فهرس الكتاب

الصفحة 1662 من 2431

العمل

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (عمل) تدل على كل فعل يفعل 1.

قال الخليل: عمل عملًا فهو عاملٌ، واعتمل: عمل لنفسه 2.

والعمالة: أجر ما عمل.

والمعاملة: مصدر من قولك: عاملته، وأنا أعامله معاملة.

والعَمَلة: القوم يعملون بأيديهم ضروبًا من العمل، حفرًا، أو طيًا أو نحوه 3.

والخلاصة: أن العمل: المهنة والفعل، والجمع أعمال.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معنى العمل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وقد عرفه المناوي بقوله: العمل: كل فعل من الحيوان بقصد، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوان الذي يقع منه فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجماد، والعمل قلما ينسب إلى ذلك 4.

وقال الكفوي: العمل: المهنة والفعل، والعمل يعم أفعال القلوب والجوارح 5.

وقال الصغاني: تركيب الفعل يدل على إحداث شيء من العمل وغيره، فهذا يدل على أن الفعل أعم من العمل 6.

وفي معجم الفقهاء قال: العمل: بالتحريك مصدر عمل، جمع أعمال، كل فعل كان بقصد وفكر، سواء كان من أفعال القلوب كالنية، أم من أفعال الجوارح كالصلاة، والعملة: بضم العين أو كسرها، وسكون الميم، وفتح اللام: ما يعطاه الأجير أجرة عمله 7.

وردت مادة (عمل) في القرآن الكريم (345) مرة 8.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 94 ... {مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [البقرة:62]

الفعل المضارع ... 166 ... {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } [البقرة:74]

فعل الأمر ... 11 ... {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) } [سبأ:11]

الاسم ... 61 ... {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [هود: 46]

اسم فاعل ... 13 ... {وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} [التوبة: 60]

وجاء العمل في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الدال على الفعل والمهنة.

وقد نوع القرآن الكريم في استعمال المفردات الدالة على ذات المعنى، ومن تلك المفردات المستعملة: فعل، وكسب، وسعى، وغيرها.

وقد أطلق القرآن الكريم (العمل) على الأعمال الصالحة والسيئة، نحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 277] ، وقوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123] 9.

الكسب:

الكسب لغةً:

تدل مادة (كسب) على ابتغاء وطلب وإصابة، فالكسب من ذلك، ويقال: كسب أهله خيرًا، وكسبت الرجل مالًا فكسبه 10.

الكسب اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الكسب في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وقد عرفه المناوي بقوله: الكسب: ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار على إحسان قوة عليه 11.

الصلة بين العمل والكسب:

العمل والكسب لفظان متقاربان في المعنى في اللغة؛ لذا لا نجد أهل اللغة يفرقون بينهما كثيرًا، بل يعرفون أحدهما بالآخر.

قال الجوهري: الكدح، والعمل، والسعي، والخدش، والكسب 12. بمعنى واحد.

ويقول ابن فارس: السعي هو: العمل والكسب 13.

الفعل:

الفعل لغةً:

تدل مادة (فعل) على إحداث شيء من عمل وغيره، من ذلك: فعلت كذا أفعله فعلًا، وكانت من فلان فعلة حسنة أو قبيحة، والفعال جمع فعل، والفعال، بفتح الفاء: الكرم، وما يفعل من حسن 14.

الفعل اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الفعل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وقد عرفه الجرجاني بقوله: الفعل كون الشيء مؤثرًا في غيره، كالقاطع ما دام قاطعًا، وفي اصطلاح النحاة: ما دل على معنى في نفسه مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة 15.

وعرفه الفيروزآبادي الفعل بأنه: كناية عن كل عمل، متعد أو غيره 16.

وقال الراغب: الفعل: التأثير من جهة مؤثر، وهو عام لما كان بإجادة أو غير إجادة، ولما كان بعلم أو غير علم، وقصد أو غير قصد؛ ولما كان من الإنسان والحيوان والجمادات، والعمل مثله، والصنع أخص منهما 17.

الصلة بين العمل والفعل:

قال الراغب: العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده، فهو أخص من الفعل؛ لأن الفعل قد ينسب إلى الحيوانات التي يقع منها فعل بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلما ينسب إلى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم: الإبل والبقر العوامل 18.

الصنع:

الصنع لغةً:

تدل مادة (صنع) على عمل الشيء، ويقال: امرأة صناع، ورجل صنع، إذا كانا حاذقين فيما يصنعانه 19. والصنيعة: ما اصطنعته من خير، والتصنع: حسن السمت 20.

الصنع اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الصنع في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وقد عرفه الكفوي بقوله: الصناعة: كل عمل مارسه الرجل، سواء كان استدلاليًا، أو غيره، حتى صار كالحرفة له، فإنه يسمى صناعة، وقيل: كل عمل لا يسمى صناعة حتى يتمكن فيه، ويتدرب، وينسب إليه.

وقيل: الصنعة «بالفتح» العمل، والصناعة قد تطلق على ملكة يقتدر بها على استعمال المصنوعات على وجه البصيرة لتحصيل غرض من الأغراض بحسب الإمكان.

والصناعة «بالفتح» : تستعمل في المحسوسات، وبالكسر في المعاني، وقيل: بالكسر حرفة الصانع، وقيل: هي أخص من الحرفة؛ لأنها تحتاج في حصولها إلى المزاولة 21.

الصلة بين الصنع والعمل:

قال الراغب: الصنع: إجادة الفعل، فكل صنعٍ فعلٌ، وليس كل فعل صنعًا، ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات، كما ينسب إليها الفعل.

وقال الكفوي: الإبداع، والاختراع، والصنع، والخلق، والإيجاد، والإحداث والفعل، والتكوين، والجعل: ألفاظ متقاربة المعاني 22.

السعي:

السعي لغةً:

السعي: الكسب، وكل عمل من خير أو شر سعيٌ، وفي التنزيل: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15] 23.

السعي اصطلاحًا:

لا يختلف معنى السعي في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وعرف الكفوي السعي بأنه: الإسراع في المشي إذا انصرف عنك، وذهب مسرعًا، وسعى، كـ «رعى قصد وعمل ومشى وعدا» ، والسعي إذا كان بمعنى المضي والجري يتعدى بـ «إلى» نحو: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وإذا كان بمعنى العمل يتعدى باللام، كقوله: {وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] 24.

الصلة بين السعي والعمل:

السعي والعمل لفظان متقاربان في المعنى، قال الخليل: السعي: عدوٌ ليس بشديد، وكل عملٍ من خيرٍ أو شرٍ فهو السعي، يقولون: السعي: العمل، أي: الكسب 25.

الشغل:

الشغل لغةً:

تدل مادة (شغل) على خلاف الفراغ، تقول: شغلت فلانًا فأنا شاغله، وهو مشغول، وشغلت عنك بكذا، على لفظ ما لم يسم فاعله، قالوا: ولا يقال: أشغلت، ويقال: شغل شاغل، وجمع الشغل أشغال، وقد جاء عنهم: اشتغل فلان بالشيء، وهو مشتغل 26.

الشغل اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الشغل في الاصطلاح عن معناه في اللغة.

وقال الراغب: الشغل: العارض الذي يذهل الإنسان، قال عز وجل: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) } [يس: 55] 27.

الصلة بين الشغل والعمل:

لم يستعمل الشغل بمعنى العمل إلا في اللغة الدارجة العامية، فقد جاء في تكملة المعاجم العربية قوله: ويستعمل الشغل عند المولدين بمعنى العمل.

إلا أن هناك علاقة بين اللفظين، من حيث أن الشغل هي الحالة التي يكون عليها العامل أي عمل، يقال: هو في شغل، أي: ضد الفراغ.

الكدح:

الكدح لغةً:

تدل مادة (كدح) على تأثير في شيء، يقال: كَدَحَهُ وكَدَّحَهُ، إذا خدشه، ومن هذا القياس: كدح إذا كسب، يكدح كدحًا فهو كادح، قال الله عز وعلا: {يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) } [الانشقاق: 6] . أي: كاسب 28.

الكدح اصطلاحًا:

عرفه الكفوي بقوله: الكدح: العمل والسعي والكد والكسب، ومنه قوله تعالى: {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6] أي: ساع إلى لقاء جزائه، ويقال: هو يكدح ويكتدح، أي: يكتسب 29.

الصلة بين الكدح والعمل:

بين الكدح والعمل تقارب في المعنى، ويزيد الكدح في الدلالة على الشدة في العمل، والتعب والعناء.

قرن الله تعالى في القرآن الكريم بين العمل الصالح والإيمان في كثير من الآيات، قال تعالى: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] جاء هذا الاقتران -بهذه العبارة- في تسع وأربعين آية.

وجعل الإيمان في آياتٍ أخر شرطًا لقبول العمل، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [النساء: 124] وقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} [النحل: 97] .

وهذا الاقتران بين العمل الصالح والإيمان في القرآن له حكم عديدة، منها:

1.بيان أهمية الإيمان في قبول العمل، وأهمية العمل أيضًا في حصول الإيمان.

فهما قرناء؛ إذ لا تنفع الأعمال بدون إيمان، ولا يكون إيمان بلا أعمال تدل عليه.

ففي هذا تنبيه لطيف جدًا إلى منزلة الأعمال الصالحة مع إيمان القلب، وأن في ذكرها معه إشارة إلى أنه لا يكتفي بإيمان القلب؛ ولعل ذلك راجع إلى أن الأعمال من دلائل الإيمان الظاهرة؛ وأنها لازمة له، فكلما وجد الإيمان فلا بد أن يوجد العمل معه 30.

2.التأكيد على أنه لا يحصل الإيمان الشرعي إلا باجتماع الإيمان والعمل، ولا يكفي واحد من هذه الأمور، بل لا بد من الإتيان بها جميعًا.

وهذا ما اتفق عليه السلف رضوان الله عليهم، قال الإمام الشافعي رحمه الله: «وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، وممن أدركناهم يقولون: إن الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر» 31.

وقال ابن عبد البر رحمه الله: «أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم تسمى إيمانًا» 32.

3.بيان التلازم بينهما، وشرطية الأعمال في وجود الإيمان، وشرطية الإيمان في قبول الأعمال.

فجميع الأعمال الصالحة التي شرعها الله على لسان نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم إذا تأسست على الإيمان كان السعي مشكورًا، مقبولًا مضاعفًا، لا يضيع منه مثقال ذرة.

هذا هو قانون العمل والجزاء، لا جحود ولا كفران للعمل الصالح، متى قام على قاعدة الإيمان، وهو مكتوب عند الله لا يضيع منه شيء، ولا يغيب.

فلا بد من الإيمان لتكون للعمل الصالح قيمته، بل ليثبت للعمل الصالح وجوده، ولا بد من العمل الصالح لتكون للإيمان ثمرته، بل لتثبت للإيمان حقيقته.

إن الإيمان هو قاعدة الحياة؛ لأنه الصلة الحقيقية بين الإنسان وهذا الوجود، والرابطة التي تشد الوجود بما فيه ومن فيه إلى خالقه الواحد، وترده إلى الناموس الواحد الذي ارتضاه، ولا بد من القاعدة ليقوم البناء، والعمل الصالح هو هذا البناء، فهو منهار من أساسه ما لم يقم على قاعدته.

والعمل الصالح هو ثمرة الإيمان التي تثبت وجوده وحيويته في الضمير، والإسلام بالذات عقيدة متحركة متى تم وجودها في الضمير تحولت إلى عمل صالح هو الصورة الظاهرة للإيمان المضمر، والثمرة اليانعة للجذور الممتدة في الأعماق.

ومن ثم يقرن القرآن دائمًا بين الإيمان والعمل الصالح كلما ذكر العمل والجزاء، فلا جزاء على إيمان عاطل خامد لا يعمل ولا يثمر، ولا على عمل منقطع لا يقوم على الإيمان.

والعمل الطيب الذي لا يصدر عن إيمان إنما هو مصادفة عابرة؛ لأنه غير مرتبط بمنهج مرسوم، ولا موصول بناموس مطرد، وإن هو إلا شهوة أو نزوة غير موصولة بالباعث الأصيل للعمل الصالح في هذا الوجود، وهو الإيمان بإله يرضى عن العمل الصالح لأنه وسيلة البناء في هذا الكون، ووسيلة الكمال الذي قدره الله لهذه الحياة، فهو حركة ذات غاية مرتبطة بغاية الحياة ومصيرها، لا فلتة عابرة، ولا نزوة عارضة، ولا رمية بغير هدف، ولا اتجاها معزولًا عن اتجاه الكون وناموسه الكبير 33.

فإذا فقد العمل الإيمان فلو استغرق العامل ليله ونهاره فإنه غير مقبولٍ، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [الفرقان: 23] .

ذلك أنه لم يقم على الإيمان الذي يصل القلب بالله، والذي يجعل العمل الصالح منهجًا مرسومًا، وأصلًا قاصدًا، لا خبط عشواء، ولا نزوة طارئة، ولا حركة مبتورة، لا قصد لها ولا غاية، فلا قيمة لعمل مفرد لا يتصل بمنهج، ولا فائدة لحركة مفردة ليست حلقة من سلسلة ذات هدف معلوم، وهكذا تعدم أعمال أولئك المشركين، تعدم إعدامًا يصوره التعبير القرآني تلك الصورة الحسية المتخيلة: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [الفرقان: 23] .

وقال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف: 103 - 106] .

فهم لما فقدوا الإيمان، وأحلوا محله الكفر بالله وآياته حبطت أعمالهم، قال تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ولهذا كانت الردة عن الإيمان تحبط جميع الأعمال الصالحة، كما أن الدخول في الإسلام والإيمان يجب ما قبله من السيئات وإن عظمت، فالتوبة من الذنوب المنافية للإيمان، والقادحة فيه، والمنقصة له تجب ما قبلها، قال تعالى مبينًا صفات عباده الصالحين: 34 {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) } [الفرقان: 68 - 70] .

والمقصود: أن القرآن دائمًا يقرن بين الأعمال والإيمان؛ وذلك لبيان أنه لا بد في الإيمان من العمل خلافًا للمرجئة 35؛ ولبيان شرطية وجود الإيمان لقبول العمل، والغالب أن يتقدم ذكر الإيمان، ثم يليه ذكر العمل الصالح، وقد يذكر الله في القرآن العمل، ثم يذكر بعده الإيمان، كما في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) } [طه: 112] .

وقد يفرد أحدهما بالذكر، ويدخل معه الآخر، كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] والمراد: العمل الصالح المنبعث على أساس الإيمان، يرفعه الله تعالى، ويقبله.

وكما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} [البقرة: 103] أفرد ها هنا الإيمان، فدخل معه العمل.

والحاصل: أن الإيمان إذا أطلق دخلت معه الأعمال الصالحة المأمور بها، وأن العمل أذا أطلق دخل معه الإيمان، وقد يقرنا معًا، فيكون المراد بالإيمان ما في القلب، والعمل ما في الجوارح.

وهذا يدل على أن مجرد الإيمان لا يكفي، فلا بد من العمل؛ والعمل وحده بدون إيمان لا يقبل؛ ولهذا قرن الله بينهما في أكثر من سبعين آية من آيات القرآن الكريم.

وهذا الجمع بين الأمرين هو سبيل المؤمنين المهتدين، وإهمالهما، أو إهمال أحدهما هو طريق أهل الضلال؛ كما أن الجمع بين العلم والعمل هو الطريق المأمور به، المخالف لطريق المغضوب عليهم، والضالين.

قال ابن كثير: وللفرق بين الطريقتين لتجتنب كل منهما؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب، بخلاف من لم يعلم، والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، كما قال فيهم: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة: 60] وأخص أوصاف النصارى الضلال، كما قال: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 77] 36 وهكذا القول في الجمع بين الإيمان والعمل.

ولهذا جعل الله تعالى لمن أتى بالوصفين: «الإيمان والعمل» الجنة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) } [البقرة: 82] .

قال ابن كثير 37 في قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} : وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) } [النساء: 123 - 124] .

جاء نسبة العمل إلى الله في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71] ونسبة الفعل إليه سبحانه وتعالى في القرآن أكثر، فقد جاء في آيات كثيرة أنه يفعل ما يشاء، وفعال لما يريد، قال تعالى: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران: 40] .

وقال: {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] .

وقال: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 23] .

وقال: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107] .

فقوله: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} أي: مما فعلته وصنعته أيدينا.

وقال البيضاوي: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} أي: مما تولينا إحداثه، ولم يقدر على إحداثه غيرنا، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة، تفيد مبالغة في الاختصاص، والتفرد بالإحداث 38.

ومما يدل على أن ذلك من باب الاستعارة التمثيلية أن الأنعام تخلق ولا تعمل؛ ولكنه شبه اختصاصه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمرًا بيديه، ويصنعه بنفسه، واستعار لفظ «العمل» للخلق بطريق الاستعارة التمثليلة 39.

والمقصود: أن الله تعالى وصف نفسه بأنه يعمل، قال جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71] .

ووصف نفسه بالفعل الذي هو العمل، ووصف خلقه بالعمل، قال: {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .

وبين العمل والعمل من المنافاة كما بين الذات والذات 40.

أخبر الله تعالى في كتابه الكريم أنه محيط بأعمال خلقه، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، ومما يدل على ذلك:

فقد أخبر الله تعالى في القرآن أنه بصير بأعمال العباد، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 110] .

وقال: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 96] .

وقال: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 265] .

وقال: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [هود: 112] .

والبصر هنا بمعنى العلم؛ ويمكن أن يكون بمعنى الرؤية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) 41.

فأثبت لله بصرًا؛ لكن تفسيره بالعلم أعم 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت