فهرس الكتاب

الصفحة 1381 من 2431

قال الشيخ أحمد شاكر: «الظاهر من سياق الآيتين أن قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا} راجع إلى الطلاق وإلى الرجعة معًا، والأمر للوجوب؛ لأنه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب - كالندب- إلا بقرينة، ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب. بل القرائن هنا تؤيد حمله على الوجوب؛ لأن الطلاق عمل استثنائي يقوم به الرجل -وهو أحد طرفي العقد- وحده. سواء أوافقته المرأة أم لا، كما أوضحنا ذلك مرارًا، وتترتب عليه حقوق للرجل قبل المرأة، وحقوق للمرأة قبل الرجل، وكذلك الرجعة، ويخشى فيهما الإنكار من أحدهما، فإشهاد الشهود يرفع احتمال الجحد، ويثبت لكل منهما حقه قبل الآخر. فمن أشهد على طلاقه فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدى حد الله الذي حده له فوقع عمله باطلًا لا يترتب عليه أي أثر من آثاره» 121.

واستدل القائلون بوجوب الإشهاد أيضًا بقول موقوف على عمران بن حصين أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال: (طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد) 122.

والراجح قول من يقول: لا يقع أي طلاق إلا إذا كان بحضرة شاهدي عدل سامعين فاهمين تطبيقًا لقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ} ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع، ولا يعدل عنه إلى غيره إلا بدليل.

أعد الله تعالى شهودًا على ابن ادم يوم الدين، ليشهدوا على كل صغيرة وكبيرة فعلها، فيشهد رب العزة، وتشهد الرسل، والملائكة، وتشهد نفس ابن آدم وأعضاؤه، وتشهد الأرض وما عليها، فلا يملك عصاة الجن والإنس يوم القيامة أمام هذه الشهادات المتوالية إلا الاستسلام والاعتراف، هذه بعض الشهادات.

أولًا: الشهادة على النفس:

أشهد الله تعالى الناس على أنفسهم منذ عالم الذر، وأخذ عليهم الميثاق بتوحيده، وأخذ منهم ميثاقًا غليظًا باجتناب الشرك، فقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } [الأعراف:172] .

يخبر الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو. كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم:30] وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولودٍ يولد على الفطرة -وفي روايةٍ: على هذه الملة- فأبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء) 123.

وعن عياض بن حمارٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم، عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم) 124.

والشهادة على النفس في هذه الآية هو إقرار، والإقرار سيد الأدلة؛ لأنك حين تشهد إنسانًا على غيره؛ فقد يغير الشاهد شهادته، ولكن الأمر هنا أن الخلق شهدوا على أنفسهم وأخذ الله عليهم عهد الفطرة حتى لا يقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172] فحين يأتي يوم الحساب، لا داعي أن يقول: إني كنت غافلًا 125.

ويأتي على الناس لحظات يشهدون الحق ويعترفون به، فمن أنكره بعد ذلك اتباعًا لهواه فقد تمت عليه الحجة، فيضلله الله على علم ولا يهديه، قال الله تعالى: {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) } [آل عمران:86] .

وأهل الكتاب يشهدون على أنفسهم مع ذلك يصدون عن سبيل الله مع علمهم بصدق الرسول؛ فكانت شهادتهم حجة عليهم.

قال الله تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99) } [آل عمران:99] .

والمشركون يشهدون على أنفسهم بالكفر؛ لذلك منعهم الله من عمارة المساجد.

قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) } [التوبة:17] .

والانسان بطبعه كفور وهو شاهد على ذلك ويعترف به.

قال الله تعالى: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) } [العاديات:6 - 7] .

قال محمد بن كعبٍ القرظي: «ويحتمل أن يعود الضمير على الإنسان، فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودًا لشهيدٌ، أي: بلسان حاله، أي: ظاهرٌ ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة:17] 126.

وأقرب شيء إلى البشر جوارحه، فهي شاهدة عليه يوم القيامة؛ فيده التي يبطش بها ورجله التي يسعى بها وجلوده التي يلتذ بها، كلها ستشهد عليه يوم القيامة، فعلى الإنسان العاقل أن يعي مسؤوليته الكبيرة، ولا يكون طائشًا في تصرفاته، والله شهيد عليه، وكفى به شهيدًا.

قال الله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) } [النور:24] .

لذلك استحقوا العذاب العظيم، ويكون كل شيء شاهدًا على ما أجرموا، وقد صور الله تعالى ذلك بأن ألسنتهم تشهد عليهم بما اخترصوا فيه، وأرجلهم تشهد بما سعوا فيه بالباطل، وأفسدوا به الناس، وأيديهم تشهد بما بطشوا، وما فعلوا من آثام، وشهادتهم منصبة على ما كانوا يعملون 127.

والله يختم على أفواه المبررين، فلا ينطقون بما شاءوا، وانما تنطق ألسنتهم بالحق بغير إرادة منهم أو أنها لا تنطق، إلا بعد أن يأذن لها الله أن تنطق، وبدل الأفواه تنطق الأرجل والأيدي، قال الله تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (65) } [يس:65] .

وحين ينطق أقرب الجوارح، فكيف يتهرب البشر من ذاته ومن أقرب الأعضاء إليه؟

قال الله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [فصلت:22] .

وهناك يرتاعون من شدة المفاجأة حيث طفقت مواضع الشهوة في أجسادهم تشهد عليهم فإذا بهم يخاطبونها، وهي لم تعد تأتمر بأوامرهم، لم نطقتم بمثل هذا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ. قال الله تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) } [فصلت:21] .

قال ابن عباسٍ: «إنهم -يعني: المشركين- إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد. فيجحدون فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا» 128.

وقال ابن جريرٍ الطبري: «إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك. فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا، فيقول: احلفوا. فيحلفون، ثم يصمتهم الله، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار» 129.

ثانيًا: شهادة الرسول والمؤمنين على الأمم:

الرسول صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته.

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) } [الأحزاب:45] .

وقال الله تعالى لنبيه: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) } [الفتح:8] .

قال الشنقيطي: «بين تعالى أنه يبعثه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شاهدًا على أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين. قال تعالى في شهادته صلى الله عليه وسلم يوم القيامة على أمته: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) } [النساء:41] » 130.

فالرسول يشهد عليهم عند ربه، ويقبل الله شهادته وشفاعته، وعليهم أن يحترموه وأن يحذروا مخالفة أمره، فهو مبلغ اليهم رسالات الله، وأن عصيانه يقتضي عذابًا أليمًا في الدنيا، كما يقتضي عذابًا في يوم القيامة.

قال الله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) } [المزمل:15 - 16] .

«وتتجلى شهادة النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة حيث يشهد لمن أطاعه فيرضى عنهم الله جل جلاله، ويشهد على من عصوه فيعذبون، قال الله تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) } [النساء:41] .

يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه: فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة وحين يجيء من كل أمة بشهيد، يعني: الأنبياء عليهم السلام؟

كما قال تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) } [الزمر:69] 131.

وقال تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) } [النحل:89] .

والفرق بين الشاهد والشهيد، الشاهد: هو القائد القائم عليهم، والشهيد: هو المسؤول دومًا عنهم، وهكذا كان عيسى عليه السلام شهيدًا على بني إسرائيل مادام بينهم، وقال تعالى: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة:117] .

وقيل: الشاهد بمعنى الحدوث. والشهيد بمعنى الثبوت. فإذا تحمل الشهادة فهو شاهد باعتبار حدوث تحمله، فإذا ثبت تحمله لها زمانين أو أكثر فهو شهيد 132.

والله جعل في كل أمة نبيًا شهيدًا، يبعث يوم القيامة ليشهد عليهم ولا يحق للمشهود عليهم أن يدافعوا عن أنفسهم ولا يقبل عتابهم.

وقال الله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) } [النحل:84] .

والشهداء بعد الأنبياء هم علماء الأمة في كل جيل، فعلى الناس اتباعهم والأخذ بمنهجهم بما يوافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإن رفضوا أو اتبعوا الجبارين والطغاة والسلاطين الظلمة، فمصيرهم يوم القيامة بأن شهد عليهم العلماء بأنهم أشركوا بالله واتبعوا الطاغوت، قال الله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75) } [القصص:74 - 75] .

والأمم لما تكذب رسلها وتقول كل أمة: ما جاءنا من نذير، فتأتي هذه الأمة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتشهد للرسل عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، تشهد لهم بالبلاغ كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

وعن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوحٌ يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذيرٍ، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] . فذلك قوله جل ذكره: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] ) 133.

قال الخازن في تفسير قوله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) } [الأعراف:6] : «يعني: نسأل الأمم الذين أرسلنا إليهم الرسل ماذا عملتم فيما جاءتكم به الرسل، {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} يعني: ولنسألن الرسل الذي أرسلناهم إلى الأمم: هل بلغتم رسالاتنا وأديتم إلى الأمم ما أمرتم بتأديته إليهم أم قصرتم في ذلك.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: يسأل الله تعالى الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا، وعنه أنه قال: يوضع الكتاب يوم القيامة، فيتكلم بما كانوا يعملون.

وقال السدي: يسأل الأمم ماذا عملوا فيما جاءت به الرسل، ويسأل الرسل هل بلغوا ما أرسلوا به.

فإن قلت: قد أخبر عنهم في الآية الأولى بأنهم اعترفوا على أنفسهم بالظلم في قوله {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} فما فائدة هذا السؤال مع اعترافهم على أنفسهم بذلك؟

قلت: لما اعترفوا بأنهم كانوا ظالمين مقصرين سئلوا بعد ذلك عن سبب هذا الظلم والتقصير، والمقصود من هذا التقريع والتوبيخ للكفار.

فإن قلت: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليهم من الأمم؟

قلت: إذا كان يوم القيامة أنكر الكفار تبليغ الرسالة من الرسل، فقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فكان مسألة الرسل على وجه الاستشهاد بهم على من أرسلوا إليهم من الأمم أنهم قد بلغوا رسالات ربهم إلى من أرسلوا إليه من الأمم، فتكون هذه المسألة كالتقريع والتوبيخ للكفار أيضًا؛ لأنهم أنكروا تبليغ الرسل، فيزداد بذلك خزيهم وهوانهم وعذابهم» 134.

الشهادة أمر عظيم، وباب خطير، ولها جملة من الأحكام تتعلق بأدائها، ومن تلك الأحكام:

أولًا: شروط أداء الشهادة:

الشهادة تحملًا وأداءً يشترط لها شروط تتعلق بالشاهد وشروط تخص بعض الشهادات دون بعض، وهي كالتالي:

أولًا: شروط تتعلق بالشاهد. وهي:

1.التكليف.

من شروط الشاهد التكليف هو عندما يصبح الإنسان مكلفًا بتطبيق الأحكام الشرعية، ويراد بذلك: العقل، والبلوغ، فلا تقبل شهادة الصبي والمجنون.

واشتراط الشرع العقل ليتمكن الشاهد من فهم الحادثة وضبطها، والعقل آلة ذلك، والبلوغ من شروط الأداء لا من شروط التحمل 135.

والبلوغ من الشروط التي هي محل إجماع، فلا تقبل شهادة غير البالغ 136.

قال النيسابوري: «أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ، فلا حد على مجنون ولا على صبي؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف» 137.

2.الإسلام.

فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. وكذا على غير المسلم.

فقد اتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية، والحنابلة على أن الإسلام شرط لقبول الشهادة، فلا تقبل شهادة الكافر على المسلم. وكذا على غير المسلم 138. وأما الحنفية فقالوا: شهادة أهل الكفر بعضهم على بعض مقبولة إن كانوا من أهل الذمة 139.

3.الحرية.

فلا تقبل شهادة العبد.

فقد اتفق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية على عدم قبول شهادة العبد، وأما الحنابلة يقبلون شهادة العبد، وكذا شهادة الأمة فيما تجوز فيه شهادة النساء، وسواء كان العبد رقيق الكل أو مبعضًا 140.

4.العدالة.

وهي محل اتفاق بين العلماء، فلا تقبل شهادة الفاسق، ومن لا مروءة له 141.

5.النطق.

فلا تقبل شهادة الأخرس.

قال الحنفية والحنابلة 142: لا تقبل شهادة الأخرس، ذلك أن الشهادة تختص بلفظ الشهادة، وهذا لا يمكن تحققه مع الأخرس أما المالكية والشافعية 143، فقالوا: إن فهمت إشارته جاز 144.

6.البصر.

فلا تقبل شهادة الأعمى.

لا تقبل شهادة الأعمى عند الحنفية 145، وأما عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة فقد أجازوا شهادته في الأقوال دون الأفعال، وأما أبو حنيفة ومحمد فلا يجيزان شهادة الأعمى بحال 146.

7.الضبط.

وحسن السماع، والفهم: فلا تقبل شهادة المغفل، والمعروف بكثرة الغلط والنسيان 147.

ثانيًا: شروط تخص بعض الشهادات دون بعض:

1.الذكورية إذا تعلقت بالحدود والقصاص، حيث لا تقبل فيها شهادة الإناث.

2.العدد في بعض أنواع الشهادات وهو على مراتب، فمنه ما يشترط فيه أربعة، كالشهادة على الزنا، ومنه ما يشترط فيه الاثنان، كالشهادة على السرقة والقتل. ومنه ما يشترط فيه الرجلان أو رجل وامرأتان، كما في المعاملات المالية.

3.إقامة الدعوى إن كانت الشهادة في حقوق العباد، فإن كانت في حقوق الله تعالى فلا يجب إقامة الدعوى، كالشهادة على دخول هلال رمضان، وكذا حد الزنا 148.

ثالثًا: كيفية أداء الشهادة:

يشترط في كيفية أداء الشهادة على الوجه الصحيح أربعة شروط:

الشرط الأول: اللفظ.

يعتبر في أداء الشهادة الإتيان بلفظها فيقول: أشهد بكذا، فإن قال: أعلم وأتيقن أو أحق ونحوه لم يعتد به؛ لأنها مشتقة من اللفظ، وإذا شهد بأرض أو دار، فلا بد من ذكر حدودها؛ لأنها لا تعلم إلا بذلك، وإن شهد بنكاح اشترط ذكر شروطه من الولي والشهود والإيجاب والقبول؛ لأن الناس يختلفون فيها، وإن شهد بالرضاع احتاج إلى وصفه وأنه ارتضع من ثديها أو من لبن حلب منه، وذكر عدد الرضعات وأنه في الحولين، ولو شهد أنه ابنها من الرضاع لم يكف؛ لاختلاف الناس فيما يصير به ابنًا 149.

قال ابن عادل في تفسير قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

«اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة» 150.

الشرط الثاني: حسن الأداء للشهادة.

فلو قال الشاهد: معي شهادة أو عندي شهادة أن فلانًا فعل كذا أو أقر بكذا لم يكن ذلك أداء صحيحًا.

فلا يجوز لأحد أن يشهد على الآخر، إلا إذا كان حسن الأداء بالشهادة، حتى لو رأى الخط، إلا أن يكون ذاكرًا لما يشهد به، قال تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة:282] .

فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به ليتذكر به كيفية الشهادة، وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها.

وفيه الدلالة على أن الشاهد إذا قال: لا أذكر، ثم تذكر، يجوز له إقامة الشهادة 151.

الشرط الثالث: العدالة في الشهود.

وإن غلب في ظن الحاكم عدالتهم لا تصح شهادتهم وإن رضي الخصم بشهادة من ليس بعدل لا تقبل شهادته إلا أن يقول الخصم: صدق، فتؤخذ شهادته من باب الإقرار.

ونقل الشنقيطي عن ابن فرحون مراتب العدالة التي شملت أنواع الشهود قوة وضعفًا، وفيما تقبل شهاداتهم وفيما لا تقبل، وقال: إنها إحدى عشرة مرتبةً، وهي:

الأولى: الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء، وتجريحه ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة.

الثانية: المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، فحكمه كالأول، إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت