فهرس الكتاب

الصفحة 1202 من 2431

ويقول تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) } [النور:31] .

ذكر الله تعالى أحكامًا خاصةً بالنساء ومنها: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ، أي: ىلا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب حين التحلي بها، وهي كل ما يتزين به ويتجمل من أنواع الحلي والخضاب وغيرها، فيكون إبداء مواقع الزينة منهيًا عنه بالأولى، أو لا يظهرن مواضع الزينة بإطلاق الزينة وإرادة مواقعها، بدليل قوله: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} لأن الزينة نفسها ليست مقصودة بالنهي، وهناك تلازم بين الزينة وموضعها، والغاية هي النهي عن أجزاء الجسد التي تكون محلًا للزينة، ويستأنس بالحديث الذي روي عن عائشة رضي الله عنه: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها وقال: (يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا) 99.

وأشار إلى وجهه وكفيه، {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} ما جرت العادة بظهوره 100.

فعن ابن مسعود، قال: (( الزينة زينتان: فالظاهرة منها الثياب، وما خفي: الخلخالان والقرطان والسواران ) )، وعن ابن عبّاسٍ الظاهرة: قال: (رقعة الوجه وباطن الكفّ ) ) 101.

والمسألة خلافية تطلب من مظانها في كتب الفقه.

{وَلْيَضْرِبْنَ} وليلقين بخمرهنّ، أي: بمقانعهن وهي جمع خمار، وهو غطاء رأس المرأة على جيوبهنّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن، قالت عائشة: «يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به» .

{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ،الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها {إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ} [النور:31] 102.

وقد اختلف العلماء في تحديد عورة المرأة على مذاهب تطلب في كتب الفقه وليس محلها في بحثنا هذا، والزينة: ما تزينت به المرأة، وذكر الزينة دون مواقعها؛ للمبالغة في الأمر بالتصوّن والتستر، لأنّ هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، فنهى عن إبداء الزينة نفسها، ليعلم أنّ النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع- بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله- كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهدا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها 103.

كان عمر بن عبد العزيز يقول: «لا يخلون رجل بامرأة وإن كان يحفظها القرءان» ، فلا يعتد بالنوايا الطيبة فمعظم النار من مستصغر الشرر، ولابد في هذا وغيره من صحة العمل، لأنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، فلا يؤمن مع الخلوة وقوع المحظور، لاسيما في زمن يقل فيه وازع الإيمان والدين، ويكثر فيه الفساد، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ولا يخلونّ رجلٌ بامرأةٍ فإنّ ثالثهما الشّيطان) 104.

وقد روى ابن عباس عن رسول صلى الله عليه وسلم قوله: (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم) . فقال له رجل: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا؟ قال: (انطلق فحج مع امرأتك) 105.

يقول الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) } [النور:32 - 33] .

فالزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج، لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس. والإسلام نظام متكامل، فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء، فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعدل عن الطريق النظيف الميسور عامدًا غير مضطر، لذلك يأمر الله الجماعة المسلمة أن تعين من يقف المال في طريقهم إلى النكاح الحلال فيتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، والآباء مسئولون عن تربية أبنائهم وتعليمهم وتزويجهم حصانة لهم أو مساعدتهم على ذلك 106، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة، وهو واجب، ووسيلة الواجب واجبة 107.

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضّ للبصر، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء) 108.

والباءة: القدرة على التزوج، وامتلاك الصلاحية له، والوجاء: الخصاء، الذي به تموت الشهوة، وينقطع اتصال الرجل بالمرأة. فالمسلمون مطالبون بأن يتحصنوا بالزواج، وأن يرغبوا فيه، وييسّروا أموره، وذلك حتى لا تفشو فيهم دواعي الفساد، والاعتداء على الفروج، أو حتى لا يتجه أصحاب الإيمان القوىّ إلى الرهبنة، التي تحرمها شريعة هذا الدين.

فعن أنس رضي الله عنه أن نفرًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر. فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فحمد الله وأثنى عليه، فقال: (ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) 109110.

اعتمد القرآن أسلوب الوقاية في إنشاء المجتمع النظيف قبل أن يعتمد العقوبة، وهو لا يحارب الدوافع الفطرية، لكنه ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة، والفكرة السائدة في منهج الإسلام في هذه الناحية، هي تضييق فرص الغواية، وقطع الطريق على أسباب التهييج والإثارة، مع إزالة العوائق دون الإشباع الطبيعي بوسائله النظيفة المشروعة، كي لا تكون الفعلة سهلة ميسرة، فتغري بيسرها وسهولتها بالفحشاء 111.

وجميع الشرائع جاءت بتحريم الزنا، ولم يكن في يوم من الأيام مباحًا منذ أن خلق الله تعالى الخليقة؛ ولذلك قال الله تعالى عن مريم عليها السلام عندما جاءت بعيسى إلى قومها حكاية عنهم: {قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا} [مريم:27] .

فجعلوا ذلك أمرًا عظيمًا ومنكرًا، كما حرّمته الديانة اليهودية أيضًا، بل وصفته أنه فاحشة وأنه منجس للأرض، وفرضت عليه العقوبات القاسية، من قتل وتحريق ورجم بالحجارة، وكان قبيحًا عند العرب قبل البعثة فلم يكن يرتكبه إلا سفاسف الناس وأرذلهم من الإماء والعبيد، وشدد الإسلام على حرمته حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبايع النساء على قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) } [الممتحنة:12] .

ولم يحرم الإسلام الزنا على مراحل مثلما حرم الخمر، وذلك لعظم قبحه وفحشه وكثرة أضراره وعواقبه، وإنما كان التدرج في إنزال العقوبة بفاعله، فلما نزل قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} لم ينزل فيه عقوبة، وإنما كان الغرض منه تقبيح هذه الفعلة في النفوس، وذمها سبيلًا لإشباع هذه الرغبة، فكان ذلك تربية للنفوس وتهيئة لإنزال العقوبة.

ثم كان العقوبة أول الأمر بالإيذاء والتوبيخ والتعنيف بقول الله تعالى: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا} [النساء:16] .

والحبس في البيوت للنساء، بقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) } [النساء:15] 112.

فعن ابن عباس رضي الله عنه في قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور:2] ، (( كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير وضرب بالنعال، فأنزل الله الآية 113.

وقال الشوكاني: «وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء» 114.

فجعل الله السبيل عقوبة الزاني البكر مائة جلدة، والرجم للثيب حتى يموت، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عبادة بن الصامت: (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) 115.

ومن أساليب القرآن في النهي عن الزنا ما يلي:

أولًا: أسلوب النهي المباشر:

1.النهي عن قربان الزنا.

يقول الله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } [الإسراء:32] .

فإن هذا النهي تناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها، وفي هذا زجر عن إتيانها، ثم علل تعالى النهي عن ذلك بقوله تعالى مؤكدًا إبلاغًا في التنفير عنه لما للنفس من شدّة الداعية إليه {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً} فقبحها بهذه التسمية أي: فعلةٌ ظاهرة القبح زائدته، والفاحشة هي الرذيلة التي تجاوزت الحد في القبح، وعظم قبح الزنا مركوز في العقول من أصل الفطرة كان ولم يزل كذلك معروفًا 116.

ووصفته بالسبيل السيء، وقد نهى الله تعالى عن الفحشاء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل:90] 117.

2.النهي عن قربان الفواحش.

يقول تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) } [الأنعام:151] .

وهو نهي عن أنواع الزنا سرًا وعلنًا، وكانت الزواني في الجاهلية على نحوين: كانت لبعضهنّ رايات على الأبواب، علمًا لمن أراد الزنا؛ فكن يزنين علنًا، وأخريات كن يزنين سرًا، فهذا المراد بالفواحش ما ظهر منها وما بطن 118.

فعن الضحاك: كان أهل الجاهلية يستسرّون بالزنى، ويرون ذلك حلالًا ما كان سرًّا، فحرّم الله السر منه والعلانية بقوله تعالى: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} 119.

وعن ابن عباس: (( كانوا يكرهون أن يزنوا علانيةً فيفعلون ذلك سرًّا، فنهاهم الله عن الزنا سرًا وعلانية ) )120.

وقال آخرون: الظاهر: التعرّي والتجرد من الثياب، وما يستر العورة في الطواف، والباطن: الزنا 121.

وفي قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} دقيقة وهي: أن الإنسان إذا احترز عن المعصية في الظاهر ولم يحترز عنها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته، ولكن لأجل الخوف من مذمة الناس، وذلك باطل لأن من كان مذمة الناس عنده أعظم وقعًا من عقاب الله ونحوه، فإنه يخشى عليه من الكفر، ومن ترك المعصية ظاهرًا وباطنًا، دل ذلك على أنه إنما تركها تعظيمًا لأمر الله تعالى وخوفًا من عذابه ورغبة في عبوديته 122.

ويقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ} [النحل:90] .

قال ابن مسعود رضي الله عنه: «أجمع آية في كتاب الله آية في سورة النحل» ، وتلا هذه الآية: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} .

والفحشاء هنا: ما اشتد قبحه قولًا أو فعلًا، أو يتجاوز الحد في القبح، وقال ابن عباس )):الزنى، و غالبًا ما يخصص به الاعتداء على العرض 123.

ثانيًا: أسلوب النهي غير المباشر:

1.اقتران الزنا بالشرك.

قال الله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) } [النور:3] .

والمعنى: أن الزاني لا ينبغي له أن يتزوج إلا زانية أو مشركة ولا يقترن بالعفيفة الشريفة الطيبة لقوله تعالى: {وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ} [النور:26] ، فيقع الزاني على من هي مثله وتقع الزانية على من هو مثلها زان أو مشرك، فاقتران الزاني بالمشركة والزانية بالمشرك إشارة إلى عظيم خطر الزنا وكبير ضرره.

قال العلامة الألوسي في قوله تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً} [النور:3] : «تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح ببيان أنه بعد أن رضي بالزنا لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة فبينهما كما بين سهيل والثريا، وإنما يليق به أن ينكح زانية هي في ذلك طبقه ليوافق شن طبقه، أو مشركة هي أسوأ منه حالا وأقبح أفعالًا، فلا ينكح: خبر مراد منه لا يليق به أن ينكح، ثم المراد اللياقة وعدم اللياقة من حيث الزنا فيكون فيه من تقبيح الزنا ما فيه، ولا يشكل صحة نكاح الزاني المسلم الزانية المسلمة، وكذا العفيفة المسلمة وعدم صحة نكاحه المشركة المذكورة في الآية، لكن يعني: الزانية بعد أن رضيت بالزنا فولغ فيها كلب شهوة الزاني لا يليق أن ينكحها من حيث إنها كذلك إلا من هو مثلها وهو الزاني أو من هو أسوأ حالًا منها وهو المشرك، وأما المسلم العفيف فإن غيرته تأبى ورود جفرتها» 124.

2.النهي عن مقدمات الزنا وذرائعه وتحريمها.

ومنها: نهي المرأة عن إظهار زينتها أمام غير المحارم، فقال تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور:31] .

فذكرت الآية المحارم من الرجال الذين جاز للمرأة أن تبدي لهم زينتها.

ومنها: نهي المرأة عن الخضوع في القول حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض، فحرم عليها أن تظهر جمالها بصوتها، فقال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} [الأحزاب:32] .

وإن نساء الأمة تبع لنساء النبي صلى الله عليه وسلم في الأخذ بهذه الأحكام وبغيرها من الآداب المذكورة في سورة الأحزاب، عندما تخضع المرأة بالقول تحرك الفتنة في قلب الرجل، ولذلك يتشوق إلى رؤية هذا الصوت، قاله لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهن أطهر النساء وهن يكلمن أطهر الرجال.

ومنها: نهي الله المرأة أن تضرب بخلخالها؛ ليعلم ما تخفي من زينتها.

فقال الله عز وجل: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور:31] .

ومنها: أمر المرأة بالقرار في البيوت، فقد قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] .

ومنها: تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون أحدكم بامرأة إلا والشيطان ثالثهما) 125.

ولا نطيل هنا في هذا الجانب، ذلك لأنه استوفى البحث في أسباب الوقاية من الزنا فلا داعي للتكرار.

ثالثًا: أسلوب الترغيب فيما يمنع الوقوع في الزنا:

1.الترغيب في الزواج.

يقول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم:21] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (فمن رغب عن سنتي فليس مني) 126.

وعن عبد الله بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا شباب قريش لا تزنوا، ألا من حفظ فرجه فله الجنة) 127.

فأمره صلى الله عليه وسلم الشباب بالزواج وتبشيره بالجنة لمن حفظ فرجه لا شك أنها من أقوى الأساليب في النهي عن الفاحشة؛ لأنه ما من مسلم إلا ويشتاق للجنة إلا من أبى. كما أنه صلى الله عليه وسلم بين خطورة هذه الجريمة.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن) 128.

فينفي عنه صفة الإيمان عند قيامه بهذه الفاحشة.

2.الترغيب في مساعدة الراغبين في الزواج.

قال الله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) } [النور:32] .

3.أمر بالاستعفاف لمن لم يجد نكاحًا.

قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) } [النور:33] .

4.إباحة تعدد الزوجات.

قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء:3] .

فالإسلام حين حرّم الزنا وشدّد في تحريمه شرع الزواج، وأباح التعدد فيه كما مضى، ولا ريب أن منع التعدد ظلم للمرأة والرجل؛ فمنعه قد يدفع إلى الزنا؛ لأن عدد النساء يفوق عدد الرجال في كل زمان ومكان، ويتجلى ذلك في أيام الحروب؛ فقصر الزواج على واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وذلك يسبب لهن الحرج، والضيق، والتشتت، وربما أدى بهن إلى بيع العرض، وانتشار الزنا، وضياع النسل 129.

5.أمر بغض البصر وحث عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت