وورد في السنة النبوية عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنةٌ، وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحدٌ، أو قاتله فليقل: إنى امرؤٌ صائمٌ، والذى نفس محمدٍ بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه) 124.
وعبارة: (فإنه لي وأنا أجزي به) فيها كلام طيب للمفسرين وغيرهم.
قال بعض المفسرين: «إنما اختص الصوم بأنه له، وإن كان كل العبادات له، لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات: أحدهما: أن الصوم منع من ملاذ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات، والثاني: أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصًا به، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنعًا ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره 125.
ومما يحرم على المرء فعله الجهر بالفطر في نهار رمضان إذا لم يكن لديه عذر شرعي يبيح له الفطر، لما في ذلك من انتهاك لحرمة الشهر الكريم، وهذا يستوجب الوعظ والتذكير إن كان ممن يقبل ذلك أو كان ظاهر الصلاح، أما إذا لم يكن كذلك فيعزر كما ذكره بعض فقهاء المالكية 126.
قال الدسوقي: «من تعاطى المفطر ظاهرًا فيوعظ إن كان ظاهر الصلاح وإلا عزر» 127.
إما إن كان ممن لا يقبل الوعظ أو جهر بفسقه بالفطر فينبغي أن يعزر كما فعله سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالنجاشي الشاعر حين شرب الخمر في رمضان وجهر بفسقه وفطره.
فقد روي أن عليا ضرب النجاشى الحارثى الشاعر وشرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين جلدة ثم حبسه وأخرجه من الغد فجلده عشرين وقال: إنما جلدتك هذه العشرين لجرأتك على الله وإفطارك في رمضان 128.
وإذا وجدت ضرورة تدعو شخصًا للفطر، كما لو رأى هلال شوال وحده، أو حاضت امرأة أو نفست في نهار رمضان فأفطرت فالأولى أن لا يجهرون بفطرهم أمام الناس مراعاة لحرمة اليوم.
ففي حاشية قليوبي على المنهاج «ويندب إخفاء الفطر عند من جهل عذر المفطر» 129.
وقال الشرواني: «ومتى رأى شوالا وحده لزمه الفطر فإن شهد ثم أفطر لم يعزر وإن ردت شهادته وإلا بأن أفطر ثم شهد برؤيته سقطت شهادته وعزر وحقه إذا أفطر أن يخفيه أي: الإفطار والظاهر أنه على وجه الندب» 130.
3.العلن في الزكاة.
الزكاة عبادة مالية، فيها حق لله تعالى، وحق للفقير أو المستحقين للزكاة، وهي من العبادات التي تشتمل على تكافل وتراحم، وتعاون، وتتعلق بالأموال الظاهرة كالماشية والزروع والثمار ونحوها، والخفية كالأموال النقدية والحلي ونحوهما، وقد جرى خلاف في أفضلية العلن في الزكاة المفروضة أو الخفاء على قولين:
يرى بعض المفسرين أن قول الله تعالى: (وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ?) [البقرة: 271] .
يشمل صدقة التطوع والزكاة، وعليه فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن إظهار الزكاة أفضل، وهو مروي عن ابن عباس وغيره، واختاره أبو يعلى من الحنابلة 131.
ومما يؤيد هذا القول ما يلي:
القول الثاني: أن إخفاء الزكاة أفضل، وهو مروي عن الحسن، وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب 133.
ويؤيده ما يلي:
قلت: وكلا القولين له وجهه، غير أنه ينبغي أن يخلو الأمر في الحالتين من الرياء، إذ الرياء يحبط ثواب الأعمال كما هو معروف.
4.العلن في الحج والعمرة.
تقدم ذكر كلام الغزالي بأن كل عمل لا يمكن إسراره كالحج والجهاد والجمعة فالأفضل المبادرة إليه وإظهار الرغبة فيه للتحريض بشرط أن لا يكون فيه شوائب الرياء 135.
والحج والعمرة من العبادات التي لا تخفى إذ هي سفر وارتحال ذهابا وإيابًا، وما يؤديه الحاج من مناسك يطلع عليه الغادي والرائح، وكل هذا مما لا يمكن إخفاؤه، فالجهر به أمر لا ينفك عنه.
ويشتمل الحج والعمرة على التلبية، وهي مما يجهر به الرجال باتفاق العلماء 136، أما النساء فلا يجهرن بها 137.
فمما يؤيد رفع الصوت بالتلبية للرجال ما أخرجه مسلم عن ابن عباسٍ قال: سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة فمررنا بوادٍ فقال: (أيُّ وادٍ هذا؟) ، فقالوا: وادي الأزرق، فقال: (كأني أنظر إلى موسى صلى الله عليه وسلم فذكر من لونه وشعره شيئًا لم يحفظه داود واضعًا إصبعيه في أذنيه له جؤارٌ إلى الله بالتلبية مارًّا بهذا الوادي) ، قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنيةٍ فقال: (أيُّ ثنيةٍ هذه؟) ، قالوا: هرشى أو لفتٌ، فقال: (كأني أنظر إلى يونس على ناقةٍ حمراء عليه جبة صوفٍ خطام ناقته ليفٌ خلبةٌ مارًّا بهذا الوادي ملبيًا) 138.
وما أخرجه مالك بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال) 139.
ويستدل كذلك من المعقول بأن الحج عبادة لها تحريم فيكون لها نطق كالصلاة 140.
وأما عدم رفع صوت المرأة بالتلبية فقد حكى ابن عبد البر إجماع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها وإنما عليها أن تسمع نفسها 141.
وهذا ما عليه جمهور الفقهاء وفقهاء السلف كما حكاه ابن قدامه عن عطاء ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي والحنابلة، وحُكي عن سليمان بن يسار قوله: السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها ولهذا لا يسن لها أذان ولا إقامة والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح 142.
5.العلن في الذكر والدعاء.
ذكر الله تعالى ودعاؤه من العبادات، فالذكر يتضمن التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار ونحو ذلك، والدعاء يتضمن طلب الحوائج العامة والخاصة، من المغفرة والرحمة، ومنافع الدنيا والآخرة، والآيات التي تناولت الذكر والدعاء في القرآن كثيرة، وقد تنوع فيها الخطاب بين الجهر تارة والإخفاء تارة أخرى.
ففي شأن الذكر قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ) [الأعراف: 205] .
روي عن ابن جريج، قوله: (( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) قال: يؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة، ويكره رفع الصوت والنداء والصياح بالدعاء 143.
وروي عن ابن زيد، في قوله: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) [الأعراف: 205] .
لا يجهر بذلك 144.
قال الجصاص: «الذكر على وجهين:
أحدهما: الفكر في عظمة الله وجلاله ودلائل قدرته وآياته وهذا أفضل الأذكار إذ به يستحق الثواب على سائر الأذكار سواه وبه يتوصل إليه.
والذكر الآخر: القول، وقد يكون ذلك الذكر دعاء، وقد يكون ثناء على الله تعالى، ويكون قراءة للقرآن، ويكون دعاء للناس إلى الله.
وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعا من الفكر والقول فيكون قوله تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ) هو الفكر في دلائل الله وآياته وقوله تعالى: (وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ) فيه نص على الذكر باللسان وهذا الذكر يجوز أن يريد به قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء فيكون الأفضل في الدعاء الإخفاء» 145.
ويرى الزمخشري: أن الخطاب عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك 146.
وهذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعم جميع أمته وهو أمر من الله عز وجل بذكره وتسبيحه وتقديسه والثناء عليه بمحامده والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس ولا يراعى إلا بحركة اللسان 147.
وقال تعالى: (ذِكرُ رَحمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيّا ?2? إِذ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) [مريم: 2 - 3] .
وفي إخفاء النداء من نبي الله زكريا عليه السلام لطائف ومعان سامية:
منها: ما ذكره ابن العربي من أن هذا يناسب قوله (ادعوا رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً) ، وأن خفاءه لوجهين: أحدهما: أنه كان ليلا، والثاني: لأنه ذكر في دعائه أحوالا تفتقر إلى الإخفاء، كقوله: {وإني خفت الموالي من ورائي} ، وهذا مما يكتم ولا يجهر به 148.
ومنها: ما ذكره الرازي وهو أن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الإنكسار والتبري عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه 149.
هذا وقد تقدم القول بأن المقصود بقوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَ?لِكَ سَبِيلًا) [الإسراء: 110] .
هو الدعاء عند كثير من فقهاء السلف.
وقد ورد الأمر بالدعاء في آيات كثيرة في كتاب الله تعالى بعضها مطلق، وبعضها مأمور فيه بالتضرع والخفية، قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ? أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرة: 186] .
وقيل: إن سبب نزولها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فنزلت الآية 150.
وقال عز من قائل: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) [الأعراف: 55] .
ذكر السمرقندي والسمعاني أن المقصود بالتضرع والخفية الخفض والسكون، ويقال: «خفية» يعني: اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه: العبادة، وقيل: المقصود علانية وسرا، وقيل: المقصود أن يكون السر مع الجهر في الدعاء بحيث يدعو باللسان وسره معه، وقيل: هذا أمر بالدعاء في الأحوال كلها 151.
ومن أحكام الآية ما ذكره ابن العربي من أن الأصل في الأعمال الفرضية الجهر، والأصل في الأعمال النفلية السر؛ وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر بها في الدنيا، والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وجبلت قلوب الخلق بالميل إلى أهل الطاعة، وقد جعل الباري سبحانه في العبادات ذكرا جهرا وذكرا سرا، بحكمة بالغة أنشأها بها ورتبها عليها؛ وذلك لما عليه قلوب الخلق من الاختلاف بين الحالين.
ثم قال: «أما الذكر بالقراءة في الصلاة فانقسم حاله إلى سر وجهر، وأما الدعاء فلم يشرع منه شيء جهرا؛ لا في حالة القيام ولا في حالة الركوع، ولا في حالة السجود؛ لكن اختلف العلماء في قول قارئ الفاتحة: «آمين» هل يسر بها أم يجهر» 152.
خامسًا: إعلان أعمال الخير:
أعمال الخير متنوعة تشمل صنوفا كثيرة من الطاعات والقربات أقوالا وأفعالا، وذلك مثل: النفقة، والعون، وبذل النصيحة، وإماطة الأذى عن الطريق وغير ذلك.
وقد ذكر حجة الإسلام الغزالي كلاما طيبا في الرخصة في قصد إظهار الطاعات المختلفة ونحوها، فقال رحمه الله ما ملخصه: «اعلم أن في الإسرار للأعمال فائدة الإخلاص والنجاة من الرياء وفي الإظهار فائدة الإقتداء وترغيب الناس في الخير ولكن فيه آفة الرياء، وفي الإظهار أيضا فائدة ولذلك أثنى الله تعالى على السر والعلانية فقال: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ? وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?271?) [البقرة: 271] .
والإظهار قسمان:
أحدهما: في نفس العمل.
والآخر: التحدث بما عمل.
فالقسم الأول إظهار نفس العمل كالصدقة في الملأ لترغيب الناس فيها، وتجري سائر الأعمال هذا المجرى من الصلاة والصيام والحج والغزو وغيرها 153.
وقد وردت آيات قرآنية تحث على أعمال الخير القولية والفعلية، وورد في السنة النبوية طائفة من الأحاديث تحث على فعل الخير، وتمتدح فاعليه، لاسيما إذا كان بإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى.
والناظر في الآيات الكريمة التي تتحدث عن أعمال الخير يجد أنها على أنحاء ثلاثة:
الأول: وصف أقوام بعينهم بفعل الخيرات:
ومن هذا القبيل في كتاب الله تعالى: قوله تعالى في وصف بعض أهل الكتاب: (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 114] .
وهذا وصف لطائفة من أهل الكتاب بإنهم يبتدرون فعل الخيرات قبل موافاة المنية لهم، أو يبادرون إلى الطاعات والأعمال الصالحة، أو يعملون الطاعات وهم غير متثاقلين أو متباطئين، وذلك بعد إقرارهم بالله ربًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا 154.
ومن دقائق الآية الكريمة أنها أتت عامة في أهل الكتاب، إلا أنها لا اختصاص فيها للنصاري؛ لأنها مذكورة بعد قول الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [آل عمران: 110] .
وما بعدها من الآيات وفيها: (ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) [آل عمران: 112] .
وهذه الصفات لليهود، وعليه فتناولها لليهود أقوى من تناولها للنصارى 155.
وقوله تعالى: (. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ? وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ?) [الأنبياء: 73] .
وقوله جل شأنه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى? وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) [الأنبياء: 90] .
وقوله تعالى: (أُولَ?ئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61] .
وهذه المواضع السابقة جاءت كلها على سبيل المدح لفاعل الخيرات والمبادر إليها، وأن فعل الخيرات ينشأ عنه رضوان الله تعالى وصلاح الحال، ولم تشر الآيات إلى تخصيص فعل الخير فيها بالسر أو العلن.
الثاني: الأمر بفعل الخير:
قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104] .
وقال جل شأنه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77] .
وهاتان الآيتان فيها الدعوة لفعل الخير على جهة العموم، وذلك يشمل السر والعلن.
الثالث: الأمر بالمسارعة أو المسابقة في الخيرات:
قال تعالى: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ? إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُو) [المائدة: 48] .
وأيًا كان نوع القربة أو الطاعة التي يسهم بها المؤمن في فعل الخيرات فإنها لابد أن تكون النية فيها خالصة لوجه الله تعالى، سواء فعل الخير علنا أو سرًا، وقد كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين يتسابقون في الخيرات، سرًا وجهرًا.
ومن ذلك مسارعة سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الخير ببذل نفسه وماله وأهله في سبيل الله تعالى في رحلة الهجرة، كما هو معروف في السيرة النبوية، والإسرار بالكثير من ذلك نظرًا لطبيعة الحال حينئذٍ.
ومنه مسارعة سيدنا عثمان رضي الله عنه في الخيرات مرارا في المدينة المنورة من شراء بئر رومة من اليهودي ووقفها لنفع المسلمين، وتجهيز جيش العسرة، وغيرها من المواقف، وهذه أمور وقعت علنًا أمام الجميع.
ومنه تسابق سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في فعل الخيرات، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن زرٍ عن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بين أبي بكرٍ وعمر وعبد الله يصلي فافتتح النساء فسحلها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبدٍ) ثم تقدم يسأل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سل تعطه سل تعطه سل تعطه) فقال فيما سأل: اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ومرافقة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم في أعلى جنة الخلد قال فأتى عمر رضي الله تعالى عنه عبد الله ليبشره فوجد أبا بكرٍ رضوان الله عليه قد سبقه فقال: إن فعلت لقد كنت سباقًا بالخير 156.
وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي فقال: (سل تعطه يا ابن أم عبدٍ) ، فابتدر أبو بكرٍ وعمر قال عمر: ما بادرني أبو بكرٍ إلى شيءٍ إلا سبقني إليه أبو بكرٍ، فسألاه عن قوله فقال: من دعائي الذي لا أكاد أدع اللهم إني أسألك نعيمًا لا يبيد وقرة عينٍ لا تنفد ومرافقة النبي صلى الله عليه وسلم محمدٍ في أعلى الجنة جنة الخلد 157. فتسابق الصديق وعمر رضوان الله عليهما في فعل الخيرات أمر مشهور.
سادسًا: إعلان التظلم:
الظلم محرم في جميع الشرائع السماوية، والمظلوم دعوته عند الله تعالى مستجابة، كما هو ثابت في السنة النبوية، وقد نهى الله تعالى في كتابه العزيز عن الجهر بالسوء من الأقوال إلا للمظلوم فقال جل شأنه: (? لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ? وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا(148 ) ) [النساء: 148] .
وقد اختلف القراء في الآية وبناء على اختلافهم في القراءة اختلفوا في تأويلها، فأكثر قراء الأمصار قرؤوها بضم الظاء: (إِلَّا مَن ظُلِمَ) ، وقرأ بعضهم: «إلا من ظَلم» ، بفتح «الظاء» 158.
والذين قرؤوا بالضم وهم الجمهور اختلفوا في تأويله على أقوال:
القول الأول: أنه لا يحب الله تعالى ذكره أن يجهر أحدنا بالدعاء على أحد، وذلك عندهم هو: «الجهر بالسوء إلا من ظلم» ، يقول: إلا من ظلم فيدعو على ظالمه، فإن الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك، لأنه قد رخص له في ذلك، وهذا مروي عن ابن عباس 159.
القول الثاني: أن المراد بها الرجل ينزل بالرجل فلا يقريه، فينال من الذي لم يقره. وهو قول مجاهد وأبي نجيح 160.
فقد روي عن مجاهد: (ا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) ، قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن إليه، فقد رخص الله له أن يقول فيه 161.
القول الثالث: أن المعنى: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، فإن الله قد أذن له في ذلك. وهو مروي عن السدي 162.
وبناء على ما سبق فإن كلمة: «من» ، على هذه الأقوال التي ذكرناها، سوى قول ابن عباس، تكون في موضع نصب على انقطاعه من الأول، والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد «إلا» في الاستثناء المنقطع.
ويكون معنى الكلام على ذلك: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، ولكن من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما نِيل منه، أو ينتصر ممن ظلمه. أما الذين قرؤوا بالفتح «ظلم» فتأولوه: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، إلا من ظلم فلا بأس أن يجهر له بالسوء من القول.
فقد روي عن ابن زيد: كان أبي يقرأ: (ا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ) ، قال ابن زيد: يقول: إلا من أقام على ذلك النفاق، فيجهر له بالسوء حتى ينزع. قال: وهذه مثل: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ? بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ) ، أن تسميه بالفسق (بَعْدَ الْإِيمَانِ ?) ، بعد إذ كان مؤمنًا (وَمَن لَّمْ يَتُبْ) ، من ذلك العمل الذي قيل له (فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، [الحجرات: 11] قال: هو شرٌ ممن قال ذلك.
وتكون: «من» على هذا التأويل نصبٌ لتعلقه بـ «الجهر» ، وتأويل الكلام، على قول قائل هذا القول: لا يحب الله أن يجهر أحد لأحد من المنافقين بالسوء من القول، إلا من ظلم منهم فأقام على نفاقه، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول.
قال الطبري: «وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ: «إلا من ظلم» بضم «الظاء» ، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ قراءة من قرأ ذلك بالفتح؛ فإذ كان ذلك أولى القراءتين بالصواب، فالصواب في تأويل ذلك: لا يحب الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول «إلا من ظلم» ، بمعنى: إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يقر، أو أسيء قراه، أو نيل بظلم، في نفسه أو ماله، أو يخبر غيره من سائر الناس بما أصابه ونيل منه، وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم: أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه عليه إعلامًا منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له» 163.
أولًا: إعلان الكفر:
إعلان الكفر له صور متعددة، أولها: إعلان الكفار عداوتهم للرسول وكفرهم بدين الله عز وجل ومعارضتهم لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، والثانية: إعلان المسلم الكفر إكراهًا واضطرارًا،، والثالثة: إعلان الكفار مظاهر دينهم والجهر بها.
1.إعلان الكفار عداوتهم للرسول وكفرهم بدينه.
بين الله سبحانه وتعالى أنه مطلع على سر الكفار جهرهم، يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، قال تعالى (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ?74?) [النمل: 74] .
والمراد بما يخفونه من عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم والحقد عليه، وما يعلنون من الطعن فيه واللمز 164.
ونهى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة الكفار والمنافقين في قوله جل شأنه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) [الأحزاب: 1] .