فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 2431

والآية الرابعة في هذا المضمار كذلك قوله تعالى: {يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) } [المعارج:43 - 44] .

والآية الخامسة قوله تعالى: {قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) } [النازعات:8 - 9] .

وبقليل من التأمل في هذه الآيات السابقة ندرك أن جميع الآيات التي وردت في خشوع الأبصار تتحدث عن خشوع أبصار الكفار من أثر ذل العذاب يوم القيامة، هذا فيما عدا الآية الأولى آية سورة المؤمنون إذا اعتبرناها ضمن الآيات التي تتحدث عن خشوع الأبصار.

وهذا يجعلنا نروض أبصارنا على الخشوع، فلا نطلق لها العنان تنظر إلى ما يحلو لها، هنا وهناك دونما رقيب أو حساب، وإنما نعودها على النظر إلى الحلال، ونستعملها في طاعة الله، وأن يكون نظرنا عبرًا.

رابعًا: خشوع الأصوات:

صحيح أن الأصوات ليست من الجوارح؛ لكنها تصدر عن جارحة من الجوارح وهي اللسان، فكأن المقصود -والله أعلم- خشوع الجارحة التي تصدر الأصوات، ولولا أن الله سبب تلك الجارحة ما كان سيصدر هذا الصوت، إذن فحينما نتحدث عن خشوع الأصوات فمقصدنا خشوع الجوارح التي تصدر الأصوات فتسكن تلك الجوارح، أو سكون الأصوات وسكوتها.

يقول الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) } [طه:108] .

يقول السيد طنطاوي: وقوله: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} أى: وخفتت وسكنت الأصوات كلها هيبة وخوفًا من الرحمن عز وجل فلا تسمع -أيها المخاطب- في هذا اليوم الهائل الشديد إلّا همسًا، أي: إلا صوتًا خفيًّا خافتًا. يقال: همس الكلام يهمسه همسًا، إذا أخفاه، ويقال للأسد: الهموس، لخفاء وطئه 97.

وخشوع الأصوات في الآخرة يكون من المخلوقات قاطبة، فحينها لا فرق بين إنس وجن، ولا فرق بين مؤمن وكافر، سكتت وسكنت جميع الأصوات هيبة وخوفًا من الله عز وجل.

والعاقل الكيس الذي يمسك بزمام لسانه الذي تصدر عنه الأصوات في الدنيا، فلا يطلقه إلا في الخير، وما يرضي ربه تبارك وتعالى، فمن يفعل ذلك يأطر لسانه على الخشوع في الدنيا طواعية قبل الخشوع في الآخرة قسرًا، فيعود لسانه على الخشوع وصوته على السكون، وسيكون ذلك له إن شاء الله في الميزان.

الخشوع والتذلل لله تعالى ليس مقصورًا على الإنسان وأعضائه، وإنما يعم جميع مخلوقات الله عز وجل فالكل مخلوق لله، إذن فالكل عبيد له سبحانه متذلل له، لكن كل مخلوق له خشوعه الذي يليق به، والذي يتناسب معه، وربما خشع بعض المخلوقات خشوعًا لا يعلمه الإنسان.

قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .

ومن الآيات التي وردت في موضوع الخشوع: ما يخص خشوع الكائنات، فقد ورد من الآيات ما يتحدث عن خشوع الأرض، ومنها ما يتحدث عن خشوع الجبال، فحري بالبحث أن يتعرض لتلك الآيات ويفرد لكل منها إطلالة خاصة، كما أنه حري بالبحث أن ينظر في ورود هذه الكائنات في القرآن الكريم، فكان من اللائق أن يتعرض البحث للإعجاز العلمي ونحن في عصر العلم في خشوع الكائنات.

أولًا: خشوع الأرض:

عن خشوع الأرض ككائن من الكائنات ورد قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) } [فصلت:39] .

{وَمِنْ آيَاتِهِ} أي: الدالة على قدرته على إعادة الموتى {أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً} أي: هامدة لا نبات فيها بل هي ميتة {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} أي: أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار 98.

ثانيًا: خشوع الجبال:

قال الله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الحشر:21] .

يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن ومبينًا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} .

أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه، ولهذا قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ} .

ثم ينقل قول العوفي عن ابن عباس في هذه الآية فيقول: أي: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه لتصدع وخشع من ثقله ومن خشية الله، فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع 99.

فحري بنا بني الإنسان أن نتعظ بهذه الآيات، ونتدبر القرآن ونخشع له امتثالًا لأمر الله عز وجل نعظم القرآن ونأخذ أوامره ونواهيه على سبيل الجد، حتى يؤثر فينا ويغير مجرى حياتنا إلى ماهو أفضل وأمثل.

أولًا: اليقين بلقاء الله:

اليقين له أهمية كبرى في حياة المسلم، فهو الذي يدفعه إلى الاستقامة في كل أموره، وهو الذي يهون عليه مشقات الحياة والابتلاءات التي تتوارد عليه، وهو الذي يجعله يثق بالله عز وجل، وهو الذي يعلي درجات الإيمان بالغيب، وهو الذي يجعل نفسه تتوق إلى الجنة فتسارع للعمل لها، وتحذر من النار فتتجنب ما يقرب منها.

قال ابن القيم: لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه، واليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان 100.

وقال صاحب الظلال: والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه، ويجد فيها طمأنينة ضميره، فالآيات لا تنشئ اليقين، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها، ويهيئ القلوب للتلقي الواصل الصحيح 101.

ويأتي هذا الوصف للخاشعين، وهو يقينهم بلقاء ربهم ويقينهم بالرجوع إليه واضح وصريح في القرآن الكريم.

ففي سورة البقرة يقول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:45 - 46] .

والمتأمل في هذا الكلام يدرك أن يقين هؤلاء بلقاء ربهم وخوفهم من الوقوف بين يدي ربهم تبارك وتعالى كان سببًا في خشوعهم وتذللهم وانكسارهم له سبحانه في الدنيا؛ لأنهم آمنوا بالبعث وأيقنوا بالرجوع إليه عز وجل للحساب.

يقول السيد طنطاوي: ثم وصف سبحانه الخاشعين وصفًا يناسب المقام، ويظهر وجه الاستعانة، فقال تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} .

(الظن) يرد في أكثر الكلام بمعنى الاعتقاد الراجح، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك، وقد يقوى حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع، وهو المراد هنا.

ومثل ذلك قوله تعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) } [المطففين:4 - 5] أي: ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم.

وقوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) } [الحاقة:20] أي: علمت أني ملاقٍ حسابيه، وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل 102.

قال ابن جرير -مرجحًا أن المراد بالظن هنا العلم واليقين-: إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله تعالى عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك، والشاك في لقاء الله كافر؟

قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ظنًّا: والشك ظنًّا نظير تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده 103.

ثانيًا: المسارعة في الخيرات:

الخاشعون الذين يخافون ربهم، ويخضعون له ويتذللون بين يديه في طاعتهم له، الذين من صفاتهم أنهم يوقنون بلقاء ربهم، وأنهم لا بد واقفون بين يديه للحساب، لذا فهم يسارعون في التقرب إلى الله بالطاعات، يرجون رحمته ويطمعون في نعيمه ويخافون عذابه، وقد تفهم المسارعة في الخيرات، وخوف العذاب.

لكن الرجاء ربما يلتبس على البعض، فأي رجاء هو؟ وهل له أصل في كتاب ربنا تبارك وتعالى؟ وما صلة ذلك بموضوعنا؟

هذا ما نتعرف عليه في السطور التالية إن شاء الله:

ورد في القرآن الكريم أكثر من آية تبين أن الخاشعين من صفاتهم أنهم يرجون نعيم الله عز وجل ويخافون عذابه، فحينما يتذللون يدعون ربهم خوفًا وطمعًا، رغبًا ورهبًا.

قال تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء 89 - 90] .

وقد ذكر ابن كثير أقوال المفسرين الأوائل فيها مما يوضح أن الخشوع هنا سببه الخوف والرجاء في آن واحد فيقول: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي: في عمل القربات وفعل الطاعات {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قال الثوري: رغبًا فيما عندنا ورهبًا مما عندنا {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، أي: مصدقين بما أنزل الله، ... وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا، وقريبًا منه مانقله عن الحسن وقتادة والضحاك: {خَاشِعِينَ} أي: متذللين لله عز وجل 104.

إذن فمن يخشع لربه عز وجل في الدنيا يخشع وهو متلبس بالخوف من عذاب ربه، طامعًا في رحمته وجنته، فمن صفاته أنه في حله وترحاله على حالة من الحالتين الخوف أو الرجاء.

وينبغي للعبد المسلم أن يجمع بين الخوف من الله عز وجل والرجاء في رحمته ونعيمه، وأن يكونا عند المسلم على درجة واحدة، فلا يغلب أحدهما على الآخر، قال أبو علي الروزباري: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت 105.

والجمع بين الخوف والرجاء كما ذكرنا آنفًا من صفات الخاشعين، وقد ورد في القرآن الكريم الكثير من الآيات التي تجمع بينهما، أو ما يبعث على أن يكون الإنسان بين الخوف والرجاء، فقال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} [الأعراف:56] .

قال القرطبي: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا} أمر بأن يكون الإنسان في حالة ترقب وتخوف وتأميل لله عز وجل حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر، يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان 106.

وقال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } [الحجر:49 - 50] .

قال الشوكاني: ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة أمره بأن يذكر لهم شيئًا مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} ، أي: الكثير الإيلام، وعندما جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير صاروا في حالة وسطًا بين اليأس والرجاء، وخير الأمور أوساطها، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف وبين حالتي الأنس والهيبة. وقال تعالى: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3) } [غافر:3] 107.

ويبين الله لنا في هذه الآية الكريمة أنه مع مغفرته للذنوب لمن تاب ورجع إليه، فإنه شديد العقاب لمن تكبر وطغى.

قال ابن كثير: وقوله عز وجل: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه، وقوله جل وعلا: {شَدِيدِ الْعِقَابِ} أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى، وهذه كقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف 108.

وقال ابن عاشور: وتقديم: {غَافِرِ} ، على: قابل التوب، مع أنه مرتب عليه في الحصول؛ للاهتمام بتعجيل الإعلام به لمن استعد لتدارك أمره فوصف: {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} ، تعريض بالترغيب وصفتا: {شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ} ، تعريض بالترهيب، والتوب: مصدر تاب والتوب بالمثناة والثوب بالمثلثة والأوب كلها بمعنى الرجوع، أي: الرجوع إلى أمر الله وامتثاله بعد الابتعاد عنه 109.

ويضم ربنا تبارك وتعالى الخاشعين والخاشعات مع المسلمين والمؤمنين والقانتين والصابرين والمتصدقين والصائمين والحافظين فروجهم والذاكرين له كثيرًا، ويؤكد لنا أن هؤلاء جميعًا أعد لهم مسبقًا مغفرة وأجرًا عظيمًا فقال: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) } [الأحزاب:35] .

الخشوع: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته، كما في الحديث (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) 110.

ثالثًا: الاستعانة بالصبر والصلاة:

من صفات الخاشعين لله عز وجل استعانتهم بالصبر والصلاة بعد استعانتهم بالله، فالصبر يجعلهم يتحملون المشقات في فعل الطاعات، والمكاره في البعد عن السيئات، والصلاة تصلهم بخالقهم، فيتحركون ويسكنون مستشعرين مراقبة ربهم لهم.

وبَيَّنَ القرآن الكريم في سورة البقرة أن الاستعانة بالصبر والصلاة شاقة ثقيلة إلا على الخاشعين، فالخاشعون من أوصافهم أنهم يستعينون بالصبر والصلاة.

قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [البقرة:45] .

والضمير في قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} عائد إلى الصلاة، أي: مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: المصدقين بما أنزل الله. وقال مجاهد: المؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية: {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} الخائفين. وقال الضحاك: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته الخائفين سطوته المصدقين بوعده ووعيده 111.

والمراد بالخاشع هنا: الذي ذلل نفسه وكسر سورتها، وعودها أن تطمئن إلى أمر الله، وتطلب حسن العواقب، وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة.

فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير. وكأن المراد بالخاشعين هنا: الخائفون الناظرون في العواقب فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما في الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من التزام أوقات معينة وطهارة في أوقات قد يكون للعبد فيها اشتغال بما يهوى أو بما يحصّل منه مالًا أو لذة 112.

والخشوع يجعل الإنسان يستحضر عظمة الله، ويعرف ضآلة قيمته أمام الحق سبحانه ومدى عجزه أمام خالق هذا الكون. ويعلم أن كل ما عنده يمكن أن يذهب به الله تعالى في لحظة، ذلك أننا نعيش في عالم الأغيار. ولذلك فنخضع للذي لا يتغير 113.

قال السيد طنطاوي: واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإسلام، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر 114.

والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم 115.

قال الشعراوي: فإن المسألة ليست بخصوصية الموضوع ولكن بعموم السبب، فإنها موجهة للجميع، فكل مؤمن يدخل منهج الإيمان محتاج إلى الاستعانة بالصبر ليحمل نفسه على مشقة المنهج وتكاليفه، وليمنع نفسه عن الشهوات التي حرمها الله سبحانه وتعالى 116.

ومما يؤيد عمومية الخطاب في الآية السابقة؛ خطابه للمؤمنين جميعًا في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } [البقرة:153] .

فمن يدقق النظر في الأمر الأول في الآية يجد أن أصل التدين والإيمان راجع إلى الصبر؛ لأن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو غيب عما يشاهده ويحسه، وفيه طاعة خالق لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار؛ فإذا صار الصبر خلقًا وسجية للمسلم هانت عليه الصعاب والمشقات؛ لأنه خاضع للحق، قابل له بسعة صدر.

والأمر الثاني في الآية هو الاستعانة بالصلاة، وهذا الطلب يعلمنا فيه ربنا تبارك وتعالى كيفية الشكر له على نعمه وآلائه، يعلمنا فيه كذلك الطريق الميسرة للخضوع الحقيقي لأوامره ونواهيه.

وفي الاستعانة بالصلاة أيضًا تعويد للنفس على الصبر من أكثر من جهة:

ففيها أولًا مخالفة الحال التي اعتادها المسلم، وفيها ثانيًا تجلية الأحزان وكشف الكربات؛ وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة) 117.

وفي الصلاة أكبر عون، بعد الله على الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد. فأمرنا الله سبحانه إذا نزلت بنا بعض النوازل أن نفزع إلى الصبر والصلاة، إذ بهما العون والثبات وتفريج الهموم والراحة القلبية والنفسية.

وإذا كان المراد بالكبيرة هنا الصعبة التي تشق على النفوس؛ وإطلاق «الكبر» على الأمر الصعب والشاق أمر معهود في كلام العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير، وقوله تعالى: {إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} الخاشع هنا هو من ذلل نفسه وضبط شهوتها بضوابط الشرع الحنيف، فتصبح النفس حينئذ مطاوعة لأمر الله، راغبة في أمره وراهبة من نهيه.

إذن فالقرآن الكريم يؤكد على الدور الكبير للخشوع في المحافظة على الصلاة، لأن كثيرًا من المسلمين لا يلتزمون بالصلاة على الرغم من محاولاتهم المتكررة إلا أنهم يفشلون في المحافظة عليها لأنهم فقدوا الخشوع، ولذلك يقول تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [البقرة:45] .

وهكذا يتبين الدور الكبير للخشوع في الصلاة، ولذلك ربط القرآن بين الصلاة والخشوع، والعجيب أن القرآن في هذه الآية ربط بين الصبر والخشوع، وقد وجد العلماء بالفعل أن التأمل يزيد من قدرة الإنسان على التحمل والصبر ومواجهة الظروف الصعبة! 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت