فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 2431

وهؤلاء ليس لكم عليهن إلا المعاشرة بالمعروف، والمخالطة بالحسنى والآداب الإسلامية 27.

ثانيًا: واجبات الزوج:

1.الإنفاق على المرأة.

دفع المهر وتوفير الكفاية لها من مسكن وملبس ومطعم ومشرب ومداواة ونحو ذلك.

قال تعالى: (وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: 34] .

أي: فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة 28.

2.حسن العشرة.

قال تعالى (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19] .

أي: خالقوا أيها الرجال نساءكم، وصاحبوهن بما أمرتكم به من المصاحبة، وذلك: إمساكهن بأداء حقوقهن التي فرض الله -جل ثناؤه- لهن عليكم إليهن 29، وتتضمن هذه الحقوق أن يتزين لزوجته مثلما تتزين له، وأن يداعبها ويمازحها، وأن لا يزهد فيها بهجر مضجعها تبتلًا أو بدون سبب شرعي، وأن يحافظ على دينها بتوجيهها إلى السلوك السليم.

3.العدل بين الزوجات.

من حق الزوجة العدل بينها وبين غيرها من زوجاته.

قال تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129] .

فقد أخبر الله تعالى: أن الأزواج لا يستطيعون، وليس في قدرتهم العدل التام بين النساء؛ وذلك لأن العدل يستلزم وجود المحبة على السواء، والداعي على السواء، والميل في القلب إليهن على السواء، ثم العمل بمقتضى ذلك. وهذا متعذر غير ممكن، فلذلك عفا الله عما لا يستطاع، ونهى عما هو ممكن بقوله: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} .

أي: لا تميلوا ميلًا كثيرًا بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا ما هو باستطاعتكم من العدل. فالنفقة والكسوة والقسم ونحوها عليكم أن تعدلوا بينهن فيها، بخلاف الحب والوطء ونحو ذلك، فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما يجب لها، صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها 30.

ثالثًا: حقوق الزوجة وواجباتها:

كانت المرأة قبل الإسلام مهضومة الحق، فقرر لها الله تعالى حقوقًا في شئون الزواج، ونهى عن الاعتداء عليها، وأوجب عليها العديد من الواجبات:

أولًا: حقوق الزوجة:

1.تحريم التحكم في ميراث المرأة وتحريم وراثتها كالمتاع.

ليست المرأة متاعًا يورث، فلا تورث زوجة المتوفى، ولا يحل لكم أيها المؤمنون تقليد أهل الجاهلية، فترثون المرأة كما ترثون الأموال والأمتعة، وتتصرفون فيها كما تشاءون، وهن كارهات لذلك.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا) [النساء: 19] .

أي: لا يحل لكم أيها الذين آمنوا بالله ورسوله أن تسيروا على سنة الجاهلية في هضم حقوق النساء فتجعلوهن ميراثًا لكم كالأموال والعبيد، وتتصرفوا فيهن كما تشاءون، وهن كارهات لذلك، فإن شاء أحدكم تزوج امرأة من يموت من أقاربه، وإن شاء زوجها غيره، وإن شاء أمسكها ومنعها الزواج 31.

2.الزواج وعدم منعها منه.

قال تعالى: (لَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ?) [النساء: 19] .

أي: منعها من الزواج والتضييق عليها حتى تفتدي نفسها منكم بالمال من ميراث أو صداق ونحو ذلك، ثم استثنى الله تعالى حالة واحدة يجوز فيها العضل -أي: الحبس والتضييق-، وهي حالة إتيان الفاحشة المبينة كالزنى والسرقة والنشوز عن الطاعة، ونحو ذلك من الأمور الممقوتة شرعًا وعرفًا 32.

3.المعاشرة بالمعروف.

قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ? فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى? أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) [النساء: 19] .

قال السعدي: «وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال» 33.

4.حق المرأة في كامل المهر.

قال تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20] .

أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأته ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن من الصداق الذي أعطاها إياه شيئًا، ولو كان قنطارًا من مال 34.

ثانيًا: واجبات الزوجة:

1.وجوب طاعة الزوج.

قال تعالى: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [البقرة: 228] .

قال ابن كثير: «أي: في الفضيلة في الخلق، والمنزلة، وطاعة الأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة» 35.

2.تمكين الزوج من الاستمتاع بها.

قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] .

أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ما للرجال عليهن، فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي: كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن يفعلنه؛ لأزواجهن من طاعة، وتزين، وتحبب، ونحو ذلك 36.

ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح) 37.

رابعًا: حقوق الأبناء وواجباتهم:

اهتم الإسلام بتربية الأبناء اهتمامًا كبيرًا، وجعل على الآباء لأبنائهم حقوقًا، كما جعل للآباء على أبنائهم حقوقًا، وهذه الحقوق هي:

أولًا: حقوق الأبناء:

1.اختيار الأم الصالحة.

ينبغي أن يختار الأب لأبنائه أمًا صالحة تقوم على تربية أبنائه تربية صحيحة، بحيث يكون هؤلاء الأبناء قادرين عل حمل أمانة الإسلام، والوصول بها إلى غايتها، والدفاع عنها. قال تعالى: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ?) [البقرة: 221] .

قال الطبري: «يعني -تعالى ذكره- بقوله: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ) بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله، خيرٌ عند الله وأفضل من حرة مشركة كافرة، وإن شرف نسبها وكرم أصلها. يقول: ولا تبتغوا المناكح في ذوات الشرف من أهل الشرك بالله، فإن الإماء المسلمات عند الله خير منكحًا منهن» 38.

2.الحضانة والتربية.

فهي أمر له شأن عظيم، وأثر كبير في حياة الطفل، ولذا جعله الله عز وجل من أعظم حقوق الأبناء على الآباء، وهو حق واجب في ذمة الأبوين معًا، وتقوم به الأم بالدرجة الأولى.

قال تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ?) [البقرة: 233] .

قال الزحيلي: «على جميع الوالدات مطلقات أو غير مطلقات أن يرضعن أولادهن مدة سنتين كاملتين دون زيادة عليهما، إذا أريد إتمام المدة، ولا مانع من نقص ذلك إذا رئيت المصلحة فيه، والأمر متروك للاجتهاد والتقدير» 39.

ومما يؤكد على وجوب تربية الأبناء قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ) [التحريم: 6] .

والمعنى: «احفظوا أهليكم منها بأن تأمروهن بالمعروف وتنهوهن عن المنكر، وتعلموهن الخير وأوامر الشرع وتؤدبوهن بأدب القرآن، والأهل: هم الزوجة والأولاد والخدم ومن هم في حوزتك ومعيشتك» 40.

وقال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: 132] .

قال القرطبي: «أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة ويمتثلها معهم، ويصطبر عليها ويلازمها: وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل في عمومه جميع أمته، وأهل بيته على التخصيص» 41.

3.النفقة والواجبات المالية.

النفقة واجبة على الأب لأبنائه ذكورًا كانوا أو إناثًا ما داموا في كفالته، وذلك حتى لا يتركهم يتعرضون للضياع والانحراف، وذلك بتوفير كل ما يحتاجون إليه عادةً من غذاء وكساء ودواء ومأوى.

قال تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله) [النساء: 7] .

قال القرطبي: «أي: لينفق الزوج على زوجته وعلى ولده الصغير على قدر وسعه حتى يوسع عليهما إذا كان موسعا عليه. ومن كان فقيرًا فعلى قدر ذلك، فتقدر النفقة بحسب الحالة من المنفق والحاجة من المنفق عليه بالاجتهاد على مجرى حياة العادة» 42.

كما أكد ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول) 43.

4.اختيار الاسم الحسن للمولود.

يجب على الوالدين اختيار الاسم الحسن لمولودهما.

قال تعالى: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) [مريم: 7] .

وفي هذه الآية دليل وشاهد على أن الأسماء الجميلة جديرة بالأثرة، وإياها كانت العرب تنتحي في التسمية؛ لكونها أنبه وأنزه عن النبز 44.

5.العدل بين الأولاد.

تفضيل بعض الأبناء على بعض يؤدي إلى إثارة الحقد والحسد والبغض؛ مما يضر بالترابط الأسري، الذي صانه الإسلام، وحافظ عليه بكل السبل. وقد أمر الله سبحانه بالعدل في كل الأمور ومن باب أولى العدل بين الأبناء.

قال تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .

أي: كلما حرصتم على العدل واجتهدتم في العمل به، كان ذلك أقرب لتقوى قلوبكم، فإن تم العدل كملت التقوى 45.

ثانيًا: واجبات الأبناء:

سبق وأن ذكرنا حقوق الآباء على الأبناء عند الحديث عن حقوق الوالدين، من حيث طاعتهما وبرهما والإحسان إليهما، وتجنب عقوقهما، وغير ذلك من الواجبات.

1.إن الأسرة التي تسير في حياتها وسلوكها وفق منهج الله سبحانه هي أسرة سعيدة مهما قلت ذات يدها، وهي أبعد ما تكون عن الخلاف بين الزوجين، ولكن الالتزام المطلق بكل هذا المنهج، ربما لا يتيسر في بعض الأسر أو لدى بعض الأشخاص في بعض الظروف والأحوال، فإذا نشأ الخلاف بينهما فإن الإسلام وضع منهجًا محددًا واضحًا، إذا ما طبقه الزوجان على هذا الخلاف تلاشى-بإذن الله- وزال أثره، وعادت الحياة الزوجية بينهما إلى سابق عهدها من الوفاق والألفة:

أولًا: مشكلات الوالدين:

من أهم المشكلات التي تقع بين الزوجين، أن يختار الزوج المسلم شريكة حياته من ليس على دينه وملته، فيكون ذلك وبالًا على الأولاد الذين يتربون في أحضان أمٍ لا تعرف شرع الله سبحانه، فيقع الأب في مشكلات قد تودي بالأسرة إلى الدمار والهلاك، لذلك رغب الإسلام في نكاح المؤمنة التي تحفظ على زوجها دينه وأبناءه.

قال تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} [المائدة: 5] .

أجاز الشرع زواج المسلم بالكتابية، ولم يجز زواج المسلمة بالكتابي؛ لأمر واضح وهو أن الكتابية لها أن تبقى على دينها بزواجها بمسلم ولا تتضرر فيما تدين به، ولأن المسلم يؤمن بدينه المتضمن الإقرار بأصول الأديان الأخرى، ومنها الدين اليهودي والدين النصراني في أصوله الأولى التي تتفق مع الإسلام في الدعوة إلى التوحيد والفضائل الإنسانية، فهي مع المسلم في دائرة متسعة تسع دينها وغيره، وربما إذا لمست روح التسامح وحسن المعاملة من زوجها عاشت سعيدة هانئة معه دون تضرر، وبما أن للرجل عادة سلطة القوامة على المرأة، وهي أقوى من سلطة المرأة، فلو تزوج الكتابي المسلمة أمكن التأثير عليها، فربما تركت دينها، وتضررت غالبًا بمعاشرة زوجها؛ لعدم توافر الانسجام والوئام الروحي والحسي، والكتابي لا يؤمن بالإسلام، فتكون معه في دائرة ضيقة الأفق، وهي متسعة الاعتقاد، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فعزة المسلمة تأبى عليها أن تكون زوجة لكتابي، هذا ما عليه جمهور العلماء، مع القول بأن زواج المسلم بالكتابية مكروه 46.

وذكر الزحيلي في ختام حديثه عن نكاح الكتابيات كلامًا جميلًا، يؤكد الواقع الذي نعيش فيه ويعمل على معالجة ما يقبل الشباب المسلم على الافتتان به، وأخيرًا يمكن القول: إن إباحة زواج المسلم بالكتابية هو في الواقع حالة استثنائية، وليست أصلًا، ولذا فإنا نشجب إقبال الشبان على الزواج بالأجنبيات؛ افتتانًا بالجمال الأشقر، واستسهالًا للزواج، لكونه بغير مهر يذكر؛ لأن تلك الزوجات تفسد على الرجل غالبًا دينه ووطنيته، وتعزله عن انتمائه لبلاده وقومه، وتربي الأولاد على هواها ودينها، فضلًا عن نظرة الاستعلاء والفوقية عندها، واحتقار العرب والمسلمين، وقد تقتل الزوج، وقد تأخذ الأولاد إلى بلادها وتترك الزوج، وقليل جدا منهن من أسلم، فلا مطمع فيهن.

وأما زواج المسلمة بغير المسلم فهو أشد وأنكى؛ إذ الزواج باطل حرام بإجماع المسلمين، والأولاد أولاد زنا، والعلاقة القائمة بينها وبين الرجل لا تجيز الاستمتاع وإن طال الأمد؛ لبطلانها أصلا، فإن استحلت المرأة ذلك فهي مرتدة كافرة 47.

ثانيًا: مشكلات الزوجين:

أولًا: الظهار:

الظهار: قول الرجل لامرأته: أنتِ علي كظهر أمي 48.

والظهار من المشكلات التي قد تقع بين الزوجين، وقد أوجد القرآن الكريم الحلول لهذه المشكلة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3 - 4] .

وهذا هو المجمع عليه عند العلماء في الظهار قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فإذا قال لها ذلك فليست تحل له حتى يكفر كفارة الظهار التي أوجبها الله على المظاهر بعتق رقبة، فإذا لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، يعطي كل مسكين مدًا من غالب قوت أهل البلد، وهذه الكفارة لها وقعها في نفوس المحتاجين 49.

وبهذا يعالج القرآن مشكلة اجتماعية طالما أفسدت على الأسر حياتهم.

ثانيًا: الإيلاء:

الإيلاء: حلف على ترك قربان المرأة مدته 50.

وقد تحدث القرآن عن الإيلاء، فقال تعالى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 226 - 227] .

يقول سيد قطب في سياق تفسير الآية: «إن هناك حالات نفسية واقعة، تلم بنفوس بعض الأزواج، بسبب من الأسباب في أثناء الحياة الزوجية وملابساتها الواقعية الكثيرة، تدفعهم إلى الإيلاء بعدم المباشرة، وفي هذا الهجران ما فيه من إيذاء لنفس الزوجة ومن إضرار بها نفسيًا وعصبيًا ومن إهدار لكرامتها كأنثى، ومن تعطيل للحياة الزوجية ومن جفوة تمزق أوصال العشرة، وتحطم بنيان الأسرة حين تطول عن أمد معقول.

ولم يعمد الإسلام إلى تحريم هذا الإيلاء منذ البداية؛ لأنه قد يكون علاجًا نافعًا في بعض الحالات للزوجة الشامسة المستكبرة المختالة بفتنتها وقدرتها على إغراء الرجل وإذلاله أو إعناته، كما قد يكون فرصة للتنفيس عن عارض سأم، أو ثورة غضب، تعود بعده الحياة أنشط وأقوى .. ولكنه لم يترك الرجل مطلق الإرادة كذلك؛ لأنه قد يكون باغيًا في بعض الحالات يريد إعنات المرأة وإذلالها أو يريد إيذاءها لتبقى معلقة، لا تستمتع بحياة زوجية معه، ولا تنطلق من عقالها هذا لتجد حياة زوجية أخرى.

فتوفيقًا بين الاحتمالات المتعددة، ومواجهة للملابسات الواقعية في الحياة، جعل هنالك حدًا أقصى للإيلاء لا يتجاوز أربعة أشهر، وهذا التحديد قد يكون منظورًا فيه إلى أقصى مدى الاحتمال؛ كي لا تفسد نفس المرأة، فتتطلع تحت ضغط حاجتها الفطرية إلى غير رجلها الهاجر، وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف في مثل هذه الأمور، ولكن أربعة أشهر مدة كافية ليختبر الرجل نفسه ومشاعره. فإما أن يفيء ويعود إلى استئناف حياة زوجية صحيحة، ويرجع إلى زوجه وعشه، وإما أن يظل في نفرته وعدم قابليته، وفي هذه الحالة ينبغي أن تفك هذه العقدة، وأن ترد إلى الزوجة حريتها بالطلاق» 51.

يتبين مما سبق أن الله سبحانه رحيم بأمته، حيث أوجد الحلول لكل مشكلة تحاول أن تعصف بالأسرة، ومشكلة الإيلاء من المشكلات التي عالجها القرآن الكريم، وأوجد الحلول لها حتى يعيش المجتمع في استقرار وأمان.

ثالثًا: الطلاق:

الطلاق: إزالة عقد النكاح 52.

وقد عرض القرآن الكريم في بعض سوره للحديث عن هذه المشكلة التي قد تواجه كثيرًا من الأسر، بل سمى سورة من سور القرآن باسم سورة الطلاق، وحذر منه، وأوجد العلاج الناجع للتعامل مع كل حالة من حالاته، حتى تبقى الأسرة المسلمة في أمن وأمان، ويأخذ كل صاحب حق حقه، وبالتالي يعيش المجتمع المسلم سليمًا بعيدًا عن الفوضى والاضطراب، وقد بين المفسرون أحكام الطلاق عند حديثهم عن الآيات التي تتناول ذلك، ومن هؤلاء الشوكاني الذي يقول عند تفسيره لقوله تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} [البقرة: 236 - 237] .

«واعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها، وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .

وفيها نهى الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئًا، وأن عدتهن ثلاثة قروء، ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا، فلا مهر لها، بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها، {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] .

ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً} [البقرة: 237] .

ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها، وهي المذكورة في قوله تعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء: 24] » 53.

رابعًا: النشوز:

النشوز: ترك المرأة بيت الزوجية من غير مبرر مشروع 54.

سبق وأن تم الحديث عن نشوز المرأة، وعلاج هذا النشوز، كما بينه قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] .

أما من ناحية نشوز الرجل فقد عالج القرآن ذلك بقوله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] .

يقول سيد قطب: «فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض، الذي يتركها كالمعلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية، كأن تترك له جزءًا أو كلًا من نفقتها الواجبة عليه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها هذا كله إذا رأت هي-بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها- أن ذلك خير لها وأكرم من طلاقها ... ثم يعقب على الحكم بأن الصلح إطلاقًا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} فينسم على القلوب التي دبت فيها الجفوة والجفاف، نسمة من الندي والإيناس، والرغبة في إبقاء الصلة الزوجية والرابطة العائلية» 55.

يتبين مما سبق أن القرآن الكريم ذكر علاجًا ناجعًا في حال أحد الزوجين، وهذا العلاج الناجع الذي ذكره القرآن الكريم؛ ليزيد الأسرة قوةً وارتباطًا، ويهيئ الحياة الكريمة السعيدة داخل الأسرة بعيدًا عن المشاحنات.

خامسًا: قذف الزوجة:

القذف: الرمي بالزنا خاصة، صراحةً أو ضمنًا 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت