فهرس الكتاب

الصفحة 2115 من 2431

محمد صلى الله عليه وسلم

أولًا: اسمه ونسبه:

هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب -واسم عبد المطلب: شيبة - بن هاشم - واسم هاشم: عمرو - بن عبد مناف - واسم عبد مناف: المغيرة - بن قصي -واسم قصي زيد- بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة - واسم مدركة: عامر - بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان 1.

واسم (محمد) «منقول من صفة، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار. فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة. وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن يسمي به نفسه. فهذا علم من أعلام نبوته، إذ كان اسمه صادقًا عليه، فهو محمود في الدنيا لما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ» 2.

«وأحمد اسم نبينا صلى الله عليه وسلم. وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. فمعنى أحمد أي: أحمد الحامدين لربه. والأنبياء صلوات الله عليهم كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدًا» 3.

وقيل: إنه «مبالغة في المفعول، أي: الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال الحميدة وهو أكثرهم مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها» 4.

«ثم إنه لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه؛ فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: اسمه أحمد. وذكره موسى عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذكره قبل أن يذكره بمحمد؛ لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له. فلما وجد وبعث كان محمدًا بالفعل» 5.

وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي) 6.

وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: (أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الملحمة) 7.

ويعود نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وهو من قبيلة قريش، أفضل العرب وأشرفها.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم) 8.

وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ولدته: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ابن كلاب.

وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته حتى شب: حليمة بنت الحارث بن سجنة السعدية. من بني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان، بن مضر 9.

ومات أبوه عبد اللَه بن عبد المطلب -ورسول اللَه صلى اللَه عليه وسلم حمل في بطن أمه- بالمدينة 10.

ثانيًا: زمانه ومكانه:

ولد صلى الله عليه وسلم في مكة، عام الفيل، يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول، واختلف في تحديد تاريخه 11. وبعث صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة.

ورد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسم (محمد) في القرآن الكريم (4) مرات، في (4) سور، وهي:

السورة ... الآيات

آل عمران ... 144

الأحزاب ... 40

محمد ... 2

الفتح ... 29

وهناك موضع خامس: عدل فيه إلى اسم أحمد بسبب وقوعه في سياق الإخبار عن بشرى عيسى عليه السلام ببعثته عليه الصلاة والسلام {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6) } [الصف:6] .

كل نداء نودي محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم كان بأوصاف، لا باسمه الشريف.

ومن تلك الأوصاف:

إن أكثر ما يدعى به محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم النبي والرسول، مثال ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ?) [الطلاق:1] .

وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) [التحريم:1] .

وقوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) [المائدة:67] .

وتعلن هاتان الصفتان عن منزلة التكريم التي يمتدح الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ويشهد له بها: (لَ?كِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ? أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ شَهِيدًا) [النساء:166] .

وقد وقع العدول في هذه الآيات ونحوها عن مناداته صلى الله عليه وسلم باسمه إلى مناداته بوصفي «النبي» و «الرسول» بغرض التكريم وبيان رفعة المنزلة، وذلك أن «الأصل في النداء أن يكون باسم المنادى العلم إذا كان معروفًا عند المتكلم، فلا يعدل من الاسم العلم إلى غيره من وصف أو إضافة إلا لغرض يقصده البلغاء من تعظيم وتكريم نحو: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ) [الأنفال:64] .

أو تلطف وتقرب نحو: يا بني ويا أبت، أو قصد تهكم نحو: (. وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) [الحجر:6] » 12.

فأما لفظ (النبي) فهو مشتق من (نبأ) أو (أنبأ) بمعنى: أخبر 13.

والنبوة: «سفارة بين الله وبين ذوي العقول؛ لإزاحة عللهم في أمر معادهم ومعاشهم» 14.

«والنبي: من أوحى الله إليه بإصلاح أمر قوم بحملهم على شريعة سابقة، أو بإرشادهم إلى ما هو مستقر في الشرائع كلها» 15.

وأما الرسول فـ: «هو الرجل المبعوث من الله إلى الناس بشريعة، فالنبي أعم من الرسول» 16، وكلاهما صفة مدح وتشريف في حق محمد صلى الله عليه وسلم.

ولإن كانت صفتا (النبي) و (الرسول) أكثر صفتين يدعى بهما في القرآن الكريم، فإنهما الصفتان اللتان يوصف بهما عليه الصلاة والسلام للناس في سياق الحث على الإيمان به: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ ?) [النساء:170] .

وعلى الإقرار بالحق الذي جاء به: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ? قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة:15] .

وعلى طاعته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ? فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ? ذَ?لِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) [النساء:59] .

وعلى اتباعه وترك التقدم بين يديه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?1?ں) [الحجرات:1] .

وعلى توقيره ومعرفة قدره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ?2? [الحجرات:2] .

وعلى ترك ما يؤذيه: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا ? إِنَّ ذَ?لِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا) [الأحزاب:53] ونحو ذلك بمعنى: قد وجب ذلك له؛ لأنه نبي الله ورسوله.

كما نسبه الله عز وجل إلى ذاته العلية رفعًا لشأنه وتعظيما لمقامه: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ? فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى? رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) [المائدة:92] .

(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَ?كِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ? وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ?40?) [الأحزاب:40] .

(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [التوبة:61] .

وهذه نسبة تشريف، ورفع لقدره، ودلالة على مقامه، حتى اختصه الله بخلته، وقرن اسمه باسمه عليه الصلاة والسلام.

ومن الأسماء التي دعي بها محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم:

(المزمل) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) [المزمل:1 - 2] .

وتعني: «الملتف في ثيابه، وأصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، فثقلت. وكل من التف بثوبه فقد تزمل» 17.

(المدثر) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ) [المدثر:1 - 2] .

وأصله أيضًا: «المتدثر، فأدغمت التاء، كما في المتزمل، وهذا في قول الجمهور؛ من التدثير بالثياب. وقيل: المعنى: يا أيها المدثر بالنبوة، وأثقالها، قال عكرمة: دثرت هذا الأمر فقم به» 18.

ولهذين الاسمين ارتباط بما روى البخاري في كتاب التفسير من حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي ماءً باردًا. قال: فدثروني وصبوا علي ماءً باردًا. قال: فنزلت (ھ ھ ے ے يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ(1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) [المدثر:1 - 3] .) 19.

ولأن الحديث نص على أن الواقعة نزلت بسببها سورة المدثر، فقد ذكرها الإمام البخاري سببا لنزولها وحدها دون آيات سورة المزمل، وإن كان الحديث قد تضمن لفظ «زملوني» وكذلك فعل مشاهير المفسرين 20، ثم ذكروا في سبب تسميته صلى الله عليه وسلم بالمزمل أوجهًا.

قال ابن الجوزي: «قال المفسرون: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه في أول ما جاء جبريل فرقًا منه حتى أنس به. وقال السدي: كان قد تزمل للنوم. وقال مقاتل: خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه جبريل: يا أيها المزمل. وقيل: أريد به متزمل النبوة. قال عكرمة: في معنى هذه الآية: زملت هذا الأمر، فقم به» 21.

والمتأمل لهذه الأقوال يجد أن بعضها حمل اللفظ على ظاهره، ويحتاج عند ذلك إلى الاستناد على واقعة تنقل من طريق الرواية، وهي أن يكون قد تزمل في ثيابه في أول ما جاء جبريل خوفًا منه حتى أنس به، أو أن يكون قد تزمل للنوم، أو أن يكون قد خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه جبريل: يا أيها المزمل. وأما باقي الأقوال فقد عدل عن الظاهر فقيل: أراد متزمل النبوة، أو زملت هذا الأمر، فقم به.

قال ابن العربي: «واختلف في تأويله، فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يا من تلفف في ثيابه أو في قطيفته قم، قاله إبراهيم وقتادة.

ومنهم من حمله على المجاز كأنه قيل له: يا من تزمل بالنبوة. روي عن عكرمة أنه قال: معناه يا من تزمل، أي: زملت هذا الأمر فقم به» 22.

ثم قال: «فأما العدول عن الحقيقة إلى المجاز فلا يحتاج إليه لاسيما وفيه خلاف الظاهر؛ وإذا تعاضدت الحقيقة والظاهر لم يجز العدول عنه.

وأما قول عكرمة: إنك زملت هذا الأمر فقم به؛ وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة مشددة بصيغة المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما وهو بلفظ الفاعل فهو باطل.

وأما قول من قال: إنه زمل بالقرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه كما قدمنا لا يحتاج إليه 23.

وهذا النداء كما عدل فيه عن مناداته صلى الله عليه وسلم باسمه، فقد عدل فيه عن مناداته بـ «النبي» و «الرسول» .

فأما العدول فيه عن وصف النبي والرسول، فقيل في سببه: «إنما لم يخاطب بالنبي والرسول هاهنا، لأنه لم يكن قد بلغ، وإنما كان في بدء الوحي» 24.

وفيه ملاطفة للنبي صلى الله عليه وسلم، كما فيه تنشيط لمن حاله النوم كي يقوم للعبادة، قال القرطبي: «وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان:

إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها، كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنهما، فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: (قم يا أبا تراب) إشعارًا له أنه غير عاتب عليه، وملاطفة له. وكذلك قوله عليه السلام لحذيفة: (قم يا نومان) وكان نائمًا ملاطفة له، وإشعارًا لترك العتب والتأنيب. فقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «يا أيها المزمل قم» فيه تأنيس وملاطفة؛ ليستشعر أنه غير عاتب عليه.

والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه؛ لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة» 25.

ولعل في الوصفين تنبيها إلى الحال التي صار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما أوحى الله إليه، بسبب أنه لم يكن قد توقع نزول الوحي عليه ولا رجاه أو طلبه، والله أعلم.

كما أن فيها تنبيها على رأفة الله به وحمله على القيام برسالته على جهة التأنيس والتلطف، وكل ذلك لا يخرج عن سياق الدلالة على رفعة الشأن والمقام.

وهناك صفة أخرى دلت عليه فكانت في عرف السامع كاسمه الدال عليه، وهي إذا تعلقت بمحمد صلى الله عليه وسلم اكتسبت بعد المدح له والثناء عليه، بل اكتسبت أعلى درجات المدح والتشريف، وهي صفة العبودية، كما في قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأنفال:41] .

وقوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [الإسراء:1] ونحوها.

فالإضافة في (عبدنا) و (عبده) «إضافة تشريف لا إضافة تعريف؛ لأن وصف العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفا» 26.

قال في الجامع لأحكام القرآن: «قال العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية» 27 يعني: حين أسري به.

وقد «ذكروا أنه لم يعبر الله تعالى عن أحد بالعبد مضافًا إلى ضمير الغيبة المشار به إلى الهوية إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك من الإشارة ما فيه» 28.

كما أن في التعبير بوصف «العبودية» في هذا المقام سد لباب الغلو في نبي الله صلى الله عليه وسلم، كما فعلت النصارى مع عيسى عليه السلام 29.

محمد صلى الله عليه وسلم هو استجابة الله لدعوة الخليل عليه السلام أن يبعث الله في ذريته رسولًا يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، كما قص القرآن الكريم خبر دعائه حين قال: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) } [البقرة:128 - 129] .

روى الحاكم عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم قالوا: (يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك؟ فقال:(دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى من أرض الشام) 30.

قال الشنقيطي: «قوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} لم يبين هنا من هذه الأمة التي أجاب الله بها دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبين هنا أيضا هذا الرسول المسؤول بعثه فيهم من هو؟ ولكنه يبين في سورة الجمعة أن تلك الأمة العرب، والرسول هو سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} [الجمعة:2 - 3] لأن الأميين العرب بالإجماع، والرسول المذكور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إجماعًا، ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم، ولا ينافي ذلك عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الأسود والأحمر» 31.

وقد نص القرآن الكريم على أن وصف النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الكتب السابقة، في قوله تعالى مخاطبا نبيه موسى عليه السلام: {قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) } [الأعراف:156 - 157] .

وأن من أهل الكتاب قومًا عرفوا النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه كما يعرفون أبناءهم: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146] .

وهم علماؤهم الذين يقرؤون الكتاب، قال في البحر المحيط: «فقال سبحانه: الذين آتيناهم الكتاب واخترناهم لتحمل العلم والوحي، يعرفون هذا الذي خاطبناه في الآي السابقة وأمرناه ونهيناه، لا يشكون في معرفته، ولا في صدق أخباره، بما كلفناه من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس بالكعبة، لما في كتابهم من ذكره ونعته، والنص عليه يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل» 32.

والذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم هو محمد صلى الله عليه وسلم «قال قتادة والسدي وابن جريج: الضمير عائد في {يَعْرِفُونَهُ} على محمد عليه السلام ورسالته، وذلك على ما في قوله: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ} [الأنعام:19] .

فكأنه قال: وأهل الكتاب يعرفون ذلك من إنذاري والوحي إلي» 33.

قال ابن عطية: «وتأول ابن سلام رضي الله عنه المعرفة بالابن تحقق صحة نسبه، وغرض الآية إنما هو الوقوف على صورته فلا يخطئ الأب فيها» 34.

ولكن فريقًا منهم كتموا الحق الذي عرفوه واستيقنوه: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة:146] «أي: (فريقًا) من الذين آتيناهم الكتاب، وهم المصرون على الكفر والعناد من علماء اليهود والنصارى، على أحسن التفاسير في الذين آتيناهم الكتاب، وأبعد من ذهب إلى أنه أريد بهذا الفريق جهال اليهود والنصارى، الذين قيل فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78] . للإخبار عن هذا الفريق أنهم يكتمون الحق وهم عالمون به، ولوصف الأميين هناك بأنهم لا يعلمون الكتاب إلا أماني.

والحق المكتوم هنا هو نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله قتادة ومجاهد، والتوجه إلى الكعبة، أو أن الكعبة هي القبلة، أو أعم من ذلك، فيندرج فيه كل حق» 35.

وقد كان هذا سببًا لخسرانهم عند الله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) } [الأنعام:20] .

فقد «قيل: أريد بهم أهل الكتاب، أي: الذين كتموا الشهادة، فيكون {الَّذِينَ خَسِرُوا} بدلًا من {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} » 36.

وأما مرد هذه المعرفة فإلى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد كتب وصفه في الكتب السابقة كما تقدم، ولا يضر كتمان فريق من علمائهم وصفه.

قال ابن تيمية: «ثم العلم بأن الأنبياء قبله بشروا به يعلم من وجوه:

أحدها: ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب من ذكره.

الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب وغيرها من كتب أهل الكتاب ممن أسلم ومن لم يسلم بما وجدوه من ذكره فيها.

وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه، وأنه رسول الله؛ وأنه موجود عندهم، وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام، حتى آمن الأنصار به وبايعوه من غير رهبة ولا رغبة. ولهذا قيل: إن المدينة فتحت بالقرآن لم تفتح بالسيف كما فتح غيرها» 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت