فالجواب: أن النبي سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله له من الملك، وسخر له من الجنود، الذي لم يعطه أحد قبله، ولا يكون لأحد من بعده. وليتخذ ذلك حجة على نبوته عند بلقيس وقومها؛ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يقدموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة 102.
فأجابه أحد جنوده من الجن: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ} [النمل: 39] .
فأجابه رئيس من الجن مارد قوي: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك، وكان يجلس للناس للقضاء والحكومات وللطعام من أول النهار إلى أن تزول الشمس 103.
وبين ما فيه من صفات تؤهله ليحظى بشرف خدمة نبيه سليمان عليه السلام، فقال: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] ؛ أي: قوي على حمله، أمين على ما فيه من الجوهر 104.
لكن سليمان عليه السلام قال: أريد أعجل من ذلك وأسرع 105، ولعله عرف أنها قد باتت قريبة، والوقت لا يحتمل التأخير، وهنا قال آخر: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} [النمل: 40] .
وهذا القائل رجل من الإنس يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي 106: {أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] .
أي: ارفع بصرك وانظر مد بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلا وهو حاضر عندك 107.
فلما عاين سليمان وملؤه ذلك، ورآه مستقرًّا عنده {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي} [النمل: 40] .
أي: هذا من نعم الله علي {لِيَبْلُوَنِي} أي: ليختبرني، {أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} .
وقوله: {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] .
أي: هو غني عن العباد وعبادتهم، كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد 108.
ثم أمرهم فقال: {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا} [النمل: 41] .
أي: غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته، سواء بالزيادة والنقصان منه أو جعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه أو بتغيير الألوان 109.
والسبب في ذلك هو اختبارها: {نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 41] .
أي: ننظر أتعرف عرشها بعد تنكيرها فتكون معرفتها سببًا لإيمانها - لأن الإتيان به يكون معجزة دالة على نبوة سليمان عليه السلام- أم لا؟ 110.
فلما جاءت بلقيس سليمان وقد كان العرش منكرًا بين يديه 111، {قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ} [النمل: 42] .
قال أبو حيان: «أي مثل هذا العرش الذي أنت رأيتيه عرشك الذي تركتيه ببلادك؟ ولم يأت التركيب: أهذا عرشك؟ جاء بأداة التشبيه، لئلا يكون ذلك تلقينًا لها.
ولما رأته على هيئة لا تعرفها فيه، وتميزت فيه أشياء من عرشها، لم تجزم بأنه هو، ولا نفته النفي البالغ، بل أبرزت ذلك في صورة تشبيهية فقالت: {كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 42] وذلك من جودة ذهنها، حيث لم تجزم في الصورة المحتملة بأحد الجائزين من كونه إياه أو من كونه ليس إياه، وقابلت تشبيههم بتشبيهها» 112.
وعندها قال سليمان عليه السلام: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ} [النمل: 42] .
فهذا من تمام كلامه شكرًا لله على فضلهم عليها، وسبقهم إلى العلم بالله وبالإسلام. ومعناه: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته، وبصحة ما جاء من عنده قبل علمها بذلك.
ثم بين الله تعالى سبب كفر هذه المرأة مع ما هي عليه من الفطنة والذكاء؛ فقال: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [النمل: 43] .
أي: عن الإسلام، وإلا فلها من الذكاء والفطنة ما به تعرف الحق من الباطل؛ ولكن العقائد الباطلة تذهب بصيرة القلب {إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [النمل: 43] .
فاستمرت على دينهم، وانفراد الواحد عن أهل الدين والعادة المستمرة بأمر يراه بعقله من ضلالهم وخطئهم من أندر ما يكون؛ فلهذا لا يستغرب بقاؤها على الكفر 113.
وكان سليمان عليه السلام قد أمر الشياطين قبل قدومها أن يبنوا له قصرًا من زجاج أبيض، وأجرى من تحته الماء، ووضع سريره في صدره، فجلس عليه وعكف عليه الطير والجن والإنس، وإنما فعل ذلك ليزيدها استعظامًا لأمره، وتحققًا لنبوته، وثباتًا على الدين 114.
فلما جاءت دعاها لدخول هذا القصر، قال تعالى: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] .
وعندها حسبت القصر لشدة صفاء الزجاج واتصال الماء بسطحه الأسفل غمرة عظيمة من ماء، فعزمت على خوضها إظهارًا لتمام الاستسلام، وكشفت عن ساقيها؛ لئلا تبتل ثيابها فتحتاج إلى تغييرها.
وهنا بين لها سليمان الحقيقة فقال: إنه قصر مملس، من زجاج ليتصف بشفوفة الماء فيظن أنه لا حائل دونه 115.
والغرض أن سليمان عليه السلام اتخذ قصرًا عظيمًا منيفًا من زجاج لهذه الملكة؛ ليريها عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله، تعالى، وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره انقادت لأمر الله وعرفت أنه نبي كريم، وملك عظيم، فأسلمت لله عز وجل، وقالت: {قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} [النمل: 44] .
أي: بما سلف من كفرها وشركها وعبادتها وقومها الشمس من دون الله، وقالت: {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل: 44] .
أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده، لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا 116، ووصفته بربوبية العالمين لإظهار معرفتها بألوهيته تعالى وتفرده باستحقاق العبادة وربوبيته لجميع الموجودات التي من جملتها ما كانت تعبده قبل ذلك من الشمس 117.
جاء في تفسير بعض الآيات الواردة عن سليمان عليه السلام أقوال تقدح في مقام هذا النبي الكريم، وشبهات تنقص من قدرة نعرض لها في النقاط الآتية:
أولًا: إلقاء الجسد على كرسيه:
قال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ} [ص: 35] .
ونحن هنا سنعرض لأقوال المفسرين في هذه الآية، ونبين ما نراه صوابًا وبالله المستعان، فيا ترى ما هو الجسد الذي ألقي على كرسي سليمان عليه السلام؟
ذكر المفسرون في هذا الجسد أقوالًا:
الأول: إن هذا الجسد شيطان تمثل بسليمان عليه السلام وغصبه ملكه 118.
الثاني: إنه ولد لسليمان ولد فاجتمعت الشياطين، فقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد، لم ننفكّ من البلاء، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نخبله، فعلم سليمان، فأمر السّحاب فحمله، وعدا ابنه في السّحاب خوفًا من الشياطين، فعاتبه الحقّ تعالى على تخوّفه من الشياطين، ومات الولد، فألقي على كرسيه ميتًا جسدًا 119.
الثالث: إن الجسد هو سليمان عليه السلام نفسه مرض سليمان مرضًا كالإغماء حتى صار على كرسيه جسدًا كأنه بلا روح 120.
الرابع: إن الجسد المذكور هو نصف إنسان ولد لسليمان 121.
إلا أن القول الأول باطل من أوجه:
الوجه الأول: الاضطراب في سياق رواياته فمن ذلك:
الاختلاف في اسم هذا الشيطان قال الطبري: «ولقد ابتلينا سليمان وألقينا على كرسيه جسدًا شيطانًا متمثلًا بإنسان، ذكروا أن اسمه صخر وقيل: إن اسمه آصف وقيل: إن اسمه أصر وقيل: إن اسمه حبقيق» 122.
الاختلاف في سبب استيلاء هذا الشيطان على الخاتم على أقوال:
الأول: إن سليمان عليه السلام هو من أعطاه ذلك 123.
الثاني: إن الشيطان تمثل بصورة سليمان عليه السلام، وجاء إلى امرأته فأخذ الخاتم 124.
الثالث: إن سليمان عليه السلام طلب من هذا الشيطان أن يبين له كيف يفتن الناس؟ فطلب منه الشيطان أن يعطيه خاتمه لكي يعرفه بذلك، فدفعه له فرماه في البحر 125.
الرابع: إن الخاتم سقط من سليمان عليه السلام في البحر فتسلط عليه الشيطان 126.
الوجه الثاني: إنه ليس في جلوس الجن على الكرسي معنى الإلقاء إلا أن يتكلف.
الوجه الثالث: ما قاله القاضي عياض: «ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور، في حكمه؛ لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله» 127.
إذًا تبين مما سبق أن القول المشهور بين المفسرين لا يمكن أن يكون صوابًا لما سبق، فالأقوال الأخرى فليس فيها ما هو مرفوع سوى القول بالاستثناء فيتعين أنه الصواب، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داوود عليهما السلام: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، أو تسع وتسعين كلهن، يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله، فرسانًا أجمعون) 128.
وقد قال بهذا جمع من المفسرين كأبي حيان وأبي السعود وغيرهما 129.
ثانيًا: مسح سوق الخيل وأعناقها:
قال تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص: 31] .
في هذه الآية الكريمة يبين الله تعالى أن سليمان عليه السلام عرض عليه في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات -وهي التي تقف على ثلاث أرجل وطرف حافر الرابعة- والجياد: السراع 130.
وفي عدد هذه الخيل المعروضة قولان للمفسرين:
القول الأول: إنها عشرون فرسًا ذات أجنحة 131.
القول الثاني: إنها كانت الخيل التي شغلت سليمان عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس، فعقرها 132.
ولكن سياق الآيات يدل على أن القول الثاني هو الأشبه بالصحة، وذلك لأن العرض استمر من العصر إلى غروب الشمس، قال: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ} [ص: 31] .
والعشي يبدأ من العصر، واستمر هذا العرض إلى غروب الشمس كما قال تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} وهذا وقت طويل يقتضي خيلًا كثيرة، ما يجعل عرضها يستغرق هذا الوقت؛ ولهذا قال الإمام ابن كثير: «وهذا أشبه» 133.
وقال تعالى: {فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] .
والمعنى: آثرت حب الخيل واشتغلت بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا 134.
ثم قال: {رُدُّوهَا عَلَيَّ} [ص: 33] أي: ردوا الخيل علي 135.
ثم بين سبحانه ما فعل سليمان عليه السلام بهذه الخيل، فقال: {فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} [ص: 33] .
وقد ذكر المفسرون هنا أقوالًا هي:
الأول: المراد أنه قطع عراقيبها وأعناقها، وهذا قول أكثر المفسرين 136.
الثاني: إن سليمان عليه السلام جعل يمسح عراقيبها وأعناقها بيده شفقة عليها.
الثالث: معناه أنه حبسها في سبيل الله وكوى سوقها وأعناقها بكي الصدقة.
وقد اعترض أصحاب القول الأول على القول الثاني بقولهم: أيّ مناسبة بين شغلها إيّاه عن الصلاة وبين مسح أعرافها حبًّا لها؟!.
ورد الآخرون على القول الأول: بأنه فاسد إذ لا ذنب للحيوان، فكيف وجّه العقوبة إليه وقصد التّشفّي بقتله، وهذا يشبه فعل الجبّارين، لا فعل الأنبياء 137.
والذي يبدو لي أن الصواب هو القول الثاني لما يلي:
أولًا: الأصل في اللغة أن المسح باليد، أما أن يراد به القطع فهو مجاز والحقيقة مقدمة 138.
ثانيًا: أنه قول ابن عباس نقله عنه ابن جرير وابن أبي حاتم 139.
ثالثًا: ما قاله الطبري: «بأن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يكن إن شاء الله ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالًا من ماله بغير سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها باشتغاله بالنظر إليها» 140. والله أعلم.
ثالثًا: قول اليهود: إن سليمان كان ساحرًا:
قال تعالى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102] .
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية قولين:
الأول: قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرًا يركب الريح. فأنزل الله عذر سليمان 141.
الثاني: إن اليهود سألوا النبي- صلى الله عليه وسلم عن السحر وخاصموه به، فأنزل الله: واتبعوا ما تتلوا الشياطين إلى آخر الآية 142.
إذن فاليهود عليهم لعنة الله يقولون: إن سليمان عليه السلام كان ساحرًا، فكيف ترد شبهتهم هذه؟
ترد هذه الشبهة من وجهين:
الوجه الأول: في قوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة: 102] تكذيب لمن زعم ذلك، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر، وأن من كان نبيًا كان معصومًا منه 143.
قال القرطبي: «قوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} [البقرة: 102] تبرئة من الله لسليمان، ولم يتقدم في الآية أن أحدًا نسبه إلى الكفر، ولكن اليهود نسبته إلى السحر، ولكن لما كان السحر كفرًا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر» 144.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قد نص في كتابه أن سليمان عليه السلام نبي يوحى إليه.
قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ} [النساء: 163] .
وقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الأنعام: 84] .
إلى أن قال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ} [الأنعام: 89] .
قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14] .
ذكر الله سبحانه وتعالى أنه سخر الجن لنبيه سليمان عليه السلام يستعملهم في أعمال سبق أن ذكرناها، وقبل موته كلفهم بإتمام بيت المقدس، وفي زمان عملهم جاءه الموت.
قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ: 14] .
أي: فلما أمضينا قضاءنا على سليمان بالموت فمات 145، فأخفى الله سبحانه وتعالى موته عنهم لسببين:
الأول: ليكملوا بناء المسجد الذي بدأ عملهم فيه؛ قال بعض المفسرين: كانت الجن تعمل لسليمان عليه السلام في بناء مسجد بيت المقدس؛ فقرب موت سليمان وقد بقي من العمل بقية، فقبض الله روح سليمان وهو متكئ على عصا، وكانوا يظنون أنه حي، ويجتهدون في العمل 146.
الثاني: أن الجن كانوا يدعون علم الغيب بقوله: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14] .
ولكن ما هو معنى: {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} [سبأ: 14] ؟
يذكر المفسرون أقوالًا في بيان معناها:
الأول: إن معنى تبين: بان وظهر، فيكون المعنى: تبينت الجن للإنس أنهم لا يعلمون الغيب، بمعنى بان أمرهم وافتضحوا في ادعائهم الغيب.
الثاني: بمعنى علم وأدرك، فيكون معنى الآية علمت الجن وعرفوا أنهم لا يعلمون الغيب، والمقصود من هؤلاء جمهور الجن وعامتهم، فقد كان رؤساؤهم وكبارهم يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فيصدقونهم 147.
ومكث الجن في عملهم الشاق مدة طويلة قيل إنها سنة 148؛ إذ إن أكل الأرضة لعصاه يستغرق وقتًا طويلًا، وهذا يدل عليه قوله تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ} [سبأ: 14] .
قال الطبري: «لم يدل الجن على موت سليمان إلا دابة الأرض وهي الأرضة وقعت في عصاه، التي كان متكئا عليها فأكلتها» 149.
أما مدة حياته عليه السلام فقد كانت اثنتان وخمسون سنة، ملكه منها أربعون سنة، ذكر ذلك المؤرخون 150.
كان سليمان عليه السلام ملكًا نبيًا ساس مملكته وفق شرع الله تعالى، وقد أبان الله تعالى معالم سياسة هذا الملك العظيم والنبي الكريم في كتابه تعالى، ويمكن أن نبين شيئًا من ذلك في النقاط الآتية:
أولًا: السياسة الداخلية:
ظهرت سياسته في شأن المملكة الداخلي فيما يلي:
1.بناء دور العبادة.
قال تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ} [سبأ: 13] .
وقد ورد عن أئمة التفسير أن المحاريب هي المساجد، ومما يحسن ذكره هنا أنه عليه السلام جدد بناء المسجد الأقصى، فعن أبي ذر رضي الله عنه، قال: (قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال:(المسجد الحرام) قال: قلت: ثم أي؟ قال (المسجد الأقصى) قلت: كم كان بينهما؟ قال: (أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعد فصله، فإن الفضل فيه) 151.
وعن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن سليمان بن داود، لما بنى مسجد بيت المقدس، سأل الله خلالًا ثلاثة: سأل الله حكمًا يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله حين فرغ، من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه، أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه) 152، ويجمع بين الحديثين بأن المراد من بناء سليمان عليه السلام لمسجد بيت المقدس تجديده لا ابتداء بنائه 153.
2.صناعة أوعية الطعام لإطعام الرعية.
قال تعالى: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 13]
3.بناء البيوت والقصور.
قال تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [سبأ: 12] .
وقد سبق بيان ذلك.
4.استخراج اللؤلوء والجواهر من البحار.
قال تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ} [الأنبياء: 82] .
5.استخدام النحاس.
قال تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} [سبأ: 12] .
6.تخصيص مجلس لفض الخصومات.
قال تعالى: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] . ويحكم بالقرائن.
7.تنفيذ العقوبات فيمن يستحقها.
والعصاة من رعيته لهم عقوبات متنوعة من التعذيب أو القتل أو الحبس والتقييد.
قال تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21] .
وقال: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 38] .
8.إقامة العروض العسكرية.
قال تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص: 31] .
9.توزيع الجنود وتصنيفهم.
قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] .
وتخصيص حبس أوائلهم بالذكر دون سوق أواخرهم مع أن التلاحق يحصل بذلك أيضًا لأن في ذلك شفقة على الطائفتين، أما الأوائل فمن جهة أن يستريحوا في الجملة بالوقوف عن السير، وأما الأواخر فمن جهة أن لا يجهدوا أنفسهم بسرعة السير 154.
10.تشجيع الجنود وبث فيهم روح المبادرة للقيام بالمهام.
قال تعالى: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] .
11.شكر الله تعالى أمام الجنود؛ ليكون قدوة لهم في ذلك.
قال تعالى: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] .