاطر السماوات أي: «مبتدئهما» 32، و «يعني خلقكم خالق السموات والأرض» 33.
كذلك نجد موضعًا آخر في سياق سورة يوسف عليه السلام لبيان النعم الإلهية في قوله - جل وعلا: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) } [يوسف: 101] .
وقال تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) } [إبراهيم: 10] .
وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) } [فاطر: 1] .
«يعني أنه بدأ خلقها فقوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) يعني على تلك البداية التي ابتدأ الله - عز وجل خلقه بها، وأخذ مواثيقهم عليها من الاقرار له بالربوبية، ثم يعرب عنه لسانه بما يلقنه أبواه من الشرائع والأديان، فيعرب بها، وينسب إليها» 34.
وفطر السموات والارض توسل إلى الله بهذا الوصف في الهداية للفطرة التي ابتدأ الخلق عليها، فذكر كونه فاطر السموات والارض، والمطلوب تعليم الحق والتوفيق له، فذكر علمه سبحانه وتعالى بالغيب والشهادة، وإن من هو بكل شيء عليم جدير أن يطلب منه عبده أن يعلمه ويرشده ويهديه، وهو بمنزلة التوسل إلى الغني بغناه وسعة كرمه أن يعطى عبده شيئا من ماله «35، وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46) } [الزمر: 46] .
وقال تعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) } [الشورى: 11] .
ثالثًا: الله تعالى فاطر الخلق:
إن الإنسان بكل إدراكاته الحسية والعقلية يؤمن بأن له خالقًا عظيمًا بالفطرة، فالله تبارك وتعالى - فاطر الخلق، وقد وردت عدة آيات كريمات بهذا الخصوص تبين بأن الله سبحانه وتعالى هو فاطر الخلق. وهاهنا وضمن هذا السياق يعني مفهوم الفطرة: (البداية) ؛ فالله هو الذي يبدئ الأشياء بدلالة قوله: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) } [يونس: 34] .
«وهذا مقام تقرير وتعديد الاستدلال، وهو من دواعي التكرير وهو احتجاج عليهم بأن حال آلهتهم على الضد من صفات الله تعالى؛ فبعد أن أقام عليهم الدليل على انفراد الله تعالى بالرزق وخلق الحواس وخلق الأجناس وتدبير جميع الأمور، وأنه المستحق للإلهية بسبب ذلك الانفراد، بين هنا أن آلهتهم مسلوبة من صفات الكمال، وأن الله متصف بها» 36؛ فهو قادر على إعادتهم لأنه هو الفاطر المبدع 37.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) } [الرعد: 16] .
ونجد بأن «المعنى أنهم لم يجعلوا لله تعالى {شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} بسبب ذلك، وقالوا: هؤلاء خلقوا كخلق الله تعالى، واستحقوا بذلك العبادة كما استحقها سبحانه؛ ليكون ذلك منشأ لخطئهم، بل إنما جعلوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق، فضلًا عما يقدر عليه الخالق، والمقصود هو الإنكار والنفي هو والمقيد على ما نص عليه غير واحد من المحققين، وفي الانتصاف أن {خَلَقُوا كَخَلْقِهِ} في سياق الإنكار جيء به للتهكم؛ فإن غير الله تعالى لا يخلق شيئًا ولا مساويًا ولا منحطًا، وقد كان يكفي في الإنكار لولا ذلك أن الآلهة التي اتخذوها لا تخلق.» 38.
ففي ذلك دلالة واضحة جد الوضوح على القدرة الباهرة لله تبارك وتعالى.
وقال تعالى أيضًا: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17) } [المؤمنون: 17] .
ففي ذلك انتقال من الاستدلال بخلق الإنسان في قوله: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) } [المؤمنون: 12] .
إلى الاستدلال بخلق العوالم العلوية؛ لأن أمرها أعجب وأغرب، وإن كان خلق الإنسان إلى نظره أقرب؛ وذلك للتنبيه على أن الذي خلق هذا العالم العلوي ما خلقه إلا لحكمة بالغة، وأن الحكيم لا يهمل ثواب الصالحين على حسناتهم، ولا جزاء المسيئين على سيئاتهم، وأن جعله تلك الطرائق فوقنا بحيث نراها ليدلنا على أن لها صلة بنا؛ لأن عالم الجزاء كائن فيها، ومخلوقاته مستقرة فيها، والمراد بها هنا طرائق سير الكواكب السبعة وهي أفلاكها، أي الخطوط الفرضية التي ضبط الناس بها سموت سير الكواكب 39.
ومن ذلك أيضًا قوله جل وعلا: {أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64) } [النمل: 64] {أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19) } [العنكبوت: 19] .
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) } [العنكبوت: 20] {اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (11) } [الروم: 11] .
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) } [الروم: 27] .
يعالج هذا المحور إحدى القضايا الجوهرية، وهي قضية دور الفطرة وما حققته من مكتسبات في بنية الإنسان؛ فبعد ما آمن الإنسان بأن الله عز وجل فاطر الموجودات وأقر إقرارًا يقينيًا بذلك لا يشوبه غبار الشرك والالحاد، وإن لهذا الفاطر سبحانه حقوقًا وواجبات يؤديها المخلوق، يأتي الإنسان وقد وصل إلى الدرجة القصوى من الإيمان بذلك، فينعكس عليه ويكون موثرًا في بنائه الكلي الحسي والمعنوي، فنجد هاهنا دور الفطرة في الإيمان بالله تبارك وتعالى واقعًا سلوكيًا ملموسًا.
أولًا: الفطرة والإيمان بالله:
إن صاحب الفطرة السليمة يجب أن يكون مؤمنًا بالله - سبحانه وتعالى بوصفه الخالق لكل شيء؛ لذلك نجد بأن «كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها» 40.
و «أنه إذا ثبت أن في الفطرة قوة تقتضي طلب معرفة الحق وإيثاره على ما سواه فلقد ركز في فطرته الإقرار بالخالق، وهو التوحيد، ومحبة القصاص وهو العدل، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الفطرة نفسها مقتضية لمعرفته سبحانه ومحبته وإجلاله وتعظيمه والخضوع له من غير تعليم ولا دعاء إلى ذلك، وإن لم تكن فطرة كل أحد مستقلة بتحصيل ذلك، بل يحتاج كثير منهم إلى سبب معين للفطرة مقوٍ لها، وقد بينا أن هذا السبب لا يحدث في الفطرة ما لم يكن فيها، بل يعينها ويذكرها ويقويها، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين يدعون العباد إلى موجب هذه الفطرة.
فإذا لم يحصل مانع يمنع الفطرة عن مقتضاها استجابت لدعوة الرسل، ولابد بما فيها من المقتضي لذلك، كمن دعا جائعًا أو ظمآنًا إلى شراب أو طعام لذيذ نافع، لا تبعة فيه عليه، ولا يكلفه ثمنه، فإنه ما لم يحصل هناك مانع فإنه يجيبه ولا بد ومن المعلوم إن كل نفس قابلة لمعرفة الحق وإرادة الخير، ومجرد التعليم لا يوجب تلك القابلية، فلولا أن في النفس قوة تقبل ذلك لم يحصل لها القبول، فإن لحصوله في المحل شروطًا مقبولة، وذلك القبول هو كونه مستعدًا مهيئًا له مستعدًا لحصوله فيه» 41.
وأما بالنسبة لقضية «دلالة الفطرة على ثبوت صفات الكمال لله؛ فلأن النفوس السليمة مجبولة ومفطورة على محبة الله، وتعظيمه، وعبادته، وهل تحب وتعظم وتعبد إلا من عرفت أنه متصف بصفات الكمال اللائقة بربوبيته وألوهيته» 42.
و «الله تعالى فطر الخلق كلهم: العرب، والعجم حتى البهائم على الإيمان به وبعلوه، فما من عبد يتوجه إلى ربه بدعاء أو عبادة إلا وجد من نفسه ضرورة بطلب العلو، وارتفاع قلبه إلى السماء لا يلتفت إلى غيره يمينًا، ولا شمالًا، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من اجتالته الشياطين والأهواء» 43.
والإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة أيضًا؛ لأن وجوده جل وعلا لا شك فيه ولا ريب، وقد دلت على وجوده سبحانه وتعالى: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس 44.
وإن «أمر الدين غاية ما يجتنيه العقل من ثمرات بحثه المستقل فيه، بعد معاونة الفطرة السليمة له، هو أن يعلم أن فوق هذا العالم إلهًا قاهرًا دبره، وأنه لم يخلقه باطلًا، بل وضعه على مقتضى الحكمة والعدالة. فلابد أن يعيده كرة أخرى لينال كل عامل جزاء عمله إن خيرًا وإن شرًا» 45.
وإن «نداء الإيمان محبب إلى قلوب المؤمنين الصادقين العاملين المستجيبين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نداء الفطرة، ويحمل أعظم رسالة، ويؤدي أفضل وظيفة، إنه الداعي إلى الله تبارك وتعالى وإلى الخير كله، وإلى النور والطمأنينة، والحياة السعيدة في الدنيا، ويبشر بالحياة الكريمة الأبدية في الآخرة» 46.
فله جزاء عاجل (دنيوي) وجزاء آجل (أخروي) ؛ فالإيمان بالله - سبحانه وتعالى إلهًا يستحق الخضوع أمر ثابت مستقر في النفوس في أصل الفطرة الإنسانية؛ ذلك لأن من الفطرة الإيمان بالله تبارك وتعالى، فالفطرة فطرتان، فطرة تتعلق بالقلب وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما سواه من الموجودات، وفطرة عملية عبارة عن مجموعة خصال أخلاقية، فالأولى تزكي الروح وتطهر القلب بالإيمان بالله، والثانية تطهر البدن، وكل منهما تمد الأخرى وتقويها 47.