فهرس الكتاب

الصفحة 782 من 2431

يقول سيد رحمه الله: «إن حساسية الفرد بذاته متحوصلة متحيزة هي التي تجعله شموسًا عصيًّا شحيحًا على أخيه، فأما حين يخلط نفسه بنفوس العصبة المؤمنة معه فلن يجد فيها ما يمنعه، وما يستعصي به، وماذا يبقى له في نفسه دونهم، وقد اجتمعوا في الله إخوانًا يحبهم ويحبونه، ويشيع هذا الحب العلوي بينهم ويتقاسمونه؟! {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} فيهم على الكافرين إباء واستعلاء؛، ولهذه الخصائص هنا موضع، إنها ليست العزة للذات، ولا الاستعلاء للنفس، إنما هي العزة للعقيدة، والاستعلاء للراية التي يقفون تحتها في مواجهة الكافرين، إنها الثقة بأن ما معهم هو الخير، وأن دورهم هو أن يطوعوا الآخرين للخير الذي معهم لا أن يطوعوا الآخرين لأنفسهم، ولا أن يطوعوا أنفسهم للآخرين وما عند الآخرين! ثم هي الثقة بغلبة دين الله على دين الهوى، وبغلبة قوة الله على تلك القوى، وبغلبة حزب الله على أحزاب الجاهلية، فهم الأعلون حتى وهم ينهزمون في بعض المعارك، في أثناء الطريق الطويل» 42.

ولما قيل: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ربما توهم أنّ مفهوم القيد غير معتبر، وأنهم موصوفون بالذل دائمًا، وعند كل أحد، فدفع بقوله: {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} 43.

ففي قوله تعالى: {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} تكميل؛ لأنه لما وصفهم بالتذلل ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة، فقال: ومع ذلك هم {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} .

واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين، والشدة على الكفار 44.

وهذا الوصف هو وصف لهؤلاء القوم بعد أن دخلوا في الإسلام، فكانت تلك صفتهم، وهذا سلوكهم، فهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} أي: متخاضعين للمؤمنين، لا يلقونهم إلا باللّين والتواضع {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} أي: أشدّاء وأقوياء، لا يلقى منهم أهل الكفر إلا بلاء في القتال، واستبسالًا في الحرب .. ، أما في السّلم فهم جبال راسخة في الإيمان، لا ينال أحد منهم نيلًا في دينه، ولا يطمع أحد من أعداء الإسلام في موالاتهم، أو في تعاطفهم معه 45.

والأذلة والأعزة وصفان متقابلان وصف بهما القوم باختلاف المتعلق بهما ... ، ويطلق الذل على لين الجانب والتواضع، وهو مجاز ... ، فالمراد هنا الذل بمعنى لين الجانب، وتوطئة الكنف، وهو شدة الرحمة، والسعي للنفع؛ ولذلك علق به قوله: {عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، والأعزة: جمع العزيز، فهو المتصف بالعز، وهو القوة والاستقلال، ولأجل ما في طباع العرب من القوة صار العز في كلامهم يدل على معنى الاعتداء، ففي المثل (من عزّ بزّ) وقد أصبح الوصفان متقابلين؛ فلذلك قال السموأل 46:

وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا

عزيز وجار الأكثرين ذليل

وإثبات الوصفين المتقابلين للقوم صناعة عربية بديعية، وهي المسماة: الطباق، وبلغاء العرب يغربون بها، وهي عزيزة في كلامهم، وقد جاء كثير منها في القرآن، وفيه إيماء إلى أن صفاتهم تسيرها آراؤهم الحصيفة، فليسوا مندفعين إلى فعلٍ ما إلا عن بصيرة، وليسوا ممن تنبعث أخلاقه عن سجية واحدة، بأن يكون لينًا في كل حال، وهذا هو معنى الخلق الأقوم، وهو الذي يكون في كل حال بما يلائم ذلك الحال، كما قال 47:

حليم إذا ما الحلم زين أهله

مع الحلم في عين العدو مهيب 48

فالقرآن عندما يعبّر عن الإنسان السويّ فهو لا يضع المؤمن في قالب حديدي، بحيث لا يستطيع أن يتغير، فيقول سبحانه: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] .

إذن فليس المؤمن مطبوعًا على الذلة، ولا مطبوعًا على العزة، لكنه ينفعل للمواقف المختلفة، فهذا موقف يتطلب ذلة وتواضعًا للمؤمنين، فيكون المؤمن ذليلًا، وهناك موقف آخر يتطلب عزة على الكافرين المتكبرين، فيكون المؤمن عزيزًا 49.

وكيف يكون الإنسان المؤمن ذليلًا وعزيزًا في آن واحد؟ لأن الحق لا يريد أن يطبع الناس على لون واحد من الانفعال، ولكنه يريد أن ينفعلوا تبعًا للموقف، فعندما يحتاج الموقف إلى أن يكون المؤمن عطوفًا فالمؤمن يواجه الموقف بالعاطفة، وعندما يحتاج الموقف إلى الشدة فالمؤمن يواجه الموقف بالشدة، وإن احتاج الموقف إلى الكرم فالمؤمن يقابل الموقف بالكرم، فالمسلم إذن ينفعل انفعالًا مناسبًا لكل موقف، وليس مطبوعًا على انفعال واحد، ولو انطبع المؤمن على موقف ذلة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب العزة فلا يجدها، ولو طبع المؤمن على عزة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف يتطلب الذلة فلا يجدها؛ لذلك جعل الحق قلب المؤمن لينًا قادرًا على المواجهة كل موقف بما يناسبه 50.

فالشدة في محلّ اللين هي من الحمق والخرق، واللين في محلّ الشدة هو من الضعف والخور، والسداد والحكمة أن تكون الشدة في محلّ الشدة، واللين في محلّ اللين 51.

قال أبو السعود: أي: يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم في الدين الرحمة والرأفة، قال المفسرون: وذلك لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123] .

وقد بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تمسّ أبدانهم، وكان الواحد منهم إذا رأى أخاه في الدين صافحه وعانقه.

وقد قال عطاء في هذا: إنهم للمؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيده، وعلى الكافرين كالأسد على فريسته 52.

ومما يدل على التواضع للخلق قوله عز وجل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] .

والخفض: معناه في اللغة: نقيض الرفع، ومنه قوله تعالى في وصف القيامة {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} [الواقعة: 3] .

أي: أنّها تخفض أهل المعاصي، وترفع أهل الطّاعة، وجناح الإنسان: يده.

قال الليث: يد الإنسان جناحه، قال تعالى: {وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ} [القصص: 32] .

وخفض الجناح كناية عن اللّين والرّفق والتّواضع، والمقصود: أنه نهاه عن الالتفات إلى الأغنياء من الكفار، وأمره بالتّواضع لفقراء المؤمنين، ونظيره: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] 53.

وإذا أردت أن تعرف نفسك هل أنت متواضع أو لا؟ فانظر لنفسك حين تخاطب الفقير والمسكين، صاحب الحاجة، فحين تخاطبه متذكرًا فضل الله عز وجل، وتحنّ عليه، وترحمه، فهذا هو التواضع.

فيظهر تواضعك مع من هو دونك من الخلق، وليس مع من هو أعلى منك؛ لأن الذي هو أعلى منك إما أن تتواضع له اختيارًا، وإما أن يجبرك على ذلك؛ لأنك لا تقدر أن تترفع عليه، ولن يقبل منك.

فالتواضع الحقيقي يكون لمن هو أقل منك، وتحمد ربك سبحانه على ما أعطاك من فضله.

وإذا تعارض التواضع للحق مع التواضع للخلق فأيهما يقدّم؟

يقدّم التواضع للحق، فمثلًا: لو كان هناك إنسان يسب الحق، ويفرح بمعاداة من يعمل به، فهنا لا تتواضع له، تواضع للحق، وجادل هذا الرجل حتى وإن أهانك، أو تكلم فيك، فلا تهتم به، فلابد من نصرة الحق 54.

قال ابن تيمية: «نهى الله على لسان نبيه عن نوعي الاستطالة للخلق الفخر والبغي؛ لأن الاستطالة إن بحق فافتخار، وإن بغيره فبغي، فلا يحل هذا ولا ذاك، مثل أن يذكر فضل بني هاشم أو قريش أو العرب أو بعضهم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه، والنظر إلى ذلك، فإنه مخطيء في هذا؛ لأن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص كما قدمناه، فرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش» 55.

ويتأكد للشيخ التواضع مع طلبته ... ، وإذا طلب التواضع لمطلق الناس، فكيف لمن له حق الصحبة، وحرمة التودد وصدق المحبة؟! لكن لا يتواضع معهم مع اعتقاد أنهم دونه، وممن يتأكد التواضع لهم: الضعفة والمساكين.

قال الإمام النووي: «وليكن شريف النّفس عفيفًا، متواضعًا للصّالحين، وضعفة المسلمين» 56.

والمقصود: أن الله يحب من عباده أن يتواضعوا، ولا يعلو أحد على أحد، متكئًا على نسب، أو مال، أو جاه، أو حسب.

والكتاب والسنة حافلان بما يحث على التواضع للخلق، وخفض الجناح لهم، وما سبق ذكره غيض من فيض، وقليل من كثير مما ورد في ذلك.

مع ملاحظة أن التواضع للخلق لا يعني الذلة للأغنياء من أجل غناهم وأموالهم؛ لأن العلماء قد قسّموا التواضع إلى نوعين هما: محمود، وهو: ترك التطاول على عباد الله، والإزراء بهم، ومذموم، وهو: تواضع المرء لذي الدنيا رغبة في دنياه، فالعاقل يلزم مفارقة التواضع المذموم على الأحوال كلها، ولا يفارق التواضع المحمود على الجهات كلها.

التواضع وإن كان خلقًا من الأخلاق وعلاقته بالقلب، إلا أن له مظاهر ودلالات ظاهرية تدل عليه في المأكل والملبس وغيرها، ومن هذه المظاهر:

من مظاهر التواضع قبول الحق ممن جاء به كائنًا من كان، وإن خالف الرأي والهوى، وقد جاء في تعريف التواضع أنه: قبول الحق 57.

وقال ابن عطاء: «التواضع: قبول الحق ممن كان» 58.

وقد امتدح الله المؤمنين بقوله: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] .

والمعنى: أن من صفات المؤمنين الصادقين أنهم إذا ما دعوا إلى حكم شريعة الله تعالى التي أوحاها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا عندما يدعون لذلك: سمعنا وأطعنا بدون تردد أو تباطؤ، وذلك لكمال إيمانهم، ومعرفتهم للحق، وتواضعهم له، وعدم تكبرهم عنه، {وَأُولَئِكَ} الذين يفعلون ذلك {هُمُ الْمُفْلِحُونَ} فلاحًا تامًّا في الدنيا والآخرة.

وهذه هي الصورة المشرقة لإيمان المؤمنين، وما في قلوبهم من صدق ويقين، إنهم إذا دعوا إلى كتاب الله ليحكم بينهم أجابوا بالسّمع والطاعة، ورضوا بما يقضي به الله ورسوله فيهم، سواء أكان ذلك لهم أم عليهم، هكذا الإيمان، وهكذا شأن المؤمنين: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .

إنه السمع والطاعة لما يأمر به الله ورسوله دون تردد أو ارتياب؛ إذ لا إيمان مع تردد في أمر من أمر الله، أو شك في حكم من أحكامه 59.

إذ لابد من الانقياد للحق في جميع الأمور، ظاهرًا وباطنًا، والتسليم له كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، والسمع والطاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول سيد رحمه الله: «فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال ولا انحراف، السمع والطاعة المستمدان من الثقة المطلقة في أن حكم الله ورسوله هو الحكم، وما عداه الهوى، النابعان من التسليم المطلق لله، واهب الحياة، المتصرف فيها كيف يشاء، ومن الاطمئنان إلى أن ما يشاؤه الله للناس خير مما يشاءونه لأنفسهم، فالله الذي خلق أعلم بمن خلق» 60.

وقال في المقابل عن المنافقين المتكبرين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 61] .

أي: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكّمه فيما بيننا، وإلى الرسول ليحكم بيننا بما أراه الله، رأيتهم يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضًا متعمدًا منهم بسبب ما فيهم من الضلال والكبر عن اتباع الحق.

وقال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ} [الحج: 54] .

والإخبات: هو الخشوع والتواضع والانقياد.

أي: ولكى يعلم أهل العلم بالله أن الذي أنزله الله من آياته التي أحكمها ونسخ ما ألقى الشيطان أنه الحق من ربهم، فيصدّقوا به، وتخضع له قلوبهم، وتذعن للإقرار به نفوسهم، وتعمل بما فيه من عبادات وآداب وأحكام وهى مثلجة الصدر هادئة مطمئنة ببرد اليقين، والسير على نهج سيد المرسلين 61.

وكما هو معلوم أن من الأسباب المانعة من قبول الحق هو الكبر وعدم التواضع والخضوع للحق.

قال تعالى: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأحقاف: 20] .

فمن تكبّر لرياسة نالها دل على دناءة عنصره، ومن تفكر في تركيب ذاته فعرف مبدأه ومنتهاه وأوسطه عرف نقصه، ورفض كبره، ومن كان تكبّره لغنية فليعلم أن ذلك ظل زائل، وعارية مستردة، وإنما قال: {بِغَيْرِ الْحَقِّ} إشارة إلى أن التكبر ربما يكون محمودًا، وهو التكبر والتبختر بين الصفين 62.

ولهذا كان أكثر من يتكبر عن الحق هم المترفون المتكبرون، كما قال سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .

ومترفوها هم: أهل الرفاهية والمال في الغالب؛ لأنهم أهل الشر وعدم قبول الحق، خلاف الضعفاء والفقراء فإن الغالب عليهم التواضع وقبول الحق، فأهل الترف هم أصحاب الجاه وأصحاب المال {إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا} أي: أصحاب المال والجاه فيهم {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} أي: على ملة ودين، وإنّا متبعون لهم على دينهم، يعني: لسنا بحاجة إليكم أيها الرسل، يزعمون أن هذا يغنيهم عن اتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهذا هو التقليد الأعمى، وهو من أمور الجاهلية.

واحتقار المكذّبين للرسل عليهم السلام وأتباعهم، واعتقاد نقصهم، والتهكم بهم، والتكبر عليهم من الموانع الصادة عن وصول الإيمان إلى القلب، واتباع الحق، كما قال قوم نوح عليه السلام: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء: 111] .

وهذا الداء منشؤه من الكبر؛ فإذا تكبّر وتعاظم في نفسه، واحتقر غيره اشمأز من قبول ما جاء به من الحق، وقد سبق في الحديث أن الكبر (بطر الحق) 63 وهو ردّه، وعدم قبوله كبرًا، إذا خالف هواه، أو جاءه ممن هو دونه.

ومن هنا قال بعض السلف: التواضع أن تقبل الحق من كل من جاء به، وإن كان صغيرًا، فمن قبل الحق ممن جاء به، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، وسواء أكان يحبه أم لا يحبه فهو متواضع، ومن أبى قبول الحق تعاظمًا عليه فهو متكبر 64.

فالمتواضع يقبل الحق ممن جاء به كائنًا من كان، ولو كان عدوًّا مخالفًا في الدين؛ لأنه يحب الحق، وينشده، ويخضع له.

قال صاحب المنازل: «التواضع: أن يتواضع العبد لصولة الحق» .

قال ابن القيم: «يعني: أن يتلقى سلطان الحق بالخضوع له، والذل والانقياد، والدخول تحت رقه، بحيث يكون الحق متصرفًا فيه تصرف المالك في مملوكه، فبهذا يحصل للعبد خلق التواضع» 65.

والحاصل: أن من علامات التواضع قبول الحق، والانقياد له، وإن خالف الرأي والهوى.

وقد ذم الله قومًا بقوله: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206] .

وهؤلاء أقوام استولى عليهم التكبّر، وزال عنهم خضوع الإنصاف، فشمخت آنافهم عن قبول الحق، فإذا أمرته بمعروف قال: ألمثلي يقال هذا؟! وأنا كذا وكذا! ثم يتكبر عليك، فيقول: وأنت أولى بأن تؤمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فإن من حالك وقصتك كذا وكذا، ولو ساعده التوفيق، وأدركته الرحمة، وتقلّد المنة بمن هداه إلى رؤية خطئه، ونبّهه على سوء وصفه، لم يطوِ على النصيحة جنبيه 66.

ومن مظاهر التواضع: اللين مع الخلق، والرفق بهم، والشفقة عليهم، والتواضع لهم، وترك الترفع عليهم، وخفض الجناح لهم، والرأفة والرحمة بهم، وبخاصة العوام والجهلة، ففي اللين والرحمة والشفقة بهم اقتضاءً للحكمة، وتحقيقًا للعدل والإنصاف والتواضع، ومن علامة حب الله تعالى للمؤمن أن يكون ليّن الجانب، متواضعًا لإخوانه المؤمنين، متسربلًا بالعزّة حيال الكافرين والمنافقين.

وقد مدح الله نبيّه يحيى بقوله: {وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا} [مريم: 14] .

أي: لم يكن متكبرًا على الناس، بل كان ليّن الجانب متواضعًا لهم 67.

وأمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بمثل هذا في قوله: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] .

ووصفه بقوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

وهذا الكلام لسيد البشر عليه الصلاة والسلام، فلا شك أن من هو دونه أولى بهذا.

وممن أمر الله بخفض الجناح لهم: الوالدان، فهما أولى الناس بذلك، قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 24] .

وخفض الجناح: كناية عن لين الجانب، ولطف المعاشرة، ورقّة الحديث.

والإنسان فيه جانبان من كل شيء: جانب الخير وجانب الشر، جانب القوة وجانب الضعف، جانب الشدة وجانب اللين، وهكذا، وبين جانبى الإنسان إرادة هي التي تنزع به إلى أي الجانبين، فهو في هذا أشبه بالطائر حين يريد الاتجاه إلى أية جهة يخفض جناحه لها، على حين يفرد الجناح الآخر، فكأنّ الإنسان حين دعي إلى أن يلين لأبويه، وأن يرّق لهما، قد مثّل بطائر أراد أن يأخذ هذا الجانب من جانبيه، وهو جانب الرحمة والعطف، فخفض جناحه ومال إليه 68.

وقد كان صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لطيف المعاملة، ليّن الجانب، ليس بفظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب، ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يؤيّس منه، ولا يجيب فيه، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه قاصده، ولا يذم أحدًا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، فأحبوه حبًّا ملك مشاعرهم، فما حكاه التاريخ الصادق عنهم، من أنه ما كان أحد يحب أحدًا مثل ما كان يحب أصحاب محمد محمدًا صلى الله عليه وسلم.

وكان صلى الله عليه وسلم يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، ينصرف إلى من جالسه أو قاربه لحاجة حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يردّه، قد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا.

وقد مدحه الله بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] .

وهذه الآية تبين ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من الأخلاق العظيمة تجاه أمة دعوته، من كونه يعزّ عليه مشقتهم وهلاكهم، وضررهم وأذاهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب، ويحرص على هداهم، ويرأف بهم ويرحمهم.

وأخبره سبحانه فقال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] .

أي: والحال أنهم مجتمعون حوله صلى الله عليه وسلم بفضل الله وبرحمته، فهو الذي جعل في قلبه الشفقة والحنان والرحمة على المؤمنين؛ ليقتدي به المؤمنون، فكل إنسان مؤمن قدوته النبي صلى الله عليه وسلم، فهو مهما أنفق على الناس من مال فلن يجمع قلوبهم، وقد يجمع أبدانهم، لكن القلوب يجمعها الله سبحانه وتعالى بما يجعله في خلق الإنسان من تواضع، ومن لين جانب، ومن حب للغير، فمن يحب الخلق يحبه الخلق، أما من يكره الناس تكرهه الناس؛ ولذلك كان الرجل الجاهلي يقول 69:

لا أسأل الناس عما في ضمائرهم

ما في ضميري لهم من ذاك يكفيني

أي: لا أسأل أحدًا هل تحبني، أو لا تحبني؟ ولكن أبحث في قلبي إذا كنت أحب إنسانًا، فإن الله عز وجل يجعل في قلب هذا الإنسان المحبة لي، أما إذا كنت أكرهه فكيف أرجو المحبة منه؟! فعلى ذلك لا تطلب محبة من تكرهه.

فجعل الله عز وجل في قلب النبي صلى الله عليه وسلم المحبة للمؤمنين، فكان يدعو لهم، ويشفق عليهم، ويرحمهم، ويرأف بهم، فيحبونه، ويجتمعون حوله صلوات الله وسلامه عليه. وهكذا ينبغي أن يكون حال المسلم في معاملته مع الناس، وتواضعه معهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت