إن هذا الإعلان العام لتحرير الإنسان في الأرض من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانًا نظريًّا فلسفيًّا سلبيًّا، إنما كان إعلانًا حركيًّا واقعيًّا إيجابيًّا، إعلانًا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله، ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك، ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل «الحركة» إلى جانب شكل «البيان» ذلك ليواجه الواقع البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.
والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدًا، يواجه هذا الدين -بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير الإنسان في الأرض من كل سلطان غير سلطان الله- بعقبات اعتقادية تصورية، وعقبات مادية واقعية وعقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد.
وإذا كان «البيان» يواجه العقائد والتصورات، فإن الحركة تواجه العقبات المادية الأخرى، وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية، والعنصرية والطبقية، والاجتماعية والاقتصادية المعقدة المتشابكة وهما معًا -البيان والحركة- يواجهان الواقع البشري بجملته، بوسائل مكافئة لكل مكوناته، وهما معًا لا بد منهما لانطلاق حركة التحرير للإنسان في الأرض، الإنسان كله في الأرض كلها، وهذه نقطة هامة لا بد من تقريرها مرة أخرى، إن هذا الدين ليس إعلانًا لتحرير الإنسان العربي، وليس رسالة خاصة بالعرب، إن موضوعه هو الإنسان نوع الإنسان ومجاله هو الأرض كل الأرض.
إن الله سبحانه ليس ربا للعرب وحدهم ولا حتى لمن يعتنقون العقيدة الإسلامية وحدهم، إن الله هو رب العالمين، وهذا الدين يريد أن يرد العالمين إلى ربهم، وأن ينتزعهم من العبودية لغيره. والعبودية الكبرى -في نظر الإسلام- هي خضوع البشر لأحكام يشرعها لهم ناس من البشر وهذه هي العبادة التي يقرر أنها لا تكون إلا لله. وأن من يتوجه بها لغير الله يخرج من دين الله مهما ادعى أنه في هذا الدين. ولقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي صار بها اليهود والنصارى مشركين مخالفين لما أمروا به من عبادة الله وحده.
أخرج الترمذي -بإسناده- عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه (أنه لما بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فر إلى الشام، وكان قد تنصر في الجاهلية، فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغبته في الإسلام، وفي القدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحدث الناس بقدومه. فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقه(أي: عدي) صليب من فضة، وهو (أي: النبي صلى الله عليه وسلم) يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] .
قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: (بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام. فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم) 171.
وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول الله سبحانه نص قاطع على أن الاتباع في الشريعة والحكم هو العبادة التي تُخرج من الدين، وأنها هي اتخاذ بعض الناس أربابا لبعض الأمر الذي جاء هذا الدين ليلغيه، ويعلن تحرير الإنسان في الأرض من العبودية لغير الله.
ومن ثم لم يكن بد للإسلام أن ينطلق في الأرض؛ لإزالة الواقع المخالف لذلك الإعلان العام بالبيان وبالحركة مجتمعين، وأن يوجه الضربات للقوى السياسية التي تعبد الناس لغير الله -أي: تحكمهم بغير شريعة الله وسلطانه- والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى البيان واعتناق العقيدة بحرية لا يتعرض لها السلطان.
ثم لكي يقيم نظاما اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا يسمح لحركة التحرر بالانطلاق الفعلي - بعد إزالة القوة المسيطرة - سواء كانت سياسية بحتة، أو متلبسة بالعنصرية أو الطبقية داخل العنصر الواحد، إنه لم يكن من قصد الإسلام قط أن يكره الناس على اعتناق عقيدته، ولكن الإسلام ليس مجرد عقيدة.
إن الإسلام -كما قلنا- إعلان عام لتحرير الإنسان من العبودية للعباد، فهو يهدف ابتداء إلى إزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر للبشر، وعبودية الإنسان للإنسان، ثم يطلق الأفراد بعد ذلك أحرارًا -بالفعل- في اختيار العقيدة التي يريدونها بمحض اختيارهم بعد رفع الضغط السياسي عنهم وبعد البيان المنير لأرواحهم وعقولهم، ولكن هذه الحرية ليس معناها أن يجعلوا إلههم هواهم، أو أن يختاروا بأنفسهم أن يكونوا عبيدا للعباد، وأن يتخذ بعضهم بعضا أربابًا من دون الله. إن النظام الذي يحكم البشر في الأرض يجب أن تكون قاعدته العبودية لله وحده، وذلك بتلقي الشرائع منه وحده، ثم ليعتنق كل فرد -في ظل هذا النظام العام- ما يعتنقه من عقيدة، وبهذا يكون الدين كله لله. أي: تكون الدينونة والخضوع والاتباع والعبودية كلها لله، إن مدلول الدين أشمل من مدلول العقيدة، إن الدين هو المنهج والنظام الذي يحكم الحياة. وهو في الإسلام يعتمد على العقيدة، ولكنه في عمومه أشمل من العقيدة وفي الإسلام يمكن أن تخضع جماعات متنوعة لمنهجه العام الذي يقوم على أساس العبودية لله وحده ولو لم يعتنق بعض هذه الجماعات عقيدة الإسلام 172 كما تقدم في مقومات الدولة.
إن الدولة الإسلامية -وهي التي تقوم بأعباء الخلافة والعمران والإبداع المادي في الأرض، الذي جعله الإسلام نوعًا من أنواع العبادة لله تعالى، ومظهرًا لتحقيق العبودية له سبحانه- دولة إيجابية فاعلة، ومن وظيفتها إطلاق طاقات الأمة وتحفيزها للعمل والإيجابية المؤثرة في الحياة. وتنبثق هذه الإيجابية الفاعلة من إيجابية العقيدة الإسلامية والإيمان بالله تعالى.
وإن استقرار هذه الحقيقة في ضمير الجماعة المسلمة الأولى هو الذي أنشأ هذه المجموعة الفريدة الممتازة في تاريخ البشرية كله على الإطلاق، وبدون استثناء. فقد عاشوا هذه الحقيقة. عاشوها حية في نفوسهم. عاشوها ليل نهار، وصباح مساء. عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة. عاشوا مع الله ومن ثَمَّ كانوا هذا الذي كانوا من الحساسية والطمأنينة معًا، ومن اليقظة والراحة معًا، ومن التوكل والفاعلية معًا، ومن الخوف والطمع معًا، ومن التواضع والعزة معًا -التواضع لله والعزة بالله-، ومن الخضوع والاستعلاء معًا -الخضوع لله والاستعلاء على أعداء الله-، ومن ثم صنع الله بهم في هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمار، ومن الرفعة والطهارة مما لم يسبق ولم يلحق في تاريخ بني الإنسان.
ولذلك كانت الصورة الأخرى للإيجابية وإطلاقات طاقات الأمة للعمل في كل المجالات والميادين هي إيجابية الإنسان في الكون. وإيجابية المؤمن بهذه العقيدة في واقع الحياة على وجه خاص.
إن هذا التصور ما يكاد يستقر في الضمير؛ حتى يتحرك ليحقق مدلوله في صورة عملية، وليترجم ذاته في حالة واقعية. والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر في ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة. فاعلة في ذات نفسه، وفي الكون من حوله.
إن التصور الإسلامي ليس تصورًا سلبيًا يعيش في عالم الضمير قانعًا بوجوده هناك في صورة مثالية نظرية، أو تصوفية روحانية، إنما هو تصميم لواقع مطلوب إنشاؤه وفق هذا التصميم. وطالما هذا الواقع لم يوجد فلا قيمة لذلك التصميم في ذاته إلا باعتباره حافزًا لا يهدأ لتحقق ذاته.
وحيثما ذكر الإيمان في القرآن أو ذكر المؤمنون ذكر العمل، الذي هو الترجمة الواقعية للإيمان، فليس الأمر مجرد مشاعر، إنما هو مشاعر تفرغ في حركة لإنشاء واقع، وفق التصميم الإسلامي للحياة، أو وفق التصور الإسلامي للحياة: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15] .
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55] .
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195] .
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .
ثم يحس المسلم من وحي تصوره الإسلامي أنه مطالب بأداء شهادة لهذا الدين، لا يستريح ضميره، ولا يطمئن باله، ولا يستشعر أنه أدى حق نعمة الله عليه بالإسلام. وأنه يطمع من ثم في النجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة إلا أن يؤدي هذه الشهادة كاملة، بكل تكاليفها في النفس والجهد والمال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 143] .
وهو يؤدي هذه الشهادة أولًا في ذات نفسه: بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية، في كل جزئية من جزئيات نشاطه، وبين مقتضيات التصور الذي يقوم عليه اعتقاده.
وهو يؤديها ثانية في دعوة الآخرين إلى هذا المنهج وبيانه لهم. مسوقًا في هذه الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة:
أولها: دافع أداء الشهادة لينجو من الله، وليؤدي حق نعمته عليه بهدايته إلى الإسلام.
وثانيها: حب الخير للناس، وهدايتهم إلى هذا الخير الذي هدي هو إليه، والذي لا يحتجنه لنفسه، ولا لأسرته، ولا لعشيرته، ولا لقومه، ولا لجنسه؛ لأنه يتعلم من هذا التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة.
وثالثها: شعوره بأن تبعة ضلال الناس -إذا ضلوا- إنما تقع على عاتقه هو، ما لم يبين لهم -بعد ما عرف وتبين- وهي تبعة ثقيلة تنوء بضميره، وتنوء بكاهله، وقد علم أنها تبعة الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم- وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل، ومسؤول عنها بعدهم.
وهو يؤديها -أخيرًا- بالعمل على تحقيق منهج الله في حياة الناس، وإقامة النظام الذي ينبثق من ذلك التصور، وإقامة حياة الجماعة الإنسانية على أساس هذا النظام. باعتبار أن هذا التصور هو «تصميم» لعالم واقعي، يراد إخراجه وتحقيقه؛ ليتحقق وجود الإسلام في الأرض؛ ولتخلص الألوهية لله، إذ لا وجود للإسلام بدون قيام مجتمع يعيش بهذا النظام، ويعترف لله وحده بالألوهية، فلا يتلقى في منهج حياته الأساسي إلا من الله. ثم ليستحق المسلمون نصر الله وتأييده الذي وعدهم إياه. وشرط له شرطًا واضحًا لا عوج فيه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 40 - 41]
بهذا كله يستشعر المسلم أن وجوده على الأرض ليس فلتة عابرة، إنما هو قدر مقدور، مرسوم له طريقه ووجهته وغاية وجوده، وأن وجوده على الأرض يقتضيه حركة وعملًا إيجابيًّا في ذات نفسه. وفي الآخرين من حوله. وفي هذه الأرض التي هو مستخلف فيها، وفي هذا الكون المحسوب حسابه في تصميمه، وأنه لا يبلغ شكر نعمة الله عليه بالوجود، ونعمة الله عليه بالإيمان، ولا يطمع في النجاة من حساب الله وعذابه، إلا بأن يؤدي دوره الإيجابي في خلافة الأرض، وفق شرط الله ومنهجه، وتطبيق هذا المنهج في حياته وفي حياة غيره، والجهاد لدفع الفساد عن هذه الأرض التي هو قيم عليها، والفساد في الأرض إنما ينشأ عن عدم تطبيق منهج الله في عالم الواقع، ودنيا الناس، حياة الجماعات - وأن وزر هذا الفساد -حين يقع- واقع على عاتقه هو، ما لم يؤد الشهادة لله في نفسه وفي غيره، وفي الأرض كلها من حوله.
وتصور المسلم للأمر على هذا النحو، لا جرم يرفع من قيمته في نظر نفسه، كما يرفع من اهتماماته بقدر ما يشعره بضخامة التبعة الملقاة على عاتقه، وبثقل العبء الذي يحمله، ويكدح فيه حتى يلاقي الله ربه، وقد أدى الأمانة، وأدى الشهادة، ووفى بحق النعمة - فيما يملك من الطاقة- وطمع في النجاة من عذاب الله، وزحزح عن النار 173.
و الواقع التاريخي للأمة المسلمة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم شاهد صادق على هذه الإيجابية، وعلى إطلاقات طاقات الأمة الكامنة في أفرادها، حتى صار ذلك واقعًا ملموسًا نشاهده رأي العين، فالذين حملوا الدعوة الأولى و تحركوا بها ونشروها بعد جهد وجهاد وصبر ومصابرة، والذين كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرهم ويأخذ برأيهم، ويقول لأحدهم: إنما أنت فرد فخذل عنا، والذين يقومون بمهمة في الجهاد و الدفاع والحماية للمسلمين، والذين كانوا أصحاب مشورة عمر رضي الله عنه، والذين قادوا الجيوش في الفتوحات، والذين ارتادوا للبشرية طريق الهداية وطريق العلم والصناعة والاكتشافات الجغرافية مثلًا، والذين حملوا مشاعل الحضارة والعرفان فأناروا طريق البشرية كل هؤلاء وأمثالهم.
إنما هم أمثلة حية وشواهد صادقة على هذه الطاقات التي أطلقها الإسلام، وعلى هذه التربية الراقية التي وضع أسسها وطرائقها فأثمرت ثمراتها التي ننعم بها و تنعم بها البشرية اليوم على الرغم من جحود الجاحدين وإنكار المستكبرين. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21] .
خامسًا: إعداد القوة المادية والمعنوية:
من مزايا الدولة الإسلامية أن تقوم بإعداد القوة بكل أنواعها؛ لأن الله تعالى يأمر بإعداد القوة والاستعداد بدرجة قصوى؛ ليكون ذلك الإعداد والاستعداد سببًا لردع الأعداء وإرهابهم قبل وقوع الحرب والقتال. ونظرية الردع هذه مفتاح الاستراتيجية المعاصرة التي وصل إليها الفكر العسكري العالمي بعد معاناة قاسية وطويلة في حروب طاحنة اكتوى العالم بنارها خلال الحربين العالميتين، ثم وجد أخيرًا الوسيلة لمنع وقوع مثل هذه المآسي، وهي استراتيجية الردع 174.
وهي أول نظرية حربية في الإسلام منذ خمسة عشر قرنًا، أرساها القرآن الكريم وأوضح معانيها النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من الأحاديث. وتناولها العلماء بالبحث بأسلوب يتفق مع العصر الذي يعيشون فيه.
وأما الاستعداد والإعداد الذي أشارت إليه الآية الكريمة وأمرت به: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60] .
فإنه يشمل جوانب متعددة يتضمن كل ما يمكن أن يساعد على الظفر والنصر في المعركة والتهيؤ لها قبل وقوعها.
إن الإعداد القوي يشمل أنواعًا كثيرة دينية وأدبية وعلمية وخلقية ومادية وإدارية وفنية ومالية.
فأما الإعداد العلمي فهو يشمل الفكرة والمبدأ والعقيدة. والإسلام حريص - رغم حرصه على السلام- على تنشئة فكرة القوة في نفوس المسلمين تنشئة عادلة كريمة، وعلى توجيهها من أول أمرها توجيهًا إسلاميًا نزيها وإنسانيا عالميًا، وجعلها من أسمى العبادات المفروضة لحفظ العقيدة وحرية الحياة وبناء الأمة وإرهاب العدو، لا للعدوان والظلم والإفساد والسيطرة، وجعلها آخر ما يلجأ إليه المسلمون من أدوات التفاهم مع المعتدين. وفي هذا المقام تتجلى عزة الإسلام وروعته وحكمته، حيث جعل الجهاد في سبيل الله تعالى أسمى الأعمال وأفضلها، وجعل المجاهدين في أعلى الدرجات.
فقال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] .
وأما الإعداد الأدبي فهو يشمل آداب القيادة وآداب الجندية. وفي ذلك جاء الاهتمام بالصفات الخلقية والآداب الضرورية، فيجب على القائد أن يكون عالمًا بكتاب الله، و ملما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون عارفًا بالحروب ومعداتها، وأن يكون قويًا حائزًا لثقة أتباعه واحترامهم، هادئ الأعصاب، ثابت الجنان، كثير الاختبار لجنوده، سريع الحركة بينهم، عاقلًا وحكيمًا وحازمًا في اتخاذ القرارات، وأن يكون عادلًا ولو مع الأعداء، رحيمًا بجنوده متفقدًا لأحوالهم، وأن يخرج في كل موقف أو معركة بفوائد جليلة لدينه وأمته.
وأما الجنود وهم الآلة الحية المنفذة واليد العاملة و القوة الفاعلة، فإنهم يتصفون -كذلك- بصفات وآداب هي روح المؤمنين وسر حياتهم. ومن أخلاقهم السامية التي لا بد أن يتربوا عليها: الإيمان بالفكرة والإخلاص لها، والاستعداد للتضحية في سبيلها، والوفاء بالوعد، و الصدق، والسمع والطاعة في المعروف، والثبات عند اللقاء، واستشعار الرضا بقضاء الله و التسليم لقدره، وعدم التنازع، والتحرز عن المعاصي، والترفع عن الطمع، والإيمان بأن النصر من عند الله تعالى.
وإن الإدارة أمر خطير، يتوقف على حسن نظامها وتجهيزها التصرف في المواقف؛ لذلك عني الإسلام بالإعداد الإداري للقيادة ولهيئة أركان الحرب ولقلم المخابرات الذي يستطلع ويعرف أخبار العدو ومخططاته؛ لمواجهتها بالأساليب والأدوات المكافئة، وفي كل قسم من هذه الأمور الثلاثة آداب وأحكام لا مجال لتفصيلها، فحسبنا هذه الإشارة الموجزة إليها.
وأما الإعداد الفني: وهو الخطوة العملية الأولى في الإعداد الأدبي باعتبارها حقيقة واقعة في ميدان الجهاد، وهو المظهر الحسي للقوة المعنوية الكامنة في نفوس المجاهدين. وهذا الإعداد قسمان: إعداد عمليٌّ وآخر خلقيٌّ.
وهما يسيران جنبًا إلى جنب، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. فالعملي يتركز في النظافة والنظام والرياضة البدنية والتدريبات العسكرية بأنواعها. والخلقي يتمثل في الرياضة الروحية والعقلية، وفي التعرف على واجبات الجندية والقيادة والتخلق بها، وتحديد المسؤوليات والتعاون عليها، وتوضيح الصلة بين كلٍ من الجندي والقائد، وأساليب المعاملة بينهما ويتبنيان مبدأ الجزاء وقوانينه.
وأما الإعداد المالي: وذلك لأن الإنفاق هو شطر الجهاد الأول، وبدونه لا قيام للشطر الثاني. و الإنفاق مبدأ من مبادئ الإسلام القويمة التي لا يقبل الإسلام التقصير فيها مع القدرة، والتقصير نكوص وإلقاء بالنفس إلى التهلكة.
وقد قال الله تعالى في ذلك: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] .