ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح التعريض -لا التصريح- بخطبة النساء، أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد انقضاء عدتها ... كذلك أبيحت الرغبة المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحًا ولا تلميحًا؛ لأن الله يعلم أن هذه الرغبة لا سلطان لإرادة البشر عليها، وقد أباحها الله لأنها تتعلق بميل فطري، حلال في أصله، مباح في ذاته، والملابسات وحدها هي التي تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه. والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية إنما يهذبها، ولا يكبت النوازع البشرية إنما يضبطها، ومن ثم ينهى فقط عما يخالف نظافة الشعور، وطهارة الضمير ... ولم يقل: ولا تعقدوا النكاح، إنما قال: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} ، زيادة في التحرج، فالعزيمة التي تنشئ العقدة هي المنهي عنها، وذلك من نحو قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة:187] ، توحي بمعنى في غاية اللطف والدقة، وهنا يربط بين التشريع وخشية الله المطلع على السرائر. فللهواجس المستكنة وللمشاعر المكنونة هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة، تلك العلاقات الشديدة الحساسية، العالقة بالقلوب، الغائرة في الضمائر.
وخشية الله، والحذر مما يحيك في الصدور أن يطلع عليه الله هي الضمانة الأخيرة، مع التشريع، لتنفيذ التشريع 77.
يقول تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) } [الحج:32 - 33] .
فضمير الغائب (ها) هنا في قوله تعالى: {لَكُمْ فِيهَا} عائد على الشعائر وبحسب اختلاف أهل التفسير في معنى الشعائر اختلفوا في معنى الأجل المرتبط بها، وقد سرد الطبري أقوالهم وجمع بينها كما يلي:
القول الأول: عنى بالشعائر: البدن، واختلفوا في منافعها؛ فقال قومٌ: منافعها قبل تسميتها بدنة وقبل تقليدها أو إيجابها فتكون منافعها بشرب ألبانها وركوب ظهورها وأخذ نتاجها وأولادها، وعليه يكون الأجل المسمى هو وقت إيجابها بتسميتها بدنة أو هديًا فينقطع بذلك الانتفاع بها.
وقال آخرون: إن المنافع هنا بعد اتخاذ البدن هدايا وإيجابها، ويكون الانتفاع بها على هذا القول بركوب ظهورها عند الحاجة، وشرب ألبانها عند الاضطرار؛ وعليه يكون الأجل المسمى في الآية هو نحرها.
القول الثاني: عنى بالشعائر: شعائر الحج، وهي الأماكن التي ينسك عندها لله، وهؤلاء أيضًا اختلفوا في المنافع؛ فقال قومٌ: التجارة عند هذه الشعائر والبيع والشراء والتسبب، وعليه يكون الأجل المسمى الخروج من هذه الأماكن إلى غيرها.
وقال آخرون: المنافع هنا: هي العمل لله بما أمر من مناسك الحج، وعليه يكون الأجل المسمى انقضاء أيام الحج التي ينسك لله فيها 78.
ثم قال الطبري بعد سرد هذه الأقوال: وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره: {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} معني به: كل ما كان من عمل أو مكان جعله الله عَلَمًا لمناسك حج خلقه، إذ لم يخصص من ذلك جل ثناؤه شيئًا في خبر ولا عقل، وإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن معنى قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} في هذه الشعائر منافع إلى أجل مسمى، فما كان من هذه الشعائر بُدنًا وهَدْيًا، فمنافعها لكم من حين تملكون إلى أن أوجبتموها هدايا وبدنًا، وما كان منها أماكن ينسك لله عندها، فمنافعها التجارة لله عندها، والعمل بما أمر به إلى الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتًا بأن يطاع الله فيها بعمل أعمال الحج وبطلب المعاش فيها بالتجارة، إلى أن يطاف بالبيت في بعض، أو يوافي الحرم في بعض ويخرج عن الحرم في بعض 79.
ثانيا: الأجل في المعاملات:
لا تستقيم معاملات الناس فيما بينهم إلا بوضوح أركانها وأطرافها وكمها وكيفها، فالنفس مفطورة على حب التملك، وإذا أطلق لها العنان في هذا التملك ظلمت غيرها وتعدت، ولذا فقد قضت حكمة الله تعالى أن يجعل بين الناس في معاملاتهم حدودًا وآجالًا تنضبط بها هذه المعاملات، وقد جاءت هذه الآجال في باب المعاملات عامة غير مقيدة بأوقات ومدد كتلك التي رأينا في باب العبادات؛ لأن المعاملات ترجع إلى ما يتعارفه الناس بينهم إلا ما حرمه الشارع الحكيم، فالأصل كما يقول الأصوليون في باب المعاملات الحل، إلا ما حرمه الشارع الحكيم، وقد ورد الحديث عن الأجل في باب المعاملات في موضعين، أحدهما يرتبط ببيع السلم أو الأجل، والآخر في المعاملات المتعلقة بالشركات والإجارة والمضاربة ونحوها.
1.الأجل في البيوع الآجلة.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا} [البقرة: 282] .
وحقيقة الدين: عبارةٌ عن كل معاملةٍ كان أحد العوضين فيها نقدًا والآخر في الذمة نسيئةً، فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدين ما كان غائبًا.
قال الشاعر 80:
وعدتنا بِدِرْهَمَيْنَا طِلاءً
وشِواءً معجلًا غير دين
وعلى هذا المعنى يدخل في هذه الآية كل بيع نسيئة مما يصح فيه الأجل؛ كبيع سلعة حاضرة بنقود مؤجلة، أو بسلعة أخرى مؤجلة، وكبيع سلعة مؤجلة، أي: إلى أجلٍ مسمًى مع معرفة الجنس والنوع والقدر بثمن حال، وهو السلم 81.
والأجل المسمى هو المضبوط المبين بالأيام أو الشهور أو بأي طريقة ترفع الجهالة عن وقت انقضاء هذا الأجل، فقد كان أهل المدينة إبان قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون بأجل مجهول وبكيل مجهول أيضًا فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: (من أسلف في شيءٍ، ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) 82.
وقال ابن عمر: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة. وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك 83.
وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى صاحبه في طعامٍ معلومٍ موصوفٍ، من طعام أرضٍ عامةٍ لا يخطئ مثلها، بكيلٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ، بدنانير أو دراهم معلومةٍ، يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من مقامهما الذي تبايعا فيه 84.
2.الأجل في الشركات.
قال تعالى في قصة نبي الله موسى عليه السلام مع شعيب: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28) } [القصص:26 - 28] .
هذه الآيات تتحدث عن جمع عقد النكاح مع عقد الإجارة، وما يعنينا في بحثنا هذا عقد الإجارة وتحديدًا ضرب الأجل فيه، وقد عرف الفقهاء الإجارة بأنها عقد معاوضةٍ على تمليك منفعةٍ بعوضٍ 85، وبما أن الإجارة عقد معاوضة فإننا يمكن أن ندخل كل عقود المعاوضة في حكم الآية من حيث ثبوت الأجل فيها، وعقود المعاوضة هي: عقد البيع بأنواعه من المقايضة والسلم والصرف، وعقد الإجارة والاستصناع، والصلح والنكاح والخلع، والمضاربة والمزارعة والمساقاة والشركة ونحوها 86.
وقد اتفق الفقهاء على صحة الأجل (فيما يقبل التأجيل) إذا كان الأجل معلومًا، فأما كيفية العلم به فإنه يحتاج فيها إلى أن يعلم بزمانٍ بعينه لا يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ ومن جماعةٍ إلى جماعةٍ، وذلك إنما يكون إذا كان محددًا باليوم والشهر والسنة ... وإنما اتفقوا؛ لأن جهالة الأجل تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم، فهذا يطالبه في قريب المدة، وذاك في بعيدها، وكل ما يفضي إلى المنازعة يجب إغلاق بابه، ولأنه. سيؤدي إلى عدم الوفاء بالعقود، وقد أمرنا بالوفاء بها 87.
[انظر: الوقت: الوقت في الأحكام الشرعية]
1.وهذا هو أجل الآجال ومنتهى العمر والأعمال، فكل شيء عند الله بمقدار، إليه يرجع الأمر كله، أوله وآخره، علنه وسره، فإن الله سبحانه بواسع علمه وحكيم صنعته جعل لهذه الحياة أجلًا عنده تنقضي، ووقتًا إليه تنتهي، إنه يوم القيامة، يوم البعث والنشور.
أولًا: أجل يوم القيامة:
وقد وردت الآيات الكثيرة في كتاب الله تعالى التي تبين أن يوم القيامة مؤخرٌ إلى وقت معلوم محدود.
يقول سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) } [الإسراء: 99] .
أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى كما بدأهم.
وقوله: {وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ} أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا ومدةً مقدرةً لا بد من انقضائها.
كما قال تعالى: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) } [هود:104] .
وقوله: {فَأَبَى الظَّالِمُونَ} أي: بعد قيام الحجة عليهم {إِلَّا كُفُورًا} إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم 88.
وقد قضى الله تعالى هذا الأجل منذ الأزل {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) } [الأنعام: 2] .
عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال: إلى يوم القيامة.
وروي عن سعيد بن جبيرٍ، وعطية، والضحاك، وعكرمة، والسدي، وعطاءٍ الخراساني، والربيع بن أنسٍ نحو ذلك 89.
وأجل يوم القيامة جاء مانعًا من تعجيل العذاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ هي آخر الأمم.
يقول تعالى: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) } [طه: 129] .
بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل العذاب معجلًا على من كذب وكفر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم فقال: {وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) } .
وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجلٌ مسمًى لكان لزامًا.
ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله تعالى ملائكته وكتبه في اللوح المحفوظ، أن أمته عليه السلام وإن كذبوا فسيؤخرون ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال 90.
وأجل القيامة آتٍ لا محالة لا يحابي أحدًا أو ينتظر أحدًا.
يقول تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6) } [العنكبوت:5 - 6] .
يقول تعالى: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ} أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات ورجا ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه ويوفيه عمله كاملًا موفرًا، فإن ذلك كائنٌ لا محالة لأنه سميع الدعاء بصير بكل الكائنات ...
وقوله تعالى: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ} كقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [الجاثية: 15] .
أي: من عمل صالحًا، فإنما يعود نفع عمله على نفسه، فإن الله تعالى غنيٌ عن أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا 91.
ثانيًا: أجل النعيم والعذاب:
وكما اقتضت سنة الله الحكيم العليم بمجازاة المحسن على إحسانه والمسيء على إسائته، فإن هذا الجزاء مرتبط ارتباطًا وثيقًا بأجل انقضاء الدنيا وحلول البعث الذي فيه الحساب حيث يصير الناس إلى فريقين أهل النعيم وأهل العذاب والجحيم.
يقول تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) } [هود:103 - 108] .
يخبر الله تعالى عن تأخير يوم القيامة وعذابه إلى أجل معين: {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لانتهاء مدة محدودة في علمنا، لا يزاد عليها ولا ينقص منها، وهي عمر الدنيا، لإعطاء الفرصة الكافية للناس لإصلاح أعمالهم، وتصحيح عقيدتهم.
{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ} أي: فمن أهل الجمع من الناس في ذلك اليوم شقي معذب لكفره وعصيانه، ومنهم سعيد منعم في الجنان لإيمانه واستقامته، كما أخبر تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7] .
فمن أريد له الشر فعمل الشر، فهو من أهل الشقاوة، ومن أريد له الخير فعمل الخير، فهو من أهل السعادة، وكل ميسر لما خلق له ... ثم بين الله تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال عن الفريق الأول:
{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا} أي: فأما الأشقياء فهم في جهنم مستقرهم ومثواهم، بسبب اعتقادهم الفاسد وعملهم السيء، لهم من الهم والكرب وضيق الصدر زفير وشهيق، تنفسهم زفير، وإخراجهم النفس، وشهيق، لما هم فيه من العذاب، كما ذكر ابن كثير، مع أن الزفير في العادة هو إخراج النفس، والشهيق: رده.
{خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها على الدوام، مدة بقاء السماوات والأرض، والمراد: التأبيد ونفي الانقطاع، على سبيل التمثيل وقول العرب: أفعل كذا أو لا أفعله ما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وما تغنت حمامة.
ثم ذكر الله تعالى جزاء الفريق الثاني وهم السعداء: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا} أي: وأما أهل السعادة وهم أتباع الرسل، فمأواهم الجنة، {خَالِدِينَ فِيهَا} أي: ماكثين فيها أبدًا، مدة دوام السماء والأرض، بمشيئة الله تعالى، عطاء غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية، كقوله تعالى: {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25) } [الانشقاق: 25] .
قال ابن كثير: معنى الاستثناء هاهنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس.
فكلٌ من جزائي أهل النار وأهل الجنة دائمٌ بمشيئة الله تعالى.
فعذاب أهل النار في النار دائمًا مردود إلى مشيئته تعالى، وأنه بعدله وحكمته موافق لأعمالهم.
وثواب أهل الجنة في الجنة بحسب مشيئته تعالى أيضًا، جزاء بما كانوا يعملون.
إلا أنه تعالى أورد فرقًا في ختام آية كل من الفريقين، فقال عقب بيان حال الأشقياء: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} كما قال: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء: 23] .
وقال عقب بيان حال السعداء: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تطييب القلوب، والإشارة إلى أن جزاء المؤمنين هبة منه تعالى وإحسان دائم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) 92.
وجاء في الصحيحين: (يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت) 93 94.
موضوعات ذات صلة:
الدين، الطلاق، العبادة، الوقت
1 مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 64.
2 انظر: العين، الفراهيدي، 6/ 178، تهذيب اللغة، الأزهري، 11/ 132.
3 المفردات، الراغب الأصبهاني، ص 65.
4 الصحاح، الجوهري 4/ 1621.
5 معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن، الجمل، 1/ 58.
6 الكليات، الكفوي 1/ 49.
7 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 14 - 15، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهمزة ص 25 - 26.
8 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 108 - 109، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 1/ 67 - 69.
9 مقاييس اللغة، ابن فارس، 4/ 140.
10 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، 247.
11 معجم الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، 18.
12 تهذيب اللغة، الأزهري، 9/ 189.
13 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 340.
14 الكليات، أبو البقاء الكفوي، 945.
15 نفس المصدر السابق.
16 الصحاح، الجوهري، 2/ 537.
17 الكليات، أبو البقاء الكفوي، 874.
18 بصائر دوي التمييز، الفيروزابادي، 2/ 108.
19 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 214.
20 جامع البيان، الطبري، 20/ 54.
21 المصدر السابق، 11/ 407.
22 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 300.
23 تكوير الشمس: ذهاب ضوئها، وانكدار النجوم: انتثارها وذهاب نورها. انظر: التفسير الميسر، نخبة من المفسرين، ص 586.
24 جامع البيان، الطبري، 16/ 326.
25 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 17/ 200.
26 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الحق، باب ذكر الملائكة، رقم 3208، 4/ 111.
27 مجموع الفتاوى، 14/ 489.
28 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 17/ 258.
29 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 614.
30 معالم التنزيل، البغوي، 3/ 26.
31 المصدر السابق.
32 تفسير القرآن العظيم، 4/ 403.
33 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم 2067، 3/ 56.
34 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف، رقم 3076، 5/ 267.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
35 أخرجه الدولابي في الكنى والأسماء، رقم 872، 2/ 481.
36 مجموع الفتاوى، ابن تيمية، 14/ 490 - 492.
37 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، جزء من رقم 1425، 2/ 563.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
38 أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب قيام شهر رمضان، جزء من رقم 1373، 2/ 524.
قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
39 أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، رقم 1813، 1/ 669.
حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم 7739، 2/ 1279.
40 روح المعاني، الألوسي 7/ 161 - 162.
41 البيت ينسب إلى حكيم النهشلي، كان يرتجز به وهو يقاتل.
انظر: نهاية الأرب، النويري، 15/ 381.
42 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 4/ 31.
43 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 275.
44 المحرر الوجيز، ابن عطية، 4/ 568.
45 جامع البيان، الطبري، 18/ 567 569.
46 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الحق، باب ذكر الملائكة، رقم 3208، 4/ 111.
47 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 214.
48 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 4/ 114.
49 التفسير الوسيط، الزحيلي، 3/ 2668.
50 خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد علي البار، ص 365.
51 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم 2645، 4/ 2037.
52 موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، محمد راتب النابلسي، 1/ 87.
53 جامع البيان، الطبري، 12/ 405.
54 المصدر السابق، 15/ 100.
55 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 452.