فمن منن الله على عباده ورحمته بهم وفضله عليهم أن جعل لهم المناظر البهية التي تروق لنفوسهم وتملؤها بهجة وسرورًا، يقول ابن عاشور رحمه الله في قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات:6] : «فيها منة على الناس بأن جعل لهم في السماء زينة الكواكب تروق أنظارهم؛ فإن محاسن المناظر لذة للناظرين» 49.
فتزيين السماء بالنجوم والكواكب نعمة من الله على خلقه ككثير من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، وحق على عباده الذين يستمتعون بالنظر إليها أن يعرفوا فضله فيها، ويشكروه عليها.
ثالثًا: النجوم رجوم للشياطين:
السماء عالم فسيح واسع ممتد، يستعصي على العقل حصره، وتعجز الفهوم عن الإحاطة به، والإلمام بجوانبه، وهو حافل بالأسرار، مليء بالعجائب التي يقف العقل البشري أمامها عاجزًا، لا يبدي جوابًا، ومن هذه العجائب النجوم وقد ذكر الله للنجوم في كتابه عددًا من المنافع، ومن هذه المنافع ما ذكره الله عز وجل من أنها رجوم للشياطين ما أن يحاولوا التسمع للملأ الأعلى حتى تنقض عليهم فتحرقهم، وتقضي عليهم.
عن عائشة رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الملائكة تنزل في العنان -وهو السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم) 50.
فأن تكون النجوم رجومًا للشياطين أي: «شهبًا محرقة لمسترقي السمع من الشياطين» 51 فهذا له فوائد عدة، منها:
بيان مدى شدة حفظ السماء، فالسماء منها أتى الوحي، وتنزل الأوامر والمقادير التي تضبط شأن العالم، فأن تكون محفوظة، وعليها حراسة شديدة فهذا من المقاصد العظيمة؛ ولقد ذكر القرآن أن من منافع النجوم أن الله جعلها رجومًا للشياطين الذين يحاولون الوصول إليها، ومعرفة ما يجري فيها؛ ليصلوا به إلى الكهان؛ ليخدعوا الناس به، ويفسدوا عليهم أمر حياتهم.
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر:16 - 18] .
وها هنا يخبرنا الرب جل جلاله أن السماء محفوظة من كل شيطان رجيم حتى لا يصل إليها فظاهرها «مجمل بالنجوم النيرات، وباطنها محروس ممنوع من الآفات» 52.
ومع هذا فإن بعض الشياطين في بعض الأوقات يسعى لاستراق السمع ومعرفة ما يدور في الملأ الأعلى، فآنئذٍ يتبعه {شِهَابٌ مُبِينٌ} أي: «بين منير يقتله أو يخبله» 53.
قال الإمام البخاري عند تفسيره لهذه الآية: حدثنا سفيان عن عمرٍو عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كالسلسلة على صفوانٍ -قال عليٌ: وقال غيره: صفوانٍ ينفذهم ذلك- فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحدٌ فوق آخر -ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعضٍ- فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة كذبةٍ، فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقًا؟ للكلمة التي سمعت من السماء) 54.
ومما يدل على شدة حراسة السماء وقوة حفظها تعبير القرآن بـ {اسْتَرَقَ} «فهناك من سرق؛ وهناك من استرق؛ فالذي سرق هو من دخل بيتًا على سبيل المثال، وأخذ يعبئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد» .
لكن إن كان هناك أحد في المنزل فاللص يتحرك في استخفاء خوفًا من أن يضبطه من يوجد في المنزل؛ وهكذا يكون معنى {اسْتَرَقَ} : الحصول على السرقة مقرونة بالخوف 55. فأن تكون النجوم رجومًا للشياطين بهذه القوة التي تجعلهم فقط يسترقون السمع بكل وجل وخوف فهذا يدل على شدة حفظ السماء.
الاستدلال على عظمة الخالق:
تنتصب شواهد عدة للتدليل على عظمة الخالق وشدة قدرته وقهره، واتساع سلطانه، ومن الأمور التي ذكرها القرآن في هذا السياق هو كون النجوم رجومًا للشياطين.
قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} [الملك:5] .
فهذه الآية أتت في بدايات سورة الملك التي تعنى بتفصيل مظاهر قدرة الرب الجليل، يقول صاحب الظلال: «ومفتاح السورة كلها ومحورها الذي تشد إليه تلك الحركة فيها هو مطلعها الجامع الموحي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك:1] .
وعن حقيقة الملك وحقيقة القدرة تتفرع سائر الصور التي عرضتها السورة، وسائر الحركات المغيبة والظاهرة التي نبهت القلوب إليها، فمن الملك ومن القدرة كان خلق الموت والحياة، وكان الابتلاء بهما، وكان خلق السموات وتزيينها بالمصابيح، وجعلها رجومًا للشياطين» 56.
وهذه الآية كما -يقول الإمام الرازي- دليل: «على كونه تعالى قادرًا عالمًا؛ وذلك لأن هذه الكواكب -نظرًا إلى أنها محدثة ومختصة بمقدار خاص، وموضع معين، وسير معين- تدل على أن صانعها قادر -ونظرًا إلى كونها محكمة متقنة موافقة لمصالح العباد من كونها زينة لأهل الدنيا، وسببًا لانتفاعهم بها- تدل على أن صانعها عالم» 57.
وكذلك من دلائل قدرته عز وجل «أن جعل جزءًا منها رجومًا للشياطين بانفصال بعض الشهب عنها لرمي شياطين الجن الذين كانوا يحاولون التسمع إلى الملأ الأعلى، وهي آيات دالة على عظيم قدرته جل جلاله بصون السماء وما فيها من أخبار» 58.
والرجوم: جمع رجم «وهو اسم لما يرجم به، أي: ما يرمي به الرامي من حجر ونحوه» 59.
والذي جعل رجومًا للشياطين هو النجوم فـ «ضمير الغائبة في {وَجَعَلْنَاهَا} المتبادر أنه عائد إلى المصابيح، أي: إن المصابيح رجوم للشياطين» 60.
«والمصابيح هي النجوم العظيمة المضيئة» 61.
وليس كل النجوم رجومًا للشياطين وإنما معنى جعلها رجومًا «جارٍ على طريقة إسناد عمل بعض الشيء إلى جميعه، مثل إسناد الأعمال إلى القبائل لأن العاملين من أفراد القبيلة» 62.
فكون النجوم بكتلها الضخمة وسرعاتها العالية رجومًا للشياطين فهذا لا شك من دلائل قدرة الله وشدة عظمته.
ومن الآيات التي أشارت لهذا قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت:12] .
فهذه الآية تذكر عددًا من مظاهر قدرة الباري جل جلاله؛ ولذا ختمت بقوله: {ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ومن بين تلك الدلائل المذكورة قوله: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا} أي: «من الشياطين الذين يسترقون السمع» 63.
والقرآن عالج الكثير من خرافات الجاهلية، وصور الشرك التي كانت منتشرة بينهم، وكشف زيفها، وفضح باطلها، وكان من بين هذه الأباطيل ما ادعاه أهل الجاهلية من أن الجن يعلمون الغيب، ويتصلون بالملأ الأعلى، وبينهم وبين الله نسبٌ، فرد القرآن على ذلك ببيان أن النجوم رجوم للشياطين، وأنها تمنعهم من استراق السمع.
قال تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات:6 - 10] .
فهذه الآيات أتت في سورة الصافات التي «تستهدف -كسائر السور المكية- بناء العقيدة في النفوس، وتخليصها من شوائب الشرك في كل صوره وأشكاله؛ ولكنها -بصفة خاصة- تعالج صورة معينة من صور الشرك التي كانت سائدة في البيئة العربية الأولى» 64.
فهذه الآيات أتت «بعد ما عالج مطلع السورة شطر الأسطورة الخاص بالملائكة؛ ليعالج شطرها الثاني وهو الخاص بالشياطين، حيث أنهم كانوا يزعمون أن بين الله وبين الجنة نسبًا، وبعضهم كانوا يعبدون الشياطين على هذا الأساس، وعلى أساس أن الشياطين يعرفون الغيب لاتصالهم بالملأ الأعلى» 65.
فبينت الآيات كيف أن السماء الدنيا مزينة {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} [الصافات:6] .
أي: «بزينة هي النجوم» 66 وكيف أن هذه النجوم تحفظ السماء {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ} [الصافات:7] .
يعني: «المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع أتاه شهاب ثاقب فأحرقه» 67 ولذلك قال بعدها: {لَا يَسَّمَّعُونَ} [الصافات:8] .
أي: «لئلا يصلوا إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره» 68.
وتأمل كيف أنه قال: {لَا يَسَّمَّعُونَ} فهذا الفعل أصله «يتسمعون» وقد ضمن معنى الفعل يصغون أو يدنون؛ ولهذا عدى بحرف الجر {إِلَى} أي: لا يستطيعون أن يتسمعوا إلى الملأ الأعلى، وهم في إصغاء شديد حالة التسمع 69.
وهذا يدل على شدة حراسة السماء بالنجوم، فإنهم مع حرصهم على السماع لا يستطيعون؛ ولذا قال الله في خاتمة الآية: {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} [الصافات:8] .
ثم أوضحت الآيات أن بعض الشياطين قد يتلقف شيئًا على وجه الخفية والسرعة {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ} [الصافات:10] .
«والخطف: ابتدار تناول شيء بسرعة، والخطفة المرة منه» 70.
فيكون جزاؤه الإحراق {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} أي: «تارة يدركه قبل أن يوصلها إلى أوليائه، فينقطع خبر السماء، وتارة يخبر بها قبل أن يدركه الشهاب، فيكذبون معها مائة كذبة يروجونها بسبب الكلمة التي سمعت من السماء» 71.
وهكذا ترد الآيات على المشركين معتقدهم الفاسد «في أن الشياطين يعلمون الغيب، وأنهم يتلقون ذلك باتصالهم بالملأ الأعلى، واستماعهم إلى ما يدور بين الملائكة هناك، مما يتصل بالعالم الأرضي» 72.
وكذلك ترد عليهم خرافة اتخاذهم آلهة، وأن بينهم وبين الله نسبًا فلو «كان شيء من هذا صحيحًا لتغير وجه المعاملة؛ ولما كان مصير الأنسباء والأصهار -بزعمهم- هو المطاردة والرجم والحرق أبدًا!» 73.
وهكذا يظهر كيف أن رجم النجوم للشياطين يكشف عن تهافت مزاعم المشركين وأباطيلهم.
قال تعالى حاكيًا قول الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن:8 - 9] .
وفي هاتين الآيتين يخبر الجن أنهم حاولوا طلب أخبار السماء ولمسها وحقيقة المس: «الجس باليد، واستعير هنا؛ لطلب أخبار السماء؛ لأن الماس للشيء في العادة إنما يفعل ذلك طلبًا لاختباره ومعرفته» 74. ولكنهم وجدوها {مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} [الجن:8] .
أي: «ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي يرمى بها من يقترب منها» 75.
ثم كشفوا عن شدة استغرابهم لذلك قائلين: {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن:9] .
أي: «مرصدًا له، معدًا لإتلافه وإحراقه» 76.
وهذا لا شك يدل على «لطف الله بخلقه ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز؛ ذلك أن الله لما شاء بعث نبيه وإرساله وإنزال القرآن عليه ملئت السماء حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق 77.
يقول الإمام الرازي: «هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث إلا أنها زيدت بعد المبعث، وجعلت أكمل وأقوى؛ لأنه قال: {فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ} [الجن:8] .
وهذا يدل على أن الحادث هو الملء والكثرة وكذلك قوله: {نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ} [الجن:9] .
أي: كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها، فكثرة الرجم، ومنع الاستراق بالكلية هي التي حملت الجن على الضرب في البلاد، وطلب السبب» 78. فأن يزداد الرجم للشياطين، وأن تمنع من استراق السمع فهذا لا شك فيه بيان لمدى مكانة القرآن وشرفه ورفعته على سائر الكتب.
أولًا: نجوم ذكرت بأسمائها:
ذكر الله تعالى النجوم في كتابه في مواضع متعددة، لكن النجم الوحيد الذي ذكر باسمه هو الشعرى.
قال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم:49] .
فهذا هو الموضع الوحيد الذي ذكر فيه النجم بالاسم دون الوصف.
والشعرى: «كوكب وهاج مضيء يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر» 79 وقد يبدو من خلال النظر في الآية وسياقها أنه ذكر باسمه لتقرير التوحيد ونفي العقائد الشركية، فنجم الشعرى كان له مكانته الخاصة عند العرب، فهم كانوا في جاهليتهم يعبدونه من دون الله 80. وكانوا ينسبون إليه الغنى والفقر، كما أشار إلى هذا الرازي 81.
واختلف فيمن كان يعبده، فقال السدي: كانت تعبده حمير وخزاعة، وقال غيره: أول من عبده أبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمهاته؛ ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة حين دعا إلى الله، وخالف أديانهم 82.
ولذا ذكره القرآن باسمه لـ «تقرير عقيدة التوحيد، ونفي عقيدة الشرك الواهية المتهافتة» 83 وذلك من خلال إعلامهم بأنه ربهم ورب هذا النجم الذي يعبدونه من دون الله {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} [النجم:49] .
وتأمل كيف أنه أتى بضمير الفصل الذي «يفيد قصر مربوبية الشعرى على الله تعالى؛ وذلك كناية عن كونه رب ما يعتقدون أنه من تصرفات الشعرى، أي هو رب تلك الآثار ومقدرها وليست الشعرى ربة تلك الآثار المسندة إليها في مزاعمهم» 84.
وذكر ربوبية الله لنجم الشعرى لا شك يشير لعظم قدرة الله، فنجم الشعرى «أثقل من الشمس بعشرين مرة، ونوره خمسون ضعف نور الشمس، وهي أبعد من الشمس بمليون ضعف بعد الشمس عنا» 85 فأن يكون مربوبًا لله جل جلاله فهذا لا شك يدل على شدة قدرة الخالق عز وجل، وأن تذكر ربوبية الله لنجم الشعرى العملاق في سورة النجم التي «تتحدث عن الرحلة إلى الملأ الأعلى» 86.
تلك الرحلة التي قد تستبعدها بعض العقول وتستعظمها، فهذا لا شك له وزنه في بيان عظم قدرة الله في فعل ما يشاء.
ثانيًا: نجوم ذكرت بصفاتها:
وصف الله في كتابه النجوم بعدة أوصاف؛ لهذه الأوصاف دلالات متنوعة، وفيها إشارات، إما لبعض وظائف هذه النجوم أو لتوضيح ماهيتها وشكلها، فتارة يصفها بالثقوب، وتارة يصفها بالخنس والجريان والكنس، وتارة يصفها بالطروق.
وفيما يلي تفصيل هذا:
1.وصفها بالثقوب.
ورد هذا في قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات:10] .
وهذا ورد في معرض الحديث عن حفظ الله للسماء من تسلط الشيطان، بأن جعل فيها الكواكب التي من وظائفها أنها تتبع من استرق السمع من الشياطين فتحرقه وتهلكه.
وجاء هذا الوصف أيضًا في سورة الطارق حين أقسم الله بالطارق -بعد القسم بالسماء-، ثم وصف هذا الطارق وعرفه بأنه: النجم الثاقب.
قال تعالى: (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ(1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ) [الطارق:1 - 3] .
والثاقب يعني: النافذ بضوئه وشعاعه المنير 87.
و «إنما وصف النجم بكونه ثاقبًا لوجوه:
أحدها: أنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه.
وثانيها: أنه يطلع من المشرق نافذًا في الهواء كالشيء الذي يثقب الشيء.
وثالثها: أنه الذي يرى به الشيطان فيثقبه، أي: ينفذ فيه ويحرقه.
ورابعها: النجم الثاقب هو النجم المرتفع على النجوم، والعرب تقول للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعًا: قد ثقب» 88.
2.وصفها بالخنس والجريان والكنس.
وقد وردت هذه الأوصاف مجتمعة في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ?15?الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ?16?) [التكوير:15 - 16] .
وتخنس أي: «ترجع، بينا يرى أحدها في آخر البروج كر راجعًا إلى أوله» 89.
والجوار: «جمع جارية: وهي التي تجري، أي: تسير سيرًا حثيثًا» 90.
وتكنس: «أي: تغيب في المواضع التي تغيب فيها» 91. وقيل: «أي: تكنس بالنهار فلا ترى» 92.
وفي وصف النجوم بهذه الأوصاف إشارة إلى الأسرار العظيمة التي جعلها الله في أحوالها العجيبة، فسيرها وظهورها ثم اختفاؤها وغيابها لهو دليل على وجود مدبر قادر، يرعى أحوالها، ويقوم على أمرها.
والتعبير عن النجوم بهذه الأوصاف «يخلع عليها حياة رشيقة كحياة الظباء، وهي تجري وتختبئ في كناسها، وترجع من ناحية أخرى، فهناك حياة تنبض من خلال التعبير الرشيق الأنيق عن هذه الكواكب، وهناك إيحاء شعوري بالجمال في حركتها، في اختفائها وفي ظهورها، في تواريها وفي سفورها، في جريها وفي عودتها، يقابله إيحاء بالجمال في شكل اللفظ وجرسه» 93.
وما هذا العجب في أحوالها إلا مرتع خصب للتأمل والتفكر والاهتداء بها إلى خالقها وموجدها وراعي أمرها، وصدق ربنا حين أخبر عن أن زينة الكواكب آية للمعتبرين والمتفكرين: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) [الحجر: 16] .
3.وصفها بالطروق.
وقد جاء هذا الوصف في سورة الطارق؛ وذلك قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق:1] .
والطارق فسره الله تعالى بأنه: {النَّجْمُ الثَّاقِبُ} [الطارق:3] .
والوصف بالثقوب سبق بيانه.
وأما وصفه بالطارق «فلأنه يبدو بالليل وكل ما أتاك ليلًا سواء كان كوكبًا أو غيره فهو طارق، فلا يكون الطارق نهارًا» 94. والمراد ها هنا: «الكوكب البادي بالليل، إما على أنه اسم جنس أو كوكب معهود، وقيل: الطارق النجم الذي يقال له: كوكب الصبح» 95.
وقوله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ} [الطارق:2] .
تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل في تعظيم أمره 96.
ووصف النجوم بالطروق يلفت الأنظار لعظيم أمرها حقًا؛ إذ النجوم بكتلها الثقيلة وسرعاتها العالية تتحرك في ظلام دامس حالك دون أن تتصادم أو ترتطم ببعضها البعض، وهذا لا شك يدل على عظمة خالقها، وعظيم تقديره وحفظه، وبهذا يظهر التناسب بين القسم بالطارق والمقسم عليه، وهو قوله: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق:4] .
فالذي يهيمن على تلك النجوم العظيمة التي تسبح في الليل بسرعاتها العالية، ويضبط حركتها كذلك لا يخفى عليه العلم والإحاطة بما تضمره النفوس وتخفيه.
ثالثًا: القسم بالنجوم:
المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله تعالى أقسم بأشياء عديدة في كتابه، والله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته؛ «لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه، وكلما كان أعظم آية وأبلغ في الدلالة كان إقسامه به أكثر من غيره» 97. والنجوم من الأشياء التي أقسم بها القرآن كثيرًا في غير ما موضع؛ وذلك يدل على شدة دلالتها على عظمة خالقها، وقد تنوع الإقسام بالنجوم فتارة يكون بذواتها، وأخرى بأوصافها، وفيما يلي عرض لهذا:
1.القسم بذات النجوم
أقسم الله جل جلاله بذات النجوم، فقال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق:1] .
فها هنا يقسم القرآن بالنجم، فالألف واللام للجنس أي: لا يقصد بهذه الكلمة نجمًا معينًا إنما جنس النجوم، تقول مثلًا: التفاح ذو قيمة غذائية عالية، أي: جنس التفاح. والقسم بالنجم هنا له فائدة جليلة وهي إظهار مدى شدة قدرة الله.
يقول الطاهر ابن عاشور: «والقسم بالنجم لما في خلقه من الدلالة على عظيم قدرة الله تعالى، ألا ترى إلى قول الله حكاية عن إبراهيم: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي} [الأنعام:76] » 98.
2.القسم بوصف أحوال النجوم.