فهرس الكتاب

الصفحة 743 من 2431

التمكين

أولًا: المعنى اللغوي:

مشتق من تمكن يتمكن تمكنًا فهو متمكن، يقال: تمكن الشخص بالمكان: أي: استقر فيه ورسخ، يقال: مكانك أيها اللص: أي: اثبت في مكانك، وتمكنت من الأمر، أي: صار عندي سهلًا، وتمكن الشخص من الأمر، أي: أصبح ذا قدرة عليه أو ظفر به، وتمكن عند الناس، أي: علا شأنه عندهم 1.

نستدل مما سبق أن التمكين في اللغة يدل على معاني القوة، والقدرة، والاستقرار، والعلو، وعلى ذلك يكون المراد به لغة: إعطاء ما يصح به الفعل من الآلات والأدوات، وإزالة ما يمنع هذا الفعل 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يرى الخازن أن التمكين: «هو أن لا ينازع الممكن منازع فيما يراه ويختاره» 3.

ويرى ابن عرفة: «التمكين هو القدرة على الفعل» 4.

وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله يومًا: أيٌ أفضل الصبر أو المحنة، أو التمكين؟

فقال الشافعي رحمه الله: «التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتحن صبر، وإذا صبر مكن، ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه، وامتحن سليمان عليه السلام، ثم مكنه، وآتاه ملكًا، والتمكن أفضل الدرجات» 5.

واستنادًا لما سبق يمكن القول بأن التمكين اصطلاحًا: هو منزلة رفيعة يهبها الله سبحانه وتعالى للصالحين من عباده بعد صبرهم على الابتلاءات والمحن، فتسمو مكانتهم، وتعلو كلمتهم، ويسود شرعهم، وتمتلأ الدنيا بنورهم عدلًا، وبهديهم إحسانًا وبرًا.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معانيه اللغوية.

وردت مادة (مكن) الدالة على (التمكين) في القرآن الكريم (18) مرة 6، وهي على النحو الآتي:

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 10 ... {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} [يوسف:21]

الفعل المضارع ... 4 ... {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} [القصص:57]

صيغة المبالغة ... 4 ... {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) } [التكوير:20]

وجاءت مادة (مكن) الدالة على (التمكين) في القرآن الكريم بمعناها اللغوي، وهو من القدرة على الشيء وإطاقته، مع زوال المانع 7، أو من الرسوخ والاستقرار 8، وأصله من المكان، والمكان لغةً: هو الحاوي للشيء، كما في قول الله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) } [الكهف:84] .

يعني: «أعطيناه ملكًا عظيمًا متمكنًا، فيه له من جميع ما يؤتى الملوك، من التمكين والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأمم، من العرب والعجم» 9.

النصر:

النصر لغة:

النون والصاد والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على إتيان خيرٍ وإيتائه. ونصر الله المسلمين: آتاهم الظفر على عدوهم 10.

النصر اصطلاحًا:

العون، ويختص لفظ النصر بأنه إعانة في مقابل العدو المتربص، إما بالظفر عليه، وإما بدفع مضرته 11.

الصلة بين التمكين والنصر:

التمكين أعظم من النصر، وذلك أن حدوث التمكين قد يتطلب سلسلة من الانتصارات.

الغلبة:

الغلبة لغة:

من غلب يغلب غلبةً، وهو القهر 12.

الغلبة اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، قال الراغب: «الغلبة القهر» 13. والمقصود هو قهر العدو.

الصلة بين التمكين والغلبة:

أن الغلبة قد تكون مؤقتة سرعان ما تزول، قال تعالى: {وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] .

والفرس غلبت الروم، ولكن سرعان ما أعقب هذه الغلبة هزيمة للفرس على يد الروم 14، ولكن التمكين يكون معه دوام الغلبة واستقرارها.

الاستخلاف:

الاستخلاف لغةً:

من خلف، ويعني أن يجيئ شيء من بعد شيء يقوم مقامه 15.

الاستخلاف اصطلاحًا:

هو «استرعاء يختص لمن ينصح للمرعي، فيؤدي عن الله أمره ونهيه، ولا يأخذه في الدين لومة لائم، ولا سطوة جبار» 16.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] .

الصلة بين الاستخلاف والتمكين:

أن الاستخلاف لا يكون إلا مع الاستبدال (أي: استبدال الصالحين مكان الطالحين) ، ولا يشترط الاستبدال مع التمكين 17.

العزة:

العزة لغةً:

عز أي: اشتد وقوي 18.

العزة اصطلاحًا:

صفة تفيد حصول الفوقية والغلبة لله سبحانه وتعالى وعباده الصالحين على أعدائهم 19، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8] .

الصلة بين العزة والتمكين:

أن العزة من لوازم التمكين.

يقول مصطفى مسلم: «إن لفظة التمكين في القرآن الكريم لا تأتي إلا للشيء الذي لا تسعفه الأسباب المادية من الوصول إليها، فيأتي بأسباب وتدابير ربانية غير عادية» 20.

وذلك يعني أن حصول التمكين مرتبط بالمشيئة الإلهية التي تقتضي توفير أسباب غير عادية تؤدي إلى حصول هذا التمكين، وفيما يلي أمثلة تبرهن على ذلك:

-تمكين الله سبحانه وتعالى لنبيه إبراهيم عليه السلام.

-تمكين الله سبحانه وتعالى لنبيه يوسف عليه السلام.

-تمكين الله سبحانه وتعالى عباده المسلمين من الانتصار على أعدائهم المشركين خلال فترات الصراع بين المسلمين والمشركين على الرغم من اختلال موازين القوى، وذلك كما حدث على سبيل المثال في غزوة بدر، والخندق، والحديبية.

فإن قيل: ما الأسباب والتدابير الربانية التي توفرت فيما سبق ذكره من أمثلة؟

فالجواب كما يأتي:

أولًا: بالنسبة لإبراهيم عليه السلام، فبعد أن صبر على دعوته لقومه إلى عبادة الله وحده، وصبر على ما لاقاه من الأذى والتنكيل في سبيل هذه الدعوة مكنه الله سبحانه وتعالى بأن أنجاه من النار، قال تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69] .

ولما اعتزل قومه وأصنامهم وهبه الله سبحانه وتعالى الولد على الرغم من كبر سنه، قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .

ولما أمره الله سبحانه وتعالى بترك ذريته في مكة عند البيت الحرام دون أن يتوفر عندهم المياه، ففجر الله عين زمزم 21.

ثانيًا: بالنسبة ليوسف عليه السلام: فبعد أن ألقاه إخوته في الجب لهلك وحيدًا، مكنه الله سبحانه وتعالى بأن خلصه من الجب، وآواه في بيت العزيز.

قال تعالى: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 19 - 21] .

يقول الدكتور وهبة الزحيلي: «خطط إخوة يوسف للتخلص نهائيًا من أخيهم، فباءوا بالخيبة والفشل؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الإله القادر المنفذ لما يريد» 22.

وبعد أن كبر وصار شابًا وقع في محنة مراودة امرأة العزيز له عن نفسه.

قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] .

ولما استعصم سجن ظلمًا وعدوانًا.

قال تعالى: {قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ} [يوسف: 32] .

فمكنه الله سبحانه وتعالى، بأن أخرجه من السجن ليكون عزيز مصر 23.

قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 54 - 56] .

ثالثًا: بالنسبة للمسلمين أتباع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: فقد مكنهم الله سبحانه وتعالى من أعدائهم المشركين في مواطن عديدة منها:

يوم بدر، حيث كان المسلمون على قلة في العدد والعدة مقارنة بالمشركين، ومع ذلك نصرهم الله تعالى على عدوهم نصرًا مؤزرًا، علت بسببه مكانة المسلمين بين الأمم، وفي المقابل انحدرت مكانة المشركين وضاعت هيبتهم بين الأمم 24.

وقد حكى القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] .

وبغية تحقيق هذا الوعد الإلهي.

قال تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] .

واستمر الدعم الإلهي للمؤمنين في هذه الغزوة حتى وصل إلى ما ذكره الله تعالى بقوله: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125] .

وقد روى ابن حبان في صحيحه قال: قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين، يومئذ يشد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقيًا فنظر إليه، فإذا هو خطم أنفه، وشق وجهه بضربة سوط، فاخضر ذاك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة) 25.

يوم الخندق: حيث تكالبت قوى الشر الممثلة في الأحزاب لضرب المسلمين عن قوس واحدة، وقد كانت ظروف المسلمين حينها غاية في الصعوبة، فلا وفرة في الطعام ولا دفئ، إضافة إلى خذلان المنافقين، ونكوث العهد من قبل يهود بني قريظة بتحالفهم مع الأحزاب ضد المسلمين.

وقد وصف الله سبحانه وتعالى ذلك بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 - 11] .

ومع ذلك مكن الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين ونصرهم على عدوهم دون قتال 26.

قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25] .

يوم الحديبية: حيث ظن المسلمون في بداية الأمر أن قريشًا غدرت بهم، وقتلت عثمان بن عفان رضي الله عنه، ولم يكونوا قد أعدوا العدة لمواجهة هذا الموقف العصيب؛ إذ لم يكن معهم سوى سلاح الراكب المسافر، ومع ذلك قرروا إعلاء شأن دينهم، وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على قتال المشركين، وبعدها جاء التمكين الإلهي للمؤمنين، فقد عاد عثمان رضي الله عنه سالمًا، وأرسلت قريش سهيل بن عمرو ليفاوض النبي صلى الله عليه وسلم، فنجم عن ذلك صلح الحديبية والذي كان بمثابة بداية الطريق لنصر عظيم مؤزر من الله سبحانه وتعالى به على المؤمنين، فما هي إلا سنتين حتى نكثت قريش عهدها مع الرسول صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى فتح مكة عام (8 هـ) 27.

وقد حكى القرآن الكريم ذلك، فقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .

وقد أكد الله مشيئته بتمكين المؤمنين بوعد يساوي في قوته القسم.

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .

ومما يؤكد أن وعد الله بذلك يساوي القسم دخول اللام في جواب القسم المفهوم من الوعد، وذلك في الوعود الثلاثة: (الاستخلاف والتمكين واستبدال الخوف بالأمن) إضافة إلى وجود نون التوكيد الثقيلة في الوعود الثلاثة، مما يؤكد أن ذلك واقع لا محالة إن تحقق الإيمان والعمل الصالح، عبادة بلا شرك.

وهذا دليل قاطع على أن التمكين يتبع لمشيئة الله عز وجل، وليس لإرادة بشرية مهما كانت قوية، فالله يعز من يشاء بعزه، ويذل من يشاء متى يشاء بما يشاء، سبحانه وتعالى القوي القدير صاحب العزة والجبروت.

-للتمكين أنواع تحدث عنها القرآن الكريم، نعرضها فيما يأتي:

أولًا: التمكين الخاص:

والتمكين الخاص هو ما كان خاصًا بالأفراد، وبحسب القرآن الكريم فقد حصل لنبي الله يوسف عليه السلام، ولذي القرنين من البشر، ولجبريل عليه السلام من الملائكة، وبيان ذلك فيما يلي:

قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .

يقول الشيخ الشعراوي: «وقد بدأ التمكين في الأرض من لحظة دخوله بيت عزيز مصر ليحيا حياة طيبة» 28.

قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 56] .

يقول الشيخ الشعراوي: «وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض بحيث أدار شئون مصر» 29.

ويقول الشيخ محمد الناصري في تفسير هذه الآية أن فيها: «إشارة إلى ما أكرم الله به يوسف من الحرية والسعة والنفوذ والتصرف في أرض مصر ... » 30.

والملاحظ أن التمكين في الآيتين السابقتين هو تمكين خاص بفرد واحد هو نبي الله يوسف عليه السلام، كما يلاحظ أن الآية الأولى أشارت إلى تمكين جزئي ليوسف عليه السلام، فكل ما حصل له أنه نجا من الجب، وانتقل للعيش في بيت يكفل له الحياة الكريمة، فهذا وإن كان بمثابة نقلة نوعية في حياة يوسف عليه السلام، إلا أنه لا يرقى ليصل إلى درجة العلو والهيمنة، وهذا ما نوه إليه الشيخ الشعراوي رحمه الله، حين وصف التمكين المذكور في الآية الأولى بأنه بداية التمكين وليس تمام التمكين 31.

بينما نجد أن الآية الثانية قد أشارت بالفعل إلى التمكين الكلي لنبي الله يوسف عليه السلام، حيث أصبح يدير شئون مصر كما ذكر المفسرون.

يقول الدكتور علي الصلابي: «فإذا تأملت في الآيتين تلاحظ أن الآية الأولى أشارت للتمكين الجزئي ليوسف عليه السلام، والآية الثانية للتمكين الكلي في حقه ... » 32.

وبناءً على ذلك يمكن القول بأن التمكين المذكور في الآية الثانية هو تمكين خاص كلي.

قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} [الكهف: 83 - 84] .

يقول المراغي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} «أي: مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء، بحيث يصل إلى جميع مسالكها، ويظهر على سائر ملوكها، وآتيناه من كل شيء أراده من مهام ملكه وبسطة سلطانه طريقًا يوصله إليه، فآتيناه العلم والقدرة والآلات التي توصله إلى ذلك» 33.

ويتضح من خلال كلام المراغي رحمه الله، أن تمكين الله سبحانه وتعالى لذي القرنين هو تمكين خاص كلي.

قوله تعالى: {ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [التكوير: 20] .

ومعنى مكين هنا: أن جبريل عليه السلام، ذو جاه ومنزلة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى 34، ومن ثم فتمكين الله سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام هو تمكين خاص كلي.

ثانيًا: التمكين العام:

والتمكين العام هو ما كان غير مختص بفرد معين، وإنما يكون للجماعات، وبحسب القرآن الكريم فقد ثبت هذا التمكين لأصحاب القرون الأولى مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، ولأهل مكة، وللمؤمنين الصادقين، وبيان ذلك فيما يلي:

قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} [الأنعام: 6] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول سبحانه وتعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ألم ير هؤلاء المكذبون بآياتي، الجاحدون بنبوئتك، كثرة من أهلكت من قبلهم من القرون الذين وطأت لهم البلاد والأرض توطئة لم أوطئها لهم، وأعطيتهم فيها ما لم أعطهم» 35.

ويقول أبو الحسن النيسابوري في تفسير قوله تعالى: {مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} «أعطيناهم من المال والعبيد والأنعام ما لم نعطكم» 36.

وبناءً على ذلك، نفهم من كلام المفسرين أن تمكين الله سبحانه وتعالى لأصحاب القرون الأولى مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، كان تمكينًا عامًا كليًا.

قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف: 10] .

يقول أبو السعود في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} «لما أمر الله سبحانه أهل مكة باتباع ما أنزل إليهم، ونهاهم عن اتباع غيره، وبين لهم وخامة عاقبته بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلد في الآخرة ذكرهم ما أفاض عليهم من فنون النعم الموجبة للشكر ترغيبًا في الامتثال بالأمر والنهي إثر ترهيب، أي: جعلنا لكم فيها مكانًا وقرارًا، أو ملكناكم فيها وأقررناكم على التصرف فيها» 37.

ويفهم من هذا الكلام أن تمكين الله سبحانه وتعالى لأهل مكة كان تمكينًا عامًا كليًا.

ومن الجدير بالذكر أن الله تعالى قد مكن لتلك الأقوام على الرغم من كفرها؛ لأنها أخذت بأسباب التمكين المادية كإعداد الجيوش، وامتلاك الأموال وغير ذلك، ولكنهم لما تركوا السبب الأهم لبقاء التمكين وهو اتباع الرسل، أهلكهم الله تعالى.

قوله تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت