فالتأديب بالهجر ينبغي ألا يتجاوز هذه المدة، فالمرأة ينفد صبرها عن هجر بعلها هذه المدة، ولا تستطيع أن تصبر أكثر منها.
«عن عبد اللّه بن دينار قال: خرج عمر بن الخطّاب من اللّيل فسمع امرأة تقول 58:
تطاول هذا اللّيل واسودّ جانبه
وأرّقني أن لا ضجيع ألاعبه
فو اللّه لولا اللّه أنّي أراقبه
لحرّك من هذا السّرير جوانبه
فسأل عمر ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستّة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك» 59.
ثالثًا: الظهار:
هو مأخوذ من الظهر، والظهر من كل شيء خلاف البطن، وظاهر الرجل امرأته مظاهرة وظهارًا، قال لها: أنت علي كظهر ذات رحم 60.
والظهار في الاصطلاح: هو أن يشبّه امرأته أو عضوًا منها بمن تحرم عليه، ولو إلى أمد، أو بعضو منها 61.
وكان الظهار في الجاهلية أمرًا شائعًا من الأمور التي ابتدعها أهل الجاهلية، ودرجوا عليها، وألفوها حتى صارت عندهم شرعًا، فكان الرجل منهم إذا كره زوجته أو غضب عليها قال لها: أنت عليّ كظهر أمي؛ فتصير محرمة عليه، وحدث في عهد الإسلام أن ظاهر أوس بن الصامت رضي الله عنه من زوجته خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها، ثم بدا له بعد ذلك أن يواقعها فلم تمكّنه من نفسها، وذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تستفتيه في هذا الأمر، وتجادله في هذا الشأن، فأنزل الله عز وجل في ذلك قرآنًا يتلى.
روى الحاكم في المستدرك بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى عليّ بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني، وانقطع له ولدي، ظاهر مني، اللهم إني أشكو إليك، قالت عائشة: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآيات {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} الخ الآيات 62.
وروى الإمام أبو داود في السنن عن خويلة 63 بنت مالك بن ثعلبة قالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه، ويقول: (اتق الله، فإنه ابن عمك) فما برحت حتى نزل القرآن {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا} إلى آخر الآيات، فقال صلى الله عليه وسلم: (يعتق رقبة) . قلت: لا يجد، فقال: (فيصوم شهرين متتابعين) . قلت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: (فليطعم ستين مسكينًا) . قلت: ما عنده من شيء يتصدق به، قالت: فَأُتِيَ ساعتئذٍ بِعَرَق من تمر، قلت: يا رسول الله، فإني أعينه بعرق آخر، قال: (قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك) 64.
قال تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} سمع الله تعالى قول تلك المرأة التي جاءت تجادل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر زوجها الذي ظاهر منها {وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} تبث شكواها إلى الله تعالى {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} أي: يسمع ذلك الحوار الذي دار بين خولة بنت ثعلبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} سميع لكل مسموع، بصير بكل مبصر، فعلى المؤمن أن يراقب الله عز وجل في معاملته لزوجته وفي جميع معاملاته.
حرمة الظهار:
قال تعالى: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .
وقوله تعالى: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .
أي: لا تعتبر المرأة بقوله: أنت علي كظهر أمي، أو كأمي، أو مثل أمي، أو ما أشبه ذلك لا تصير أمه بذلك، إنما أمه التي ولدته.
قال ابن عاشور: «توبيخًا لهم على صنيعهم، أي: هو مع كونه لا يوجب تحريم المرأة هو قول منكر، أي: قبيح لما فيه من تعريض حرمة الأم بتخيلات شنيعة تخطر بمخيلة السامع عندما يسمع قول المظاهر: أنت علي كظهر أمي، وهي حالة يستلزمها ذكر الظهر في قوله: كظهر أمي» 65.
كما قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} [الأحزاب: 4] .
{وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [المجادلة: 2] .
دل هذا على تحريم الظهار؛ لأنه قول منكر وزور.
قال ابن حجر: «واستدل بقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا} على أن الظهار حرام» 66.
وقال الإمام ابن القيم: «والظهار حرام، لا يجوز الإقدام عليه؛ لأنه كما أخبر الله عنه منكر من القول وزور، وكلاهما حرام، والفرق بين جهة كونه منكرًا وجهة كونه زورًا أن قوله: أنت علي كظهر أمي، يتضمن إخباره عنها بذلك، وإنشاء تحريمها، فهو يتضمن إخبارًا وإنشاء، فهو خبر زور وإنشاء منكر، فإن الزور هو الباطل بخلاف الحق الثابت، والمنكر بخلاف المعروف، وختم سبحانه الآية بقوله: {وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} وفيه إشعار بقيام سبب الإثم الذي لولا عفو الله ومغفرته لأخذ به» 67.
كفارة الظهار:
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: 3 - 4] .
بيّن المولى عز وجل في هاتين الآيتين الكريمتين كفارة الظهار لمن أراد أن يرجع عما قال، ويعود إلى معاشرة زوجته بعد أن ظاهر منها.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا} فالعود هنا هو الرجوع عن مقولة الظهار {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} عتق رقبة سليمة من العيوب صغيرة كانت أو كبيرة ذكرًا أو أنثى {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} أي: من قبل حدوث أي مسيس بينهما من جماع أو تقبيل أو أي وجه من وجوه الاستمتاع، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة، وقال الشافعي في أحد قوليه: المحرم على المظاهر هو الوطء فقط 68؛ لأن المسيس كناية عن الجماع {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} أي: تزجرون حتى تتركوا الظهار لحرمته؛ ولعظم كفارته.
قال صاحب الظلال: « {ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ} فالكفارة تذكرة وعظة بعدم العودة إلى الظهار الذي لا يقوم على حق ولا معروف {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} خبير بحقيقته، وخبير بوقوعه، وخبير بنيتكم فيه، وهذا التعقيب يجيء قبل إتمام الحكم لإيقاظ القلوب، وتربية النفوس، وتنبيهها إلى قيام الله على الأمر بخبرته وعلمه بظاهره وخفيه» 69.
قوله: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} أي: من لم يتمكن من عتق رقبة فعليه صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عن صيام الشهرين فعليه أن يطعم ستين مسكينًا {ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي: ذلك المشار إليه من تحريم الظهار وكفارته {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} فمن لوازم الإيمان ومقتضياته أن تلتزموا بهذه الأحكام {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} فلا تعتدوها {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} لأنهم كفروا بالله، وانتهكوا محارمه، وتعدوا حدوده.
قال ابن عاشور: «الإشارة إلى ما ذكر من الأحكام، أي: ذلك المذكور لتؤمنوا بالله ورسوله، أي: لتؤمنوا إيمانًا كاملًا بالامتثال لما أمركم الله ورسوله، فلا تشوبوا أعمال الإيمان بأعمال أهل الجاهلية، وهذا زيادة في تشنيع الظهار، وتحذير للمسلمين من إيقاعه فيما بعد، أو ذلك النقل من حرج الفراق بسبب قول الظهار إلى الرخصة في عدم الاعتداد به، وفي الإخلاص منه بالكفارة، لتيسير الإيمان عليكم» 70.
وفي موقف الإسلام من الظهار: حجة ساطعة، ودلالة واضحة على تكريم الإسلام للمرأة، وصيانته وحمايته لحقوقها، وحرصه على إصلاح واستقرار الأسرة المسلمة.
وفي هذه الكفارة ما يعود بالفائدة على الفرد والمجتمع، فعتق الرقبة هو سبيل إلى تحرير الرقيق، وللإسلام موقف فريد، ومنهج رشيد في تحرير العبيد من خلال تجفيف منابع الاسترقاق، وفتح الأبواب على مصاريعها للعتق عن طريق الكفارات والقربات.
وفي صوم شهرين متتابعين تهذيب للأخلاق، وتقويم للسلوك، ورياضة للنفوس، وتزكية لها، وسمو بالأرواح، فالصوم تأديب بالجوع، وخشوع للمولى وخضوع، وكل عبادة لها حكمة، والصوم ظاهره العذاب، وباطنه فيه الرحمة، يعلم الصبر، ويعين على خصال البر، ويقدح زناد التأمل والفكر، وينشرح به الصدر، وفى إطعام ستين مسكينًا لفتة كريمة إلى الرحمة بالمساكين، والإحساس بمعاناتهم، ومعايشة أحوالهم، وفي هذا إرهاف للحس، وترقيق للمشاعر، وتطبيب للقلوب، وتزكية للنفوس، وهكذا نجد في الكفارة حكمًا رائعة، وثمرات يانعة للنفس والمجتمع، وهي مع شدتها وثقلها إلا أنها رحمة للناس ولطف بهم، وزجر عن الوقوع في هذا المنكر الزور.
تربية المسلم تربية راشدة، فعليه تدور الأحكام الشرعية، والقرآن كلّه كتاب تربيةٍ وتهذيبٍ وتزكيةٍ وتقويمٍ، وفي ثنايا الحديث عن أحكام الطلاق نلمس هذه اللطائف التربوية من ترسيخٍ للإيمان، وتهذيبٍ للنفوس، وتزكية لها، وتحليق بها في أجواء الفضيلة، ومن تغذية للعقول، وتوعيةٍ لها، وتبصرةٍ للقلوب، وغرسٍ للقيم.
1.الهدف من وجود الأسرة المسلمة إقامة حدود الله؛ وذلك مؤشر بقائها، وغاية وجودها، ومنارة مسارها.
تأمل في قوله تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة 229 - 230] .
حيث يتكرر الحديث عن حدود الله تعالى في ستّ مراتٍ؛ لبيان الأساس الذي قام عليه البناء الأسري، والحصن الذي يحميه، بل والغاية من وجوده، وهو إقامة حدود الله تعالى التي حذّر من تعدّيها، فلا يتعداها إلا ظالمٌ، وتأتي الآية التالية لتقرر هذا الأصل الشرعي، والمقصد السامي، وهو إقامة حدود الله تعالى التي هي أساس قيام الأسرة، وهدفٌ من أهداف الزواج، والله تعالى يبيّنها لأهل العلم حتى يمتثلوا لها، ويدعوا غيرهم إلى مراعاتها.
2.مجيء القرآن بقواعد رشيدة للحياة الزوجية السعيدة، من ذلك:
قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] .
فللزوجة حقوق كما أن عليها واجبات، وللرجال على النساء درجة ليس تعاليًا على النساء، بل لتنظيم الحياة الزوجية التي لابد لها من قيّم وقائد.
وقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19] .
وقوله جل وعلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .
وقوله سبحانه: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} [النساء: 34] .
أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في امتثال ما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، تأمل أهمية الإيمان ودوره في السلوك والمعاملات في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} .
فالمرأة المؤمنة لا تخادع ولا تخفي الحقائق، وتلك أخلاق المؤمنة الصالحة صريحةٌ وواضحة وصادقةٌ وناصحة، كما ندرك أثر الإيمان بالله واليوم الآخر في الامتثال لأوامر الله، واجتناب ما نهى عنه الله، وأن هذا الطريق أزكى وأطهر، فلا يزيده التمسك به إلا سموًّا وارتقاء ورفعةً وانتصارًا على حظ النفس والتقاليد الجاهلية، وفي تقرير علمه تعالى مع نفي العلم عن الخلق ما يزيد المؤمنين يقينًا وتسليمًا لحكم الله تعالى، وتجرّدًا من الأهواء والآراء.
قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 232] .
3.استحضار أسماء الله الحسنى، له أثر في المسارعة إلى امتثال أوامره، والفيء إلى شرائعه.
قال تعالى: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فالعزة لمن اتبع شرع الله، وبعزته تعالى حكم، وهو الحكيم في أقداره وسننه وأحكامه، ومن تمسّك بشرعه الحكيم نال العزّة في الدارين.
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} وفيها تسليةٌ وبشرى لكل من قدّم عملًا صالحًا، وإن لم ينل جزاءه في الدنيا فإنه لن يضيع عند خالقه جل وعلا، فهوتعالى بصير بأعمال عباده، وإن غفل عنها الغافلون، وإن تجاهلها الناس، أو تنكّروا لفاعلها.
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] .
يأمر الله عباده بتقواه، وأن يعلموا علم اليقين أنه العليم بما يصلحهم في معاشهم ومعادهم، العليم بسرائرهم، وما تنطوي عليه نفوسهم، العليم بحاضرهم ومستقبلهم، العليم بأعمالهم وأقوالهم، وفي الآية دعوةٌ إلى اليقين بأحكام الله تعالى وسننه في عباده وأقداره، وفيها دعوة لمراقبته تعالى، فلابد من أن نؤمن ونوقن ونسلّم بإحاطة علمه تعالى بكل شيء، وهذا يزيدنا إيمانًا وتسليمًا لأحكام الله تعالى وأقداره.
وقال تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} [النساء: 130] .
أي: كثير الفضل واسع الرحمة، يعطي ويمنع، ويفرّق ويجمع، بعلمه تعالى وحكمته، وناسب هنا ذكر السعة، تقريرًا لما تقدّم من توسعته، قال الرازي: « ... فهو تعالى واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم، فلو ذكر تعالى أنه واسعٌ في كذا لاختصّ ذلك بذلك المذكور، ولكنه لما ذكر الواسع، وما أضافه إلى شيء معينٍ، دلّ على أنه واسعٌ في جميع الكمالات» 71.
وناسب ذكر وصف الحكمة لبيان أنه تعالى حكيم في سعته وفضله على عباده، حكيم في أحكامه وأقداره، وفي الآية وعدٌ من الله تعالى بإغناء كلٍّ من الزوجين إذا تفرقا من سعته؛ حتى لا يلتفت كل منهما لغير الله، ولا تعتلج في قلبه همومٌ على مستقبله، ولا حزنٌ وحسرةٌ على ماضيه، وكذلك وصف الحكمة فيه ما يوحي بالرضا والتسليم بأقدار الله تعالى، فهي صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ، فهذه السعة التي وعد الله به عباده سعةٌ قائمةٌ على حكمته تعالى، وفي الآية الكريمة تسليةٌ لكل من ابتلي بالفراق، بأن فرج الله قريبٌ، وفضله واسعٌ.
وقال سبحانه في ختام سورة الطلاق: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .
فالإيمان بقدر الله تعالى وعلمه التام يزيد المؤمن يقينًا وثباتًا على الحق، وحرصًا على تحقيق مراد الله تعالى، فهو تعالى القادر على كل شيء، وهو العليم بما يصلح عباده في عاجلهم وآجلهم، في معاشهم ومعادهم.
4.التسليم لأقدار الله تعالى وحكمه وأحكامه ومراعاة سننه في عباده.
قال تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1] .
وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 2 - 3] .
وقال: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .
وقال: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] .
وقال: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12] .
5.استحضار نعم الله تعالى على عباده، والتي من أجلها نعمة الهداية، وما أنزل الله عليهم من الكتاب والسنة لصلاحهم وإرشادهم.
قال تعالى: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231] .
تذكيرٌ بنعم الله التي لا تحصى، والتي من أجلّها ما أنزله في كتابه وسنة نبيه من مواعظ يسعد من ينتفع بها، ويرشد من يتبصّرها، وقال تعالى في سورة الطلاق: {قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا} فهذه التشريعات الربانية التي اشتمل عليها القرآن يتلوها المؤمن دائمًا ويستحضر معانيها ومقاصدها {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} [الطلاق: 11] .
أي: هذا الوحي يتلوه عليكم رسول الله، آياتٌ من عند الله، واضحاتٌ جلياتٌ، تبيّن الحلال والحرام، وتفرّق بين الحق والباطل، والهدى والضلال {لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} أي: ليخرج المؤمنين المتقين من الضلالة إلى الهدى، ومن ظلمة الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم.
6.العدل ضرورة شرعية، والإحسان والفضل من أخلاق الكرام في الرضا والغضب؛ سيّما في أداء حق المطلقة ترضيةً لخاطرها، وجبرا لفؤادها.