ويستفاد من ذلك: أن يكون الإنسان حريصًا كل الحرص على فعل الخيرات، والمسارعة إليها؛ فالعمر قصير، والأجل قريب، ونحن لا ندري متى يأتي الموت، إذًا فالمسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات، والمسابقة إلي الصالحات، المؤديات إلى الفلاح والنجاة ثم إلى الجنات.
ثانيًا: المسارعة المذمومة:
هذا النوع من المسارعة الذي ذم الله عز وجل فعله، والاتصاف به بل أنه حذر من اتباعه؛ وذلك لما يترتب عليه من عواقب وخيمة ومهلكة للإنسان في الدنيا والآخرة، وقد ذكر القرآن الكريم ثلاث صور للمسارعة المذمومة، فالباقي تدور حولها، وتتفرع عنها، وهي على النحو التالي:
الكفر بالله من أكبر الكبائر التي حذرنا الله سبحانه وتعالى منها، وكذلك نبيه صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان بذلك يكون قد ظلم نفسه، بإيقاعها في سخط الله وغضبه، وزجها في نار جهنم -والعياذ بالله -وكيف الحال مع المسارعين إليها؟ يتم توضيح ذلك على النحو التالي:
قال تعالى: (وَلَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ? إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا ? يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران:176] .
لا بد من العلم أن الله سبحانه وتعالى لما بين بعض التكاليف والشرائع، وكان قد علم أن بعض الناس ستسارع إلى الكفر، لا جرم أنه صبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحمل ذلك، وأمره بأن لا يحزن لأجل ذلك أي: لا تهتم ولا تبال بمسارعة المنافقين في الكفران في موالاة الكفار، فإنهم لن يعجزوا الله شيئًا 38.
وذكر جمال الدين الجوزي أن معنى: (الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) فيها أربعة أقوال:
أحدها: أنهم المنافقون، ورؤساء اليهود.
والثاني: المنافقون.
والثالث: كفار قريش.
والرابع: قوم ارتدوا عن الإسلام.
وقيل: معنى مسارعتهم في الكفر: مظاهرتهم للكفار، ونصرهم إياهم، فإن قيل: كيف لا يحزنه المسارعة في الكفر؟
فالجواب: لا يحزنك فعلهم، فإنك منصور عليهم.
وقوله: (إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا) فيها قولان:
أحدهما: لن ينقصوا الله شيئًا بكفرهم.
والثاني: لن يضروا أولياء الله شيئًا 39.
وقيل: المراد بالموصول في قوله: (الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ) المنافقون من المتخلفين، وطائفةٌ من اليهود حسبما عين في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ?) [المائدة:41] .
وقيل: قوم ارتدوا عن الإسلام والتعبير عنهم بذلك للإشارة بما في حيز الصلة إلى مظنة وجود المنهي عنه واعترائه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي: لا يحزنوك بمسارعتهم في الكفر ومبادرتهم إلى تمشية أحكامه ومظاهرتهم لأهله وتوجيه النهي إلى جهتهم مع أن المقصود نهيه عليه الصلاة والسلام عن التأثر منهم للمبالغة في ذلك لما أن النهي عن التأثير نهيٌ عن التأثر بأصله ونفيٌ له بالمرة 40.
وقوله: (يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ) هذه الآية حجة عليهم، لأن إرادة الله عز وجل في حرمان حظهم من الآخرة حائلة بينهم وبين المسارعة إلى الإيمان الذي ينمي لهم حظ الآخرة، وكيف يقدرون أن يكتسبوا بالطاعة حظ الآخرة، والله يريد ألا يجعله لهم، وهذا من العدل الذي لا يحيطون بمعرفته فيتصور عندهم بصورة الجور 41.
والمعنى: «أن الله عز وجل بين ما يعود عليهم من الوبال، نتيجة مسارعتهم في الكفر، وذلك (يُرِيدُ اللَّهُ أَلا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا) أي: نصيبًا من الثواب، ولهم بدل الثواب عذابٌ عظيمٌ، وذلك أبلغ ما ضر به الإنسان نفسه» 42.
وأين الفائدة في ذكر الإرادة؟ قلت: فائدته الإشعار بأن الداعي إلى حرمانهم وتعذيبهم قد خلص خلوصًا لم يبق معه صارف قط حين سارعوا في الكفر تنبيهًا على تماديهم في الطغيان وبلوغهم الغاية حتى إن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم 43.
وقوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: «لا يقادر قدره قيل ما دلت المسارعة في الشيء على عظم شأنه وجلالة قدره عند المسارع وصف عذابه بالعظم رعايةً للمناسبة وتنبيهًا على حقارة ما سارعوا فيه وخساسته في نفسه، والجملة إما مبتدأةٌ مبينةٌ لحظهم من العقاب إثر بيان أن لا شيء لهم من الثواب، وإما حالٌ من الضمير في لهم أي يريد الله سبحانه وتعالى حرمانهم من الثواب معدًا لهم عذابٌ عظيم» 44.
إذًا لا يظنون بأنه سينجون من عقابه سبحانه وتعالى وأن ما يمليه لهم الله عز وجل خيرا لهم، بل وبالًا عليهم.
قال تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ? إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران:178] .
وبعد أن بين الله عز وجل حكم أولئك الذين يسارعون إلى نصرة الكفر والدفاع دونه ومقاومة المؤمنين لأجله، وأرشد إلى أنه لا يهتم بشأنهم، فهم إنما يحاربون الله والله غالب على أمره، أشار هنا إلى أن هذا حكم عام يشمل كل من آثر الكفر على الإيمان واستبدله به، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(177 ) ) [آل عمران:177] 45.
والمعنى: قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية في معنى الآية الأولى من سورة آل عمران السابقة الذكر، وقد أعيدت تأكيدًا، والصحيح أن الأول ذمٌ للذين تحروا الكفر وتزايدوا فيه متسارعين، وهذه الآية ذمٌ لمن حصل له الإيمان فأفرج عنه؟؟
واستبدل به كفرًا، وهم الذين وصفهم بالارتداد على أعقابهم، وذم لمن مكن من الإيمان فرغب عنه، وآثر الكفر عليه، فصار كالبائع إيمانه بكفر 46.
وهؤلاء لهم عذاب شديد من الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة نار جهنم والعياذ بالله، والله سبحانه وتعالى سريع في حسابهم، لا يصرفه شيءٌ عن إلحاق العقاب بهم، لقوله تعالى: (ڑ ڑ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران:19] .
أي: أن الله سبحانه وتعالى هدد بأنه من كفر بآيات الله التكوينية في الأنفس والآفاق، والآيات الدالة على وجوده وتوحيده وصدق أنبيائه، وأنكر وجحد ما أنزل الله عز وجل في كتابه مما يوجب الاعتصام بالدين ووحدته، فإنه ظلم نفسه، والله عز وجل سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه، وهو سريع الحساب وشديد العقاب 47.
«وسرعة الحساب يحتمل أن يراد بها: سرعة مجيء القيامة، والحساب إذ هي متيقنة الوقوع، فكل آت قريب.
ويحتمل أن يراد بسرعة الحساب: أن الله تعالى بإحاطته بكل شيء علمًا لا يحتاج إلى عد ولا فكرة» 48.
ويستفاد من ذلك: الإيمان نجاة، والكفر ضياع، فأيهما تختار؟
ومن الصفات المذمومة أيضًا الاتصاف بالإثم والعدوان ومعصية الله عز وجل والرسول صلى الله عليه وسلم والمسارعة إلى التحلي بها وفعلها والاكثار منها، فبئس ما اتصفوا به، وسارعوا إليه، ويتم بيان ذلك وتوضيحه على النحو التالي:
قال الله تعالى ناعيًا على اليهود: (وَتَرَى? كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?62?لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ?63?) [المائدة:62 - 63] .
والمعنى: المسارعة في الشيء: الشروع فيه بسرعةٍ، قيل: الإثم الكذب، والعدوان الظلم، وقيل: الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم، وأما أكل السحت فهو: أخذ الرشوة، وفي الآية فوائد:
الفائدة الأولى: أنه تعالى قال: (وَتَرَى? كَثِيرًا مِنْهُمْ، والسبب: أن كلهم ما كان يفعل ذلك، بل كان بعضهم يستحيي فيترك.
الفائدة الثانية: أن لفظ المسارعة إنما يستعمل في أكثر الأمر في الخير، لقوله تعالى: (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) [آل عمران:114] .
وقوله أيضًا: (نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ) [المؤمنون:56] .
فكان اللائق بهذا الموضع لفظ العجلة، إلا أنه تعالى ذكر لفظ المسارعة لفائدةٍ، وهي أنهم كانوا يقدمون على هذه المنكرات كأنها خيرات في نظرهم، ومحقون فيها، فجاء التعبير موافقًا لحالهم ومفهومهم، وذلك من أسرار البيان في القرآن الكريم.
الفائدة الثالثة: لفظ الإثم يتناول جميع المعاصي والمنهيات، فلما ذكر الله تعالى بعده العدوان وأكل السحت دل هذا على أن هذين النوعين أعظم أنواع المعصية والإثم 49.
«والربانيون علماء أهل الإنجيل، والأحبار علماء أهل التوراة، وقال غيره: كلهم في اليهود؛ لأنه متصل بذكرهم، والمعنى: أن الله استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعوامهم عن المعاصي، وذلك يدل على أن ترك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه؛ لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظٍ واحدٍ، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى؛ لأنه قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكلهم السحت.
قال تعالى: (ے ے? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [المائدة:62] .
وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) والصنع أقوى من العمل؛ فإنما العمل يسمى صناعةً، إذا صار مستقرًا راسخًا متمكنًا» 50.
ويذكر علي الشحود في كتابه: أن الله سبحانه وتعالى ينحي باللائمة على الربانيين والأحبار، الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت، الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله، وإنه لصوت النذير لكل أهل دين، فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر يقتضي سلطة تأمر وتنهى، وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع فلا يكون مطلق كلام! وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود اللئيم فقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ? غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ? بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ?) [المائدة:64] .
وذلك من سوء تصور اليهود لله سبحانه وتعالى وهناك الكثير مما حكى القرآن الكريم عن سوء تصورهم ذاك، وكأن القوم يتسابقون تسابقًا في الإثم والعدوان، وأكل الحرام، وهي صورة ترسم للتبشيع والتشنيع، ويتسابقون في ذلك قويهم وضعيفهم سواء، فكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام، ويستنكر الله عز وجل سكوت الربانيين القائمين على الشريعة، والأحبار القائمين على أمر العلم الديني، عن مسارعة القوم في ذلك، وهذا ما وصفهم الله عز وجل بهم في كتابه الكريم فيقول: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) [المائدة:79] .
وفعلهم ذاك على العكس تمامًا من سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك الذي يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 51.
هذه الصفة المذمومة من الصفات التي يتصف بها أصحاب القلوب المريضة والضعيفة، ببعدها عن دين الله وشريعته، وهؤلاء ذكرهم الله عز وجل وفضحهم، لسوء ما يقومون به، ويسارعون إلى فعله، من أجل أخذ الحيطة والحذر منهم، ويتم بيان ذلك على النحو التالي.
فالله سبحانه وتعالى ينهى عن موالاة اليهود والنصارى، ولكن المنافقين أبوا إلا أن يتخذوا اليهود والنصارى أولياء من دون الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، ولم ينتهوا عن ذلك، لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} [المائدة:51] .
«جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثيرٌ عددهم حاضرٌ نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبيٍ: إني رجلٌ أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه) ، فقال: قد قبلت، فأنزل الله تعالى فيهما: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} إلى قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} يعني عبد الله بن أبيٍ {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} في ولايتهم {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} أي مصيبة» 52.
وبين الله سبحانه وتعالى حرصهم على المسارعة والاجتهاد في ولاء اليهود والنصارى، في قوله تعالى: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } [المائدة:52] .
والمعنى: «لما نهى الله عز وجل المؤمنين عن توليهم في الآيات السابقة لها، أخبر أن ممن يدعي الإيمان طائفةً تواليهم، فقال: {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} أي: شك ونفاق، وضعف إيمان، يقولون: إن تولينا إياهم للحاجة» 53.
وقوله: {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ} أي في مودة اليهود والنصارى وموالاتهم ومناصحتهم؛ لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار يخالطونهم ويغشونهم لأجل ذلك نزلت في ابن أبي المنافق وأصحابه، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغبتهم في ذلك حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون في عدادهم.
وقوله: {يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} جملة مشتملة على تعليل المسارعة في الموالاة أي: أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة، والدائرة يعني: ما يدور من مكابرة الدهر ودوائره كالدولة التي تزول، أي يقول المنافقون إنما نخالط اليهود؛ لأننا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه وهو الهزيمة في الحرب، والقحط، والجدب، والحوادث المخوفة.
وقيل: نخشى أن لا يتم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فيدور علينا الأمر كما كان قبل محمد، يعني نخشى أن يظفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فتكون الدولة لهم فيصيبنا منهم مكروه.
وهذا سوء ظن منهم بالإسلام، فقال الله سبحانه وتعالى رادًا لظنهم السيء: {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ} وجاء في هذه الآية تهديد للمستنصرين بأعداء دينهم، المتألبين عليهم، المنافقين الذين لا يخلصون لله اعتقادهم ولا ولاءهم ولا اعتمادهم .. ، وجاءت أيضًا ردًا عليهم ودفعًا لما وقع لهم من الخشية، وعسى في كلام الله سبحانه وعد صادق لا يتخلف، وظاهر الفتح في هذه الآية ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلو كلمته، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبى ذراريهم وإجلاء بني النضير.
وقيل: هو فتح بلاد المشركين على المسلمين.
وقيل: فتح مكة، أي فيبدو الاستغناء عن اليهود، ويرى المنافق أن الله لم يوجد سبيلًا إلى ما كان يؤمل فيهم من المعونة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم والدفع في صدر نبوته فيندم حينئذ على ما حصل فيه من محادة الشرع، وتجلل ثوب المقت من الله تعالى ومن رسوله عليه السلام والمؤمنين كالذي وقع وظهر بعد.
وقوله: {أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم، وقيل: هو إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما أسروا في أنفسهم، وأمره بقتلهم، وقيل: هو الجزية التي جعلها الله عليهم، وقيل: الخصب والسعة للمسلمين، وقال {فَيُصْبِحُوا} أي: المنافقون، وقوله: {عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ} من النفاق الحامل لهم على الموالاة {نَادِمِينَ} على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها وانكشاف خلافها 54.
بين الله عز وجل في كتابه العزيز مقام هؤلاء المسارعين في الخيرات، والمكثرين لفعلها، بما هم فيه من نعيم وثواب جزيل، وكذلك ذكر الصفات النبيلة والحميدة التي اتصفوا بها؛ ليعتبر أولوا الألباب لفعل الخيرات قبل ضياع الأوقات، وذهاب الحسنات، ويتم بيان ذلك على النحو الآتي:
أولًا: مقام المسارعين في الخيرات:
هم في مقامٍ عالٍ عند مليكٍ مقتدر، يستحقونه وينالونه جزاء أعمالهم الخيرة، فهم في جنات النعيم، لقوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) } [المطففين:18 - 21] .
والمعنى: أنه أريد بالأبرار: هم الذين آمنوا؛ فلذلك قيل: بأن الأبرار هم المؤمنون.
والبر هو الذي يكثر منه تعاطي فعل البر، فسمي: بارا؛ إذا كثر منه البر، وقوله: {يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ} ذكر شهود المقربين في ذكر كتاب الأبرار، فجائز أن يكون شهودهم على التعظيم لعملهم، والدعاء لهم، وغير ذلك، وقيل: المقربون: هم مقربو أهل كل سماء 55.
وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) } [الواقعة:10 - 12] .
والمعنى: «السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، وقوله: {أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} من صفتهم، وقيل: إذا خرج رجلٌ من السابقين المقربين من منزله في الجنة كان له ضوءٌ يعرفه به من دونه» 56.
فالله سبحانه وتعالى أكرمهم بالإقامة بالجنة يتنعمون بنعيمها الدائم دون مشقة ولا تعب، فلا يجدون فيها إلا كل خير، لقوله تعالى: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35) } [فاطر:35] .
والمعنى: «دار المقامة هي الجنة، والمقامة هي الإقامة، والموضع؛ وإنما سميت الجنة دار المقامة، لأنهم يقيمون فيها ولا يخرجون منها، وقال تعالى: {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} والنصب: تعب البدن، وقوله: {وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} واللغوب: تعب النفس، اللازم عن تعب البدن» 57.
وقال النسفي في معنى قوله: {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ} أي الإقامة لا نبرح ولا نفارقها، يقال: أقمت إقامة ومقامًا ومقامة، وقوله: {مِنْ فَضْلِهِ} من عطائه وأفضاله لا باستحقاقنا، وقوله: {لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} تعب ومشقة، وقوله: {وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} إعياء من التعب 58.
اللهم اجعلنا من أهل هذه المقامات العالية، في جنات غير فانية، برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثانيًا: صفات المسارعين في الخيرات:
ذكر الله سبحانه وتعالى صفات المسارعين في الخيرات في كتابه العزيز في صورةٍ واضحةٍ وبارزةٍ، لكل قارئ وسامع ومعتبر، لأخذ العبرة والعظة، والاتصاف بهذه الصفات، لنيل رضى الله سبحانه وتعالى ورحمته، ويكون من الصالحين المتقين، وبيان ذلك على النحو التالي:
من الصفات التي اتصف بها المسارعون في الخيرات هي:
1.اتصفوا بالصلاح والتقوى وفعل الخيرات.
لقوله تعالى: (ھ ھ ھے ے ? لَيْسُوا سَوَاءً ? مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ(113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114 ) ) [آل عمران:113 - 114] .
الله سبحانه وتعالى مدح الأمة المذكورة في هذه الآية بصفات ثمان وصفهم بها ما كانت في اليهود ولا في غيرهم وهى:
الصفة الأولى: أنها قائمة، قيل: أي في الصلاة، وقيل: ثابتة على التمسك بدين الحق ملازمة له غير مضطربة.
وقيل: أي مستقيمة عادلة، والآية دلت على أن المسلم قائم بحق العبودية، وقوله تعالى: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ ?) [آل عمران:18] .
دل على أن المولى قام بحق الربوبية، وهذه حقيقة قوله: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) [البقرة:40] .
الصفة الثانية: (يَتْلُونَ) أي: أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل، فالتلاوة القراءة، وأصل الكلمة الاتباع، فكأن التلاوة هي اتباع اللفظ، وآيات الله القرآن.
الصفة الثالثة: (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) يحتمل أن يكون حالا من يتلون، كأنهم يقرأون في القرآن السجدة تخشعًا، أو أن يكون كلامًا مستقلًا أي: يقومون تارة ويسجدون أخرى، ويبتغون الفضل والرحمة بكل ما يمكن، كقوله: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64] .
وعلى هذين الاحتمالين لا منع من كونه حالا.
الصفة الرابعة: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) فالصفات المتقدمة إشارة إلى كمال حالهم في القوة العملية، وهذه إشارة إلى كمالهم بحسب القوة النظرية، فإن حاصل المعارف معرفة المبدأ والمعاد.
الصفة الخامسة والسادسة: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) وهاتان الصفتان إشارة إلى أنهم فوق التمام؛ وذلك لسعيهم في تكميل الناقصين بإرشادهم إلى ما ينبغي ومنعهم عما لا ينبغي.
الصفة السابعة: (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) أي: المذكورات كلها وهي من صفات المدح؛ لأن المسارعة في الخير دليل فرط الرغبة فيه حتى لا يفوت ففي التأخير آفات.
الصفة الثامنة: (وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) هذه إشارةٌ إلى من جمع هذه الصفات كلها، أي: وأولئك الموصوفون بتلك الأوصاف من الذين صلحت أحوالهم عند الله، ويجوز أن يريد بالصالحين المسلمين، والأمور بخواتيمها والعاقبة غير معلومة إلا في علم الله تعالى فإذا أخبر عنهم بانخراطهم في سلك الصالحين فذلك المقصود وقصارى المجهود 59.
2.قلوبهم مليئة بالخشية والخوف من الله.
قال تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء:90] .