فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

الإحسان لغة: مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة 3، قال ابن فارس: « (حسن) الحاء والسين والنون أصل واحد، فالحسن ضد القبح، يقال: رجل حسن وامرأة حسناء وحسانة، والمحاسن من الإنسان وغيره: ضد المساوي» 4. وهو مصدر أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه، أو بغيره، تقول: أحسنت كذا، إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان، إذا أوصلت إليه النفع 5.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

قال الراغب: الإحسان يقال على وجهين:

أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.

والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا عَلِمَ عِلْمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا» 6.

وقال ابن العربي: «الإحسان مأخوذ من الحسن، وهو كل ما مدح فاعله» 7.

وعرف الإمام القرطبي الإحسان بأنه: «إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة والمكملة، ومراقبة الحق فيها، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع، وحالة الاستمرار» 8.

وردت مادة (حسن) في القرآن (194) مرة، يخص موضوع البحث منها (108) مرات 9.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 17 ... {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:154]

الفعل المضارع ... 2 ... {وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) } [النساء:128]

فعل الأمر ... 2 ... {وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص:77]

أفضل التفضيل ... 36 ... {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء:59]

المصدر ... 12 ... {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229]

اسم الفاعل ... 39 ... {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة:112]

وجاء الإحسان في الاستعمال القرآني بمعنى: إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه، وهو ضد الإساءة. ويأتي متعديًا بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، و في كذا، إذا حسنته وكملته، ومتعديًا بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به 10.

الإفضال:

الإفضال لغةً:

هو: الإحسان، يقال: ورجل مفضال وامرأة مفضالة على قومها إذا كانت ذات فضل سمحة، وأفضل عليه وتفضل بمعنى 11، قال ابن فارس: « (فضل) الفاء والضاد واللام أصل صحيح يدل على زيادة في شيء، من ذلك الفضل: الزيادة والخير 12.

الإفضال اصطلاحًا:

يستعمل لمطلق النفع 13.

وقد وردت آيات في كتاب الله تعالى تدل على أن الإفضال هو الإحسان

منها قوله تعالى: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) } [آل عمران: 174]

وقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) } [النساء: 73] .

فالمراد به بالفضل في الآيتين: الإحسان من الله بالعافية والسلامة والغنيمة {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} يعني: «والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه من خلقه» 14.

الصلة بين الإحسان والإفضال:

أن في كليهما نفعًا للغير لكن الإحسان لفظ عام؛ لأن فيه معنى الإتقان والإحكام، وفيه معنى الإحسان من العبد مع الله تعالى.

الامتنان:

الامتنان لغةً:

الامتنان لغة: الإحسان والإنعام، من عليه يمن مَنًا: أحسن وأنعم، والاسم المنة، والمن القطع، ويقال النقص 15.

الامتنان اصطلاحًا:

إحسان المحسن غير معتد بالإحسان، وفي أسماء الله تعالى: الحنان المنان، أي: الذي ينعم غير فاخر بالإنعام 16، قال ابن الأثير: «هو المنعم المعطي من المن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه» 17.

الصلة بين الإحسان والامتنان:

أن الامتنان هو الإحسان والإنعام وأن الإحسان أعم منه.

الإنعام لغةً:

من النعمة، بالفتح، وهي المسرة والفرح والترفه، ومعنى قولهم: أنعمت على فلان، أي: أصرت إليه نعمة 18، والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة، كله: الخفض والدعة والمال، وهو ضد البأساء والبؤسى. والتنعم: الترفه، والاسم النعمة، ونعم الرجل ينعم نعمة، والنعمة: اليد البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك، ونعمة الله، بكسر النون: ما أعطاه الله العبد مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه؛ كالسمع والبصر 19.

الإنعام اصطلاحًا:

إيصال النعمة والإحسان إلى الغير 20.

الصلة بين الإحسان والإنعام:

أن الإنعام لا يكون إلا من المنعم على غيره؛ لأنه متضمن بالشكر الذي يجب وجوب الدين، ويجوز إحسان الإنسان إلى نفسه، تقول لمن يتعلم العلم: إنه يحسن إلى نفسه، ولا تقول: منعم على نفسه، والإحسان متضمن بالحمد ويجوز الحامد لنفسه 21.

الإكرام:

الإكرام لغةً:

الإكرام والتكريم لغة هو: أن يوصل إلى الإنسان بنفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو يوصل إليه بشيء شريف 22.

الإكرام اصطلاحًا:

الإكرام والتكريم اصطلاحا هو: التفضيل والاحترام 23، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) } [الإسراء: 70] .

وفي الإكرام المذكور في الآية أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: هو أكلهم باليد، وسائر الحيوانات يأكلون بأفواههم، وقيل: امتداد القامة وانتصابها، والدواب منكبة على وجوهها، وقيل: بالعقل والتمييز، وقيل: بأن سخر جميع الأشياء لهم، وقيل: بأن جعل فيهم خير أمة أخرجت للناس، وقيل: بالخط والقلم 24.

الصلة بين الإحسان والإكرام:

أن الإكرام هو الإحسان مع التفضيل والتشريف.

إن الإحسان في حق الله تعالى يتمثل في كون الإحسان صفة من صفات الله تعالى، وفي إحسان الله تعالى الخلق، وفي إحسان الله تعالى في الرزق، وفي إحسان الله تعالى في الحكم، وفي إحسان الله تعالى في الأجر والثواب، وبيان ذلك في المطالب الآتية:

أولًا: الإحسان من صفات الله تعالى:

إن الإحسان صفة من صفات الله عز وجل الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، والإحسان في حق الله تعالى يأتي بمعنيين:

1.الإنعام على الغير، وهو زائد على العدل، ومنه قوله تعالى: (قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) [الطلاق: 11] . وقوله تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77] .

2.الإتقان والإحكام، ومنه قوله تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ? وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة: 7] . وقوله تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن: 3] 25.

الدليل من القرآن الكريم:

الدليل من السنة النبوية:

والمحسن من أسماء الله تعالى، ومعناه: «إن المحسن مشتق من أحسن يحسن إحسانًا، ومعناه: أن الإحسان وصف لازم له لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين، فلا بد لكل مكون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد ونعمة الإمداد، والله جل وعلا يحب من خلقه أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو الكريم يحب الكرماء، وهو المحسن يحب المحسنين» 29.

وبعبارة أخرى: فإن المحسن في صفات الله معناه: المنعم المتفضل الذي أحسن للناس عقيدة ودينًا وأحسن لهم خلقًا ورزقًا وأحسن لهم مثوبة وأجرًا كرمًا منه وتفضلًا، وبهذا يتبين أن اسم الله المحسن من صفات الذات الثابتة بالسنة النبوية.

ومن خلال الأدلة السابقة يتبين أن الإحسان من صفات الله الفعلية الثابتة بالقرآن والسنة، والصفات الفعلية هي: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة، ومنها: الخلق - الرزق الإحسان العدل، وضابط: الصفات الفعلية أنها هي التي تنفك عن الذات، على معنى أن الله إذا شاء لم يفعلها، وأن الصفات الذاتية لا تنفك عن الذات، أما الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات، ولكن مع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا P لائقان بجلال الله عز وجل 30.

ثانيًا: الإحسان في الخلق:

1.إن الله تعالى أحسن في الخلق بصفة عامة، قال تعالى: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ? وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) [السجدة: 7] .

والإحسان في الخلق معناه: أتقن كل شيء وأحكمه، هو مثل قوله تعالى: (الَّذِي أَعْطَى? كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى?) [طه: 50] .

فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس، ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا، قال مجاهد (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) : أعطى كل شيء خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس للفرس، والحمار للحمار 31.

يقول تعالى مخبرًا: إنه الذي أحسن خلق الأشياء وأتقنها وأحكمها، وقال مالك عن زيد بن أسلم (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) قال: أحسن خلق كل شيء، كأنه جعله من المقدم والمؤخر 32.

أما الإحسان في خلق الإنسان على وجه الخصوص، فقال تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) [التغابن: 3] .

يقول: ومثلكم فأحسن مثلكم، وقيل: أنه عني بذلك تصويره آدم، وخلقه إياه بيده 33.

قال القرطبي: « (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ? وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) يعني: آدم عليه السلام، خلقه بيده كرامة، له، قاله مقاتل، الثاني: جميع الخلائق، معنى التصوير: أنه التخطيط والتشكيل. فإن قيل: كيف أحسن صورهم؟ قيل له: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه صورة، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن تكون صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور، ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير منكب، كما قال عز وجل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] » 34.

والمعنى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) أي: أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ?6?الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ?7?فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ?8?) [الانفطار: 6 - 8] .

وكقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) [غافر: 64] 35.

وقوله تعالى: (. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] .

قال الإمام ابن جرير: «ومعناه: في أعدل خلق، وأحسن صورة، قال ذلك ابن عباس، وقال آخرون: بل معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان، فبلغنا به استواء شبابه وجلده وقوته، وهو أحسن ما يكون، وأعدل ما يكون وأقومه، وقال آخرون: قيل ذلك لأنه ليس شيء من الحيوان إلا وهو منكب على وجهه غير الإنسان. قال ذلك عن ابن عباس: (. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) قال: خلق كل شيء منكبًا على وجهه، إلا الإنسان.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: إن معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن صورة وأعدلها» 36.

ولهذا أنكر الله تعالى على من يدعو من لا يخلق فضلًا عن أن يكون محسنًا في الخلق، قال تعالى: (أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) [الصافات: 125] .

والمعنى: (أَتَدْعُونَ) أتعبدون (بَعْلًا) هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله عشرين ذراعًا وله أربعة أوجه، فتنوا به وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن، وجعلوهم أنبياء، وكان موضعه يقال له: بك، فركب وصار بعلبك، وهو من بلاد الشأم، (وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) وتتركون عبادة الله الذي هو أحسن المقدرين 37.

ثالثًا: الإحسان في الرزق:

إن الله سبحانه وتعالى أحسن في الرزق كما أحسن في الخلق.

قال تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى? بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى? مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ? إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ? وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ? عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ?88) [هود: 88] .

قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: قال شعيب لقومه: يا قوم أرأيتم إن كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان والأصنام، وفيما أنهاكم عنه من إفساد المال (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) ، يعني: حلالًا طيبًا» 38.

قال الماوردي: (وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا) فيه تأويلان: أحدهما: أنه المال الحلال، قاله الضحاك، قال ابن عباس، وكان شعيب كثير المال، الثاني: أنه النبوة، ذكره ابن عيسى 39، قال الإمام ابن كثير: «قيل أراد النبوة وقيل أراد الرزق الحلال ويحتمل الأمرين» 40.

وقال تعالى: (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [النحل: 67] .

فقد رزق الله تعالى من ثمرات النخيل والأعناب، الرزق الحسن، وهو يؤكل من الأعناب والتمور 41، قال ابن عباس: (وَرِزْقًا حَسَنًا) فهو الحلال من الخل والزبيب والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالًا للمسلمين 42.

قال الماوردي: «قوله عز وجل: (وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) .

فيها أربعة تأويلات:

أحدها: أن السكر: الخمر، والرزق الحسن: التمر والرطب والزبيب، وأنزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت من بعد، قال ابن عباس: السكر: ما حرم من شرابه، والرزق الحسن: ما حل من ثمرته، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: والسكر: الخمر، والنبيذ المسكر.

واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين:

أحدهما: أنه خرج مخرج الإباحة ثم نسخ، قاله قتادة.

الثاني: أنه خرج مخرج الخبر أنهم يتخذون ذلك وإن لم يحل، قاله ابن عباس.

الثاني: أن السكر: النبيذ المسكر، والرزق الحسن: التمر والزبيب، قاله الشعبي والسدي، وجعلها أهل العراق دليلًا على إباحة النبيذ.

الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة، الرزق الحسن: الطعام.

الرابع: أن السكر: ما طعم من الطعام، وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب، وهو الرزق الحسن، وبه قال أبو جعفر الطبري» 43.

وإحسان الله تعالى في الرزق لا يقتصر على الدنيا، بل ذلك يشمل أيضًا الآخرة.

قال تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الحج: 58] .

وقوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا) [الطلاق: 11] أي: رزقهم الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها، ولا يزول 44.

ويعني بالرزق: ما رزقهم فيها من المطاعم والمشارب، وسائر ما أعد لأوليائه فيها، فطيبه لهم 45.

رابعًا: الإحسان في الحكم:

بين الله تعالى أنه أحسن الحاكمين، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ? وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] .

قال تعالى موبخًا اليهود الذين أبوا قبول حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلًا فعلهم ذلك منهم، ومن هذا الذي هو أحسن حكمًا، أيها اليهود، من الله تعالى ذكره عند من كان يوقن بوحدانية الله، ويقر بربوبيته؟ يقول تعالى ذكره: أي حكم أحسن من حكم الله، إن كنتم موقنين أن لكم ربًا، وكنتم أهل توحيد وإقرار به؟ 46.

والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون حكم الشريف خلاف حكم الوضيع، وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء، فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل 47.

وفي الآية ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم.

قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ?) أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون، (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء 48.

وبمعنى قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50] .

وردت آيات في كتاب الله تعالى، منها: قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ? يَقُصُّ الْحَقَّ ? وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) [الأنعام: 57] .

وقوله تعالى: (فَاصْبِرُوا حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [الأعراف: 87] .

وقوله تعالى: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى? إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى? يَحْكُمَ اللَّهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يونس: 109] .

(وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) ، أي: أن الله خير من يفصل وأعدل من يقضي؛ لأنه لا يقع في حكمه ميل إلى أحد، ولا محاباة لأحد 49، يعني: أنه حاكم منزه عن الجور والميل والحيف 50.

وقوله تعالى: (وَنَادَى? نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) [هود: 45] .

يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي (وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) يعني: وأنت أحكم الحاكمين بالعدل 51.

قال الزمخشري: «أي: أعلم الحكام وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا بالعلم والعدل» 52.

وقوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ?8?) [التين: 8] .

أي: أتقن الحاكمين صنعًا في كل ما خلق، وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلًا بين الخلق 53.

قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ?8?) [التين: 8] : «يقول تعالى ذكره: أليس الله يا محمد بأحكم من حكم في أحكامه، وفصل قضائه بين عباده؟» 54.

خامسًا: الإحسان في الأجر والثواب:

إن الإحسان في الأجر والثواب من الله تعالى لمن آمن وعمل صالحًا ثابت في آيات كثيرة.

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97] .

يعني: الإحسان الذي كانوا يعملون في الدنيا، فيجزيهم بأحسن أعمالهم، ويبقى سائر الأعمال فضلًا 55.

قال الماوردي: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) «يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال وهي الطاعة، دون المباح منها.

الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن، كما قال تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: 160] » 56.

وقوله تعالى: (لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ? وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ?38?) [النور: 38] .

وفي الآية تقرير وتنبيه على كمال القدرة، ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان؛ لأن (بِغَيْرِ حِسَابٍ) كناية عن السعة، وأنه لا يدخل تحت حساب الخلق وعدهم 57.

والمراد بـ (أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) : أعمالهم الحسنة الصالحة؛ لأنها أحسن ما عملوا؛ لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلا على العمل الحسن 58.

وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) [العنكبوت: 7] .

والمعنى: ولنثيبنهم على صالحات أعمالهم في إسلامهم، أحسن ما كانوا يعملون في حال شركهم مع تكفيرنا سيئات أعمالهم 59.

وقيل: نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن، كما قال: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: 160] 60.

وقوله تعالى: (أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ ? وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف: 16] .

(أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) يعني: أعمالهم الصالحة التي عملوها في الدنيا، وكلها حسن، والأحسن بمعنى الحسن، فيثيبهم عليها، وتتجاوز عن سيئاتهم، فلا نعاقبهم عليها، (وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) ، وهو قوله عز وجل: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة: 72] 61.

وقوله تعالى: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 148] .

قال أبو جعفر الطبري: «يعني بذلك تعالى ذكره: فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في الله (ثَوَابَ الدُّنْيَا) ، يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصر على عدوهم وعدو الله، والظفر، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد (وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ) ، يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها» 62.

وقوله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60] .

أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن الله إليه في الآخرة 63.

والمعنى: هل ثواب خوف مقام الله عز وجل لمن خافه، فأحسن في الدنيا عمله، وأطاع ربه، إلا أن يحسن إليه في الآخرة ربه، بأن يجازيه على إحسانه ذلك في الدنيا 64.

وقوله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ? فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ?195?) [آل عمران: 195] .

أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) ، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملًا موفرًا 65.

وقوله تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ? ذَ?لِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ?14?) [آل عمران: 14] .

فقوله: (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: حسن المرجع والمنقلب، وهي الجنة 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت