فهرس الكتاب

الصفحة 632 من 2431

وتحية الإسلام حيا الله تعالى بها جميع المرسلين بقوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ) [الصافات:181] .

وهي تحية أهل الجنة بعضهم بعضًا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ? تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ?9?) [يونس:9 - 10] .

وهي تحية الملائكة المطهرين للصالحين أهل الجنة (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ?23?سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ?24?) [الرعد:23 - 24] .

والسلام تحية المؤمنين من الله في الجنة يوم يلقونه سبحانه: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ? وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا) [الأحزاب:44] .

والسلام تحية خزنة الجنة من الملائكة لأهل الجنة: (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) [الزمر:73] .

وتحية الإسلام فيها من شمول المعنى لكل سلامة من كل آفة، وأمن من كل مخالفة، وصدق في الدعاء، ما لا نظير له في جميع تحايا الأمم من العرب وغيرهم، فتحية الإسلام كمال لا خداج فيها، وصدق لا كذب فيها 36.

أولًا: أسماء الله وصفاته:

من مجالات البركة أسماء الله تعالى وصفاته، حيث وصف سبحانه وتعالى نفسه في غير ما آية من القرآن الكريم مرة بالبركة وصفًا لذاته سبحانه (تبارك الله) ، ومرة أخرى وصفًا لاسمه سبحانه (تبارك اسم ربك) ، ومرة ثالثة أدخل سبحانه وصف البركة على ما يشير إليه قوله عز وجل: (تبارك الذي) .

وهذا يدل على استحقاق ذاته سبحانه للبركة، واستحقاق اسمه الشريف (الله) لذلك أيضًا، واستحقاق ما يشير إليه سبحانه بذلك، وكل ما يتصل به جل وعلا.

والملاحظ في وصفه سبحانه لذاته بالبركة أو وصف اسمه جل وعلا بذلك أو وصف ما يشير إليه تعالى أنه ليس وصفًا خاليًا من التعليل أو الحكمة، بل لدينا في كل آية تخص «الذات الشريفة أو الاسم الشريف أو الإشارة إليه عز وجل» من ثوابت قدرته ومقام عظمته سبحانه ما يستحق الوصف بذلك، ومع الآيات وهداياتها، وأسرارها نمضي لإقامة الحجة وبيان البرهان الساطع على ما نقول.

ففي قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى? عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ? أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ? تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ?54?) [الأعراف:54] .

بيان للربوبية، والألوهية التي من آثارها خلق السماوات والأرض في مقدار ستة أيام، ثم الاستواء على العرش استواء يليق بذاته سبحانه وتعالى، ثم ستر الليل النهار فيصير الجو مظلمًا بعد ما كان مضيئًا، يطلبه حثيثًا، أي: سريعًا طبق الحكمة والكمال، كما احتوت الآية الكريمة من عجائب القدرة تذليله سبحانه وتعالى للشمس وللقمر وللنجوم السيارة؛ إذ الكل مأمور بأمره يسخرهن سبحانه كما يشاء، وهن من آيات الله العظيمة، ألا له سبحانه وتعالى الخلق كله وله الأمر كله، تعالى الله وتعاظم وتنزه عن كل نقص، رب الخلق أجمعين.

وختم الآية الكريمة بـ (تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) الذي هو وصف خاص به سبحانه «لم يجئ منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل» 37 مشعرٌ بما احتوته من دلائل القدرة، وفيوضات الربوبية، يقول الفخر الرازي: «إذا دققت النظر علمت أن عالم الخلق في تسخير الله، وعالم الأمر في تدبير الله، واستيلاء الروحانيات على الجسمانيات بتقدير الله، فلهذا المعنى قال: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) ثم قال بعده: (تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) والبركة لها تفسيران:

أحدهما: البقاء والثبات.

والثاني: كثرة الآثار الفاضلة، والنتائج الشريفة.

وكلا التفسيرين لا يليق إلا بالحق سبحانه، فإن حملته على الثبات والدوام، فالثابت والدائم هو الله تعالى؛ لأنه الموجود الواجب لذاته، العالم لذاته القائم بذاته الغني في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه عن كل ما سواه، فهو سبحانه مقطع الحاجات ومنهى الافتقارات وهو غنيٌ عن كل ما سواه في جميع الأمور.

وأيضًا إن فسرنا البركة بكثرة الآثار الفاضلة فالكل بهذا التفسير من الله تعالى؛ لأن الموجود إما واجبٌ لذاته، وإما ممكنٌ لذاته، والواجب لذاته ليس إلا هو، وكل ما سواه ممكنٌ، وكل ممكنٍ فلا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته، وكل الخيرات منه، وكل الكمالات فائضةٌ من وجوده وإحسانه، فلا خير إلا منه، ولا إحسان إلا من فيضه، ولا رحمة إلا وهي حاصلةٌ منه، فلما كان الخلق والأمر ليس إلا منه، لا جرم كان الثناء المذكور بقوله: فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [غافر:64] . لا يليق إلا بكبريائه، وكمال فضله، ونهاية جوده ورحمته» 38.

ومن الآيات التي وصفت ذات الله بالبركة:

قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ?12?ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ?13?ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ?14?) [المؤمنون:12 - 14] .

والملاحظ أن هذه الآية الكريمة قدمت للوصف بالبركة بمقدمات كلها معجز، ومختص بذات الله وحكمه وقدرته سبحانه حيث خلق آدم من طين، وخلق بنيه من نطفة، ثم خلق النطفة علقة أي: دمًا أحمر، فخلق العلقة -بعد أربعين يومًا- مضغة، أي: قطعة لحم قدر ما يمضغ، فخلق المضغة اللينة عظامًا، فكسا العظام لحمًا، ثم أنشأه خلقًا آخر بنفخ الروح فيه، ثم يأتي الختام بـ (تَبَارَكَ اللَّهُ) الذي أحسن كل شيء خلقه.

وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ? ذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ? فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ?64?) [غافر:64] .

وصف فيه الحق سبحانه ذاته بالبركة، وقدم بصور تمثل قدرته سبحانه وإرادته من جعله الأرض مستقرًا لنا، ميسرة لإقامتنا عليها، وجعله السماء سقفًا للأرض، وبثه سبحانه فيها من العلامات الهادية، ومن خلقه إيانا على أكمل هيئة وأحسن تقويم، ومن إنعامه علينا بحلال الرزق، ولذيذ المطاعم والمشارب، ذلكم المنعم المتفضل هو ربنا وخالقنا، فتكاثر خيره وفضله وبركته، وتنزه عما لا يليق به، وهو رب الخلائق أجمعين.

وكما ورد الوصف بالبركة لذات الله تعالى، فإنه قد ورد كذلك مقترنًا باسم الله تعالى في قوله تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:78] .

فقوله تعالى: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) تنزيهٌ وتقديسٌ له تعالى فيه تقريرٌ لما ذكر في سورة الرحمن من آلائه الفائضة على الأنام، أي: تعالى اسمه الجليل الذي من جملته ما صدرت به السورة من اسم الرحمن المنبئ عن إفاضته الآلاء المفصلة، وارتفع عما لا يليق بشأنه من الأمور التي من جملتها جحود نعمائه وتكذيبها، وإذا كان حال اسمه بملامسة دلالته عليه فما ظنك بذاته الأقدس الأعلى، وقيل: الاسم بمعنى الصفة (ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) وصف به الرب تكميلًا لما ذكر من التنزيه والتقرير 39.

«والبركة واجبة لاسم الله عز وجل الذي هو كلمة مؤلفة من حروف الهجاء، ونحن نتبرك بالذكر له وبتعظيمه ونجله ونكرمه، فله التبارك، وله الإجلال منا ومن الله تعالى، وله الإكرام من الله تعالى ومنا، حيثما كان من قرطاس، أو في شيء منقوش فيه، أو مذكور بالألسنة، ومن لم يجل اسم الله عز وجل كذلك ولا أكرمه، فهو كافر بلا شك. انتهى كلامه رحمه الله» 40.

واقتران البركة باسم الله يعني: الدوام والثبوت لاسمه الشريف، أو دوام الخير عنده سبحانه، وعلو شأنه عز وجل، أي: تبارك ذكر ربك يا محمد، ذي العظمة، ومن له الإكرام من جميع خلقه، أو أن البركة تكتب وتنال وتكسب بذكر اسمه.

قال ابن كثير: «الاسم معظمٌ لتعظيم الذات المقدسة، و (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) أي: هو أهلٌ أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يذكر فلا ينسى» 41.

ويقول الشهاب: «كما يجب تعظيم ذاته تعالى يجب تعظيم أسمائه وتنزيهها عما لا يليق بها 42 فاسمه -جل شأنه- ما يمكننا أن نعلم منه ما نعلم من صفاته، وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله» 43.

وفي بيان مناسبة بركات الله علينا من خلال سورة الرحمن، وفي بيان وجوه معاني (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) :

يقول الفخر: «أنه تعالى لما ختم نعم الدنيا بقوله تعالى: (وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:27] .

ختم نعم الآخرة بقوله: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:78] .

إشارةً إلى أن الباقي والدائم لذاته هو الله تعالى لا غير والدنيا فانية، والآخرة وإن كانت باقيةً لكن بقاؤها بإبقاء الله تعالى، ثانيها: هو أنه تعالى في أواخر هذه السور كلها ذكر اسم الله فقال في السورة التي قبل هذه: (عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر:55] .

وكون العبد عند الله من أتم النعم كذلك هاهنا بعد ذكر الجنات وما فيها من النعم، قال: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن:78] .

إشارةً إلى أن أتم النعم عند الله تعالى، وأكمل اللذات ذكر الله تعالى، وأصل التبارك من البركة، وهي الدوام والثبات، ومنها بروك البعير وبركة الماء، فإن الماء يكون فيها دائمًا، وفيه وجوهٌ:

أحدها: دام اسمه وثبت.

وثانيها: دام الخير عنده؛ لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير.

وثالثها: تبارك بمعنى علا وارتفع.

وقال بعد ذكر نعم الدنيا: (وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ) [الرحمن 27] .

وقال بعد ذكر نعم الآخرة: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ) لأن الإشارة بعد عد نعم الدنيا وقعت إلى عدم كل شيءٍ من الممكنات وفنائها في ذواتها، واسم الله تعالى ينفع الذاكرين ولا ذاكر هناك يوحد الله غاية التوحيد، فقال: (وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ) والإشارة هنا وقعت إلى أن بقاء أهل الجنة بإبقاء الله ذاكرين اسم الله متلذذين به، فقال: (وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) أي: في ذلك اليوم لا يبقى اسم أحدٍ إلا اسم الله تعالى به تدور الألسن، ولا يكون لأحدٍ عند أحدٍ حاجةٌ بذكره، ولا من أحدٍ خوفٌ، فإن تذاكروا تذاكروا باسم الله» 44.

وكما دخلت البركة على العلم على الذات العلية، وعلى الاسم الشريف، دخلت على ما يشير إليه عز وجل، ومن ذلك قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى? عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرفان:1] .

حيث افتتحت السورة بما يدل على منتهى كمال الله تعالى افتتاحًا يؤذن بأن ما حوته يحوم حول تنزيه الله تعالى عن النقص الذي افتراه المشركون لما نسبوا إليه شركاء في الربوبية والتصرف معه والتعطيل لبعض مراده، ففي هذا الافتتاح براعة الاستهلال، و (تَبَارَكَ) المستعمل منه الماضي وحده، وزنه تفاعل، وهو مطاوع بارك من البركة، وبارك فاعل من واحد، معناه زاد.

و (تَبَارَكَ) فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره؛ ولذلك لم يصرف منه مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل أي: كثرت بركاته، ومن جملتها إنزال كتابه الذي هو الفرقان بين الحق والباطل، وجميع البركات منه سبحانه وحده، وهو يدل على التعظيم والمبالغة في وفرة الخير، وهو في مقام الثناء يقتضي العموم بالقرينة، أي: يفيد أن كل وفرةٍ من الكمال ثابتةٌ لله تعالى، بحيث لا يتخلف نوعٌ منها عن أن يكون صفةً له تعالى.

وصيغة تفاعل إذا أسندت إلى واحدٍ تدل على تكلف فعل ما اشتقت منه، نحو: تطاول وتغابن، وترد كنايةً عن قوة الفعل وشدته مثل: تواصل الحبل، وهو مشتقٌ من البركة، وهي زيادة الخير ووفرته، وهذا الكلام يجوز أن يكون مرادًا به مجرد الإخبار عن عظمة الله تعالى وكماله، ويجوز أن يكون مع ذلك إنشاء ثناءٍ على الله أثناه على نفسه، وتعليمًا للناس كيف يثنون على الله ويحمدونه، كما في (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الفاتحة:2] .

إما على وجه الكناية بالجملة عن إنشاء الثناء، وإما باستعمال الصيغة المشتركة بين الإخبار والإنشاء في معنييها، ولو صيغ بغير هذا الأسلوب لما احتمل هاذين المعنيين.

وجعل المسند إليه (الذي) اسم موصول للإيذان بأن معنى الصلة مما اشتهر به، كما هو غالب أحوال الموصول، فصارت الصلة مغنيةً عن الاسم العلم لاستوائهما في الاختصاص به؛ إذ يعلم كل أحدٍ أن الاختصاص بالملك الكامل المطلق ليس إلا لله 45.

قال أهل اللغة: كلمة (الذي) موضوعةٌ للإشارة إلى الشيء عند محاولة تعريفه بقضيةٍ معلومةٍ، وعند هذا يتوجه الإشكال، وهو أن القوم ما كانوا عالمين بأنه سبحانه هو الذي نزل الفرقان، فكيف حسن هاهنا لفظ (الذي) ؟ وجوابه: أنه لما قامت الدلالة على كون القرآن معجزًا ظهر بحسب الدليل كونه من عند الله، فلقوة الدليل، وظهوره أجراه سبحانه وتعالى مجرى المعلوم 46.

ومن أمثلة دخول البركة على ما يشير إليه سبحانه في قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَ?لِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) [الفرقان:10] .

وقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا [الفرقان:61] .

وقوله تعالى أيضًا في سورة الزخرف: (وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [الزخرف:85] .

وقوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الملك:1] .

وما أسلفناه عن صيغة تبارك ودخولها على الموصول ينطبق على كل نظير مع مراعاة السياق.

ومن مجالات البركة -فوق ما تقدم- مما يتصل بالله تعالى: وصف القرآن بالبركة.

قال تعالى: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا ? وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ? وَهُمْ عَلَى? صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) [الأنعام:92] .

يقول الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان عند تفسيره قوله تعالى: « (وَهَ?ذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ? أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) [الأنبياء:50] .

ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم ذكرٌ مباركٌ، أي: كثير البركات والخيرات؛ لأن فيه خيري الدنيا والآخرة ... ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن مباركٌ بينه في مواضع متعددةٍ من كتابه، كقوله تعالى في الأنعام: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام:155] .

وقوله فيها أيضًا: (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) [الأنعام:92] .

وقوله تعالى في ص: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) [ص:29] .

فنرجو الله تعالى القريب المجيب أن تغمرنا بركات هذا الكتاب العظيم المبارك بتوفيق الله تعالى لنا لتدبر آياته، والعمل بما فيها من الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمكارم والآداب، امتثالًا واجتنابًا، إنه قريبٌ مجيبٌ» 47.

ومما لا ريب فيه أن النظرة الموضوعية للآية لا تستغني بحال عن النظرة التحليلية؛ إذ التحليل يزيد من عبق موضوعية الآية، ويكشف عن مستور كنوز القرآن، واستكناه درره الخبيئة، وهذا ما يفعل الإفادة من التفسير الموضوعي للقرآن.

يقول العلامة الرازي مظهرًا مجمل البركة القرآنية: « (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأنعام:155] .

أي: كثير المنافع والفوائد؛ لاشتماله على منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين، وما لا يتناهى من الفوائد، قال أهل المعاني: كتابٌ مباركٌ أي: كثيرٌ خيره، دائمٌة بركته ومنفعته، يبشر بالثواب والمغفرة، ويزجر عن القبيح والمعصية، وأقول: العلوم إما نظريةٌ، وإما عمليةٌ، أما العلوم النظرية فأشرفها وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه، ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب، وأما العلوم العملية فالمطلوب إما أعمال الجوارح، وإما أعمال القلوب، وهو المسمى بطهارة الأخلاق، وتزكية النفس، ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب، ثم قد جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه، والمتمسك به يحصل له عز الدنيا، وسعادة الآخرة».

ثم عقب ذلك بقوله متحدثًا بنعمة الله عليه: «يقول مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي: وأنا قد نقلت أنواعًا من العلوم النقلية والعقلية، فلم يحصل لي بسبب شيءٍ من العلوم من أنواع السعادات في الدين والدنيا مثل ما حصل بسبب خدمة هذا العلم» 48.

يقول محمد رشيد رضا بعد أن نقل نص الرازي: «هذا العلم أي: علم القرآن بتفسيره» ، ثم يعقب بقول: «فليعتبر بهذا من يضعون جل أوقاتهم في طلب العلم الديني بعلوم الكلام وغيرها، مما يعدون الرازي الإمام المطلق فيها؛ لعلهم يرجعون إلى كتاب الله تعالى، ويهتدون به، ويطلبون السعادة من فيضه دون غيره، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا لإتمام تفسيره، وأن يجعله حجةً لنا لا علينا بكمال التخلق به» 49.

وبتدبر الآيات التي تحدثت عن القرآن وإنزاله موصوفًا بالبركة فإننا نلحظ أن الإنزال فيها سبق البركة مرة، والبركة فيها سبقت الإنزال مرة أخرى، ولا شك أن لذلك حكمته اللطيفة، ونكتته البديعة.

يقول أبو حيان: « (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ) [الأنعام:92] .أي: وهذا القرآن لما ذكر وقرر أن إنكار من أنكر أن يكون الله أنزل على بشرٍ شيئًا وحاجهم بما لا يقدرون على إنكاره أخبر أن هذا الكتاب الذي أنزل على الرسول مباركٌ كثير النفع والفائدة؛ ولما كان الإنكار إنما وقع على الإنزال فقالوا: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى? بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ?) [الأنعام:91] .

وقيل: (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ) كان تقديم وصفه بـ (الإنزال) أكد من وصفه بكونه (مباركًا) ولأن ما أنزل الله تعالى فهو مباركٌ قطعًا فصارت الصفة بكونه مباركًا، كأنها صفةٌ مؤكدةٌ؛ إذ تضمنها ما قبلها (وَهَ?ذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ ? أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) [الأنبياء:50] .

فلم يرد في معرض إنكارٍ أن ينزل الله شيئًا، بل جاء عقب قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى? وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء:48] .

ذكر أن الذي آتاه الرسول هو ذكرٌ مباركٌ؛ ولما كان الإنزال يتجدد عبر بالوصف الذي هو فعلٌ، ولما كان وصفه بالبركة وصفًا لا يفارق عبر بالاسم الدال على الثبوت» 50 اللهم كما باركت للمتقدمين من أهل القرآن وخدامه بارك لنا في أنفسنا، وفي أولادنا وفي مجتمعاتنا، وارزقنا العمل به.

ثانيًا: الأنبياء وأممهم:

من مجالات البركة في القرآن الكريم ما تناوله القرآن في حديثه عن الأنبياء وأممهم، ومما لا شك فيه أن الله بارك الصالحين بصفة عامة، ولولا بركة الله وفضله عليهم ما كانوا صالحين، ورسل الله من المصطفين الأخيار؛ لقوله تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ? إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الحج:75] .

فهم ذروة الصلاح، ومجمع بركة الله، هذه عقيدتنا، لكن القرآن الكريم في استعمالاته ذكر جمعًا من الأنبياء وصفهم بالبركة صراحة، وهذا لا يعني أن غير المذكور من الأنبياء ليس مباركًا؛ إذ البركة كما تكون باللفظ الصريح تكون بغيره من المفردات، أما الأمم فمن باركه الله فهو المبارك فحسب.

ومن الأنبياء الذين وردت البركة وصفًا لهم في استعمال القرآن صراحة نبي الله نوح وإبراهيم وإسحاق وعيسى عليهم السلام، وتفصيل ذلك فيما يلي:

جاءت آيات تتحدث عن البركة في معية نبي الله نوح عليه السلام، من ذلك قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَٹ) [المؤمنون:29] .

والآية الكريمة تحمل توجيها لنبي الله نوح عليه السلام أن يدعو ربه أن ييسر له النزول المبارك الآمن؛ إذ الله بيده مقاليد كل شيء، ومن ذلك اختيار الخير لنزول نبيه من الفلك، فهو -جل شأنه- خير من أنزل عباده المنازل، ويتسلسل بنا قرآنيًا الشيخ الشنقيطي رحمه الله في رحلة نوح عليه السلام.

فيقول معلقًا على قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) [المؤمنون:29] .

«ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه نوحًا -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- أمر أصحابه الذين قيل له احملهم فيها أن يركبوا فيها قائلًا: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا) [هود:41] .

أي: بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رسوها، وبين في (سورة الفلاح) : أنه أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه أن يحمدوا الله الذي نجاهم من الكفرة الظالمين، ويسألوه أن ينزلهم منزلًا مباركًا؛ وذلك في قوله: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?28?وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ?29? ٹ) [المؤمنون:29، 28] .

وبين في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال عند ركوب السفن وغيرها بقوله: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ ?12?لِتَسْتَوُوا عَلَى? ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَ?ذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ?13?وَإِنَّا إِلَى? رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ ?14?) [الزخرف:12 - 14] » 51.

والدعاء في الآية الكريمة (رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ) [المؤمنون:29] .

يتضمن سؤال سلامةٍ من غرق السفينة، وهذا كالمحامد التي يعلمها الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يوم الشفاعة، فيكون في ذلك التعليم إشارةٌ إلى أنه سيتقبل ذلك منه، وجملة: (وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَٹ) في موضع الحال، وفيها معنى تعليل سؤاله ذلك 52.

قال القرطبي: «وبالجملة فالآية تعليمٌ من الله عز وجل لعباده إذا ركبوا، وإذا نزلوا أن يقولوا هذا، بل وإذا دخلوا بيوتهم وسلموا قالوها» 53.

وثمرة الدعاء السالف تظهر في قوله تعالى مستجيبًا: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى? أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ? وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) [هود:48] .

ثم إنه تعالى لما وعده بالسلام أردفه بأن وعده بالبركات التي هي عبارةٌ عن الدوام والبقاء، والثبات، ونيل الأمل، ومنه بروك الإبل، ومنه البركة لثبوت الماء فيها، ومنه تبارك وتعالى، أي: ثبت تعظيمه، ثم اختلف المفسرون في تفسير هذا الثبات والبقاء.

فالقول الأول: أنه تعالى صير نوحًا أبا البشر؛ لأن جميع من بقي كانوا من نسله، وعند هذا قال هذا القائل: إنه لما خرج نوحٌ من السفينة مات كل من كان معه ممن لم يكن من ذريته، ولم يحصل النسل إلا من ذريته، فالخلق كلهم من نسله وذريته، وقال آخرون: لم يكن في سفينة نوحٍ عليه السلام إلا من كان من نسله وذريته، وعلى التقديرين فالخلق كلهم إنما تولدوا منه ومن أولاده، والدليل عليه قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ) [الصافات:77] .

فثبت أن نوحًا عليه السلام كان آدم الأصغر، فهذا هو المراد من البركات التي وعده الله بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت