فهرس الكتاب

الصفحة 2231 من 2431

كان أبوهم قد علم منهم إرادتهم الخبيثة في جهة يوسف، وعلموا هم بعلمه ذلك، فقالوا له: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونشفق عليه ونحوطه ونحفظه حتى نرده إليك، وأرادوا بذلك لما عزموا على كيد يوسف استنزاله عن رأيه وعادته في حفظه منهم 78.

حثت النصوص القرآنية على القيام بالنصيحة، وبينت أهميتها وعظيم شأنها وشأن القائمين عليها، حيث تكمن أهميتها من كونها أسلوبًا هامًا من أساليب الدعوة إلى الله، كما بينت أهمية وجود أفراد من الأمة يقومون بالنصيحة فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

قال تعالى في كتابه العزيز: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران:110] .

ووصفهم سبحانه وتعالى بأوصاف راقية، تتلاءم مع المهمة العظيمة الكبرى، وتتناسب معها.

قال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] .

وإن الله الذي وصفهم بهذه الأوصاف أمرهم أمر إيجاب، أمرهم بتأصيل هذه الأمور، وبترسيخها، وتقويتها في النفوس، وبالعمل على استمراريتها، وبقائها قائمة في واقع الأمة، بقوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} [الأعراف: 199] .

وقال جل شأنه: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] .

نداء الحق العالم بما يترتب على القيام بهذا الأمر من نجاة وعزة وكرامة وعلو في الدنيا والآخرة، وطيب محيا وطيب ممات 79، وقال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ} [هود:116] .

وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24] .

كما بينت مصير من ترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمم السابقة، الذي هو مصير كل من يتركها إلى يوم القيامة.

قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79] .

وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165] .

فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو أهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد 80.

أولًا: آثار النصيحة على الناصح:

حيث ذكر سبحانه أوصاف هؤلاء السادة، ليبادر الفائزون إلى التحلي بها فينالوا مراده، وهو خير المحسنين.

قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ? يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [التوبة: 71] .

وقال تعالى: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ? وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ?112?) [التوبة: 112] .

حيث وعد الله عباده القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بتأييدهم ونصرهم على أهل الفساد بعد تعظيم الأجور.

قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ?40?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ?41?) [الحج: 40 - 41] .

حيث أمر سبحانه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بالصبر على لسان عبده لقمان الحكيم حين وصى لابنه دلالة على استباق الخيرات والأجر الموفور.

قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى? مَا أَصَابَكَ ? إِنَّ ذَ?لِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ?17?) [لقمان: 17] .

وقال تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ?2?إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ?3?) [العصر: 2 - 3] .81.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضة عظيمة، لا يقوم بها على الوجه المشروع في سائر الأحوال إلا كمل الرجال، وخيرة خلق الله، وهو من الهدى الذي جاءت به الرسل، فأسعد الناس في الدنيا والآخرة أكملهم حظًا عنده، ولقد وصف الله محمد صلى الله عليه وسلم، بالقيام بهذا الأمر على أكمل الوجوه وأحسنها، فقال تعالى: (الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) [الأعراف: 157] .

وبين أن أهدى الناس وأسعدهم في الدنيا والآخرة أكملهم قيامًا وعناية به.

قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَ?ئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ? وَحَسُنَ أُولَ?ئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69] .

ولا يكون الإنسان مهتديًا حقًا إلا إذا كان آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ? لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ?) [المائدة: 105] .

يعني: أمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر.

فالأمر والنهي آية صدق الإيمان وبشارة بحسن الخاتمة، حيث وصف الله أولياءه المؤمنين الصالحين السابقين واللاحقين بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فقال تعالى:? مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَ?ئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114 ) ) [آل عمران:113 - 114] 82.

سبب قوي من أسباب الفلاح، بل إن الفلاح محصور في أهله؛ لقول الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران: 104] 83.

قال صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه) 84.

حيث قال سبحانه منوها بنجاة الناهين عن المنكر هم ومن فيهم من العذاب 85: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ? اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ? قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى? رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ?164?فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ?165?) [الأعراف: 164 - 165] .

وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا) 86.

واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تارة يحمل عليه رجاء ثوابه، وتارة خوف العقاب في تركه، وتارة الغضب لله على انتهاك محارمه، وتارة النصيحة للمؤمنين والرحمة لهم ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة، كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض.

وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه: وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى، ومن لاحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كل ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه 87.

ينبغي للناس أن يأمروا بطاعة الله، فإن عصوا كانوا شهودا على من عصاه.

قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 165] .

قال صلى الله عليه وسلم: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة) 88.

قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ [الزلزلة: 7] .

وقال تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ?) [هود:114] .

وجاء في حديث حذيفة لما سأله عمر رضي الله عنه عن الفتنة: (فتنة الرجل في أهله، وولده، وجاره، تكفرها الصلاة، والصدقة والمعروف) ، قال سليمان: (قد كان يقول: الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) 89.

ثانيًا: آثار النصيحة على المنصوح:

الواجب على المنصوح أن يتقبل النصيحة ويعمل بها إن كان فيها خير له، لما لها من النفع العائد عليه من صلاح حاله، والنجاة بنفسه من عذاب الله تعالى وصولًا إلى بر الأمان الذي أراده الله له من توحيد واستجابة للأوامر واجتناب للنواهي، والنصيحة نوع من الهدية يقدمها الناصح، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (رحم الله من أهدى إلي عيوبي) 91.

ومن الآثار المترتبة على المنصوح ما يأتي:

قال الناصحون من بني إسرائيل لمن قال لهم: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ? اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ? قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى? رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) [الأعراف:164] .

وقال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى?) [الأعلى: 9] .

قال أبو هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110] : (خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام) 92، فإن المأمور والمنهي إذا انتفع واهتدى كان ذلك سببًا في تحصيله السعادة الدنيوية والأخروية، فينجو من عقاب الله ويحصل له الثواب 93.

ثالثًا: آثار النصيحة على المجتمع:

إن في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، من جليل الفوائد، وكريم العوائد وعظيم المصالح، ودرء المفاسد والشرور عن الأمة كافة، ما يدعو كل عاقل إلى الاهتمام به والحرص على أن يكون من أهله المتحلين به المسارعين إليه، لتحصيل ما وعد الله به القائمين بتلك الشعيرة الجليلة من الخير في العاجل والآجل ومن ذلك:

قال تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) [البقرة: 251] .

وقال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) [الحج:40] .

فالإنسان لا بد له من أمر ونهي ودعوة، فمن لم يأمر بالخير ويدعو إليه أمر بالشر، فمن لم يزحف بمبادئه زحف عليه بكل مبدأ وفكرة، والنفس تتلقى وتتشرب من الأخلاق والمبادئ، لذلك أمر الإسلام بمجالسة الصالحين وأهل البر والمعروف والخير، فإذا قام الناس بهذا المطلب تحققت حماية المجتمع المسلم من كل دخيل عليه، بالإضافة إلى أن الأمر بالمعروف يغذي الأمة أفرادًا وجماعات بالمثل والقيم والأخلاق والعقائد السليمة.

قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى: 30] .

وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى? بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117] .

فإن الأمة التي يقع فيها الظلم والفساد فيجدان من ينهض لدفعهما هي أمة ناجية، لا يأخذها الله بالعذاب والتدمير، فأما الأمم التي يظلم فيها الظالمون ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ذلك ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد فهي أمم مهددة بالدمار والهلاك، ولهذا فدعاة الإصلاح هم صمام الأمان للأمم والشعوب 94.

قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ?) [إبراهيم: 7] .

وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) [الأعراف: 96] .

فالمؤمن يقوى ويعتز حينما ينتشر الخير والصلاح ويوحد الله لا يشرك به، وتضمحل المنكرات على إثر ذلك، بينما يخنس المنافق بذلك، ويكون ذلك سببًا لغمه وضيق صدره وحسرته؛ لأنه لا يحب ظهور هذا الأمر ولا ذيوعه بين الخلق، فإذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق.

كما يحصل لهم شعور بأنهم ربانيون يصلحون الناس، فيكونون قدوة حسنة بصلاح أنفسهم وحسن استقامتهم.

قال تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَ?كِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ?) [محمد: 4] .

وبمثل هذه الابتلاءات يظهر إيمان المؤمن وصبره على مكاره النفس في سبيل رضى الله ونشر دينه وشريعته.

فإن الأمة لا تنتصر بعدد ولا عدة، وإنما تنتصر بهذا الدين.

قال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ?40?الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ?41?) [الحج: 40 - 41] .

قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران: 110] 95.

فالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يشعر أبناء المجتمع الواحد بمعنى الإخوة؛ لأنه نوع من التناصح الذي يبعث الإحساس بالتكامل فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى واهتمام المسلمين بعضهم ببعض وقد أمرنا الله تعالى بذلك فقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .

وإن القيام بذلك مما يوطد الأمن ويبعث الطمأنينة في نفوس المسلمين، ويؤكد الثقة والمحبة والاعتزاز بالجماعة في قلوب المؤمنين ويأمن الناس على الحقوق والحرمات.

موضوعات ذات صلة:

الإنذار، الحوار، الدعوة، النجوى

1 انظر: لسان العرب، ابن منظور 2/ 615، مقاييس اللغة، ابن فارس 5/ 435، العين، الفراهيدي 3/ 119، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 5/ 63.

2 لسان العرب، ابن منظور 2/ 615.

3 انظر: النسفي، مدارك التنزيل 1/ 576.

4 التعريفات ص 241.

5 انظر: اللباب في علوم الكتاب، أبو حفص الحنبلي 10/ 170.

6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 702، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب النون ص 1325.

7 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/ 63 - 68، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 4/ 182.

8 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 6/ 126، مختار الصحاح، الرازي ص 342.

9 لسان العرب، ابن منظور 7/ 465.

10 التعريفات ص 253.

11 المفردات، الراغب ص 527.

12 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 398، لسان العرب، ابن منظور 3/ 175.

13 انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي 9/ 221.

14 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 780، لسان العرب، ابن منظور 8/ 419.

15 التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 83.

16 انظر: مختار الصحاح، الرازي ص 222، لسان العرب، ابن منظور 4/ 625.

17 انظر: الفرق بين النصيحة والتعيير، ابن رجب الحنبلي ص 22.

18 انظر: المصدر السابق، ص 17.

19 انظر: الجامع لأحكام القرآن 8/ 227.

20 صفوة التفاسير، الصابوني ص 423.

21 انظر: فتح القدير، الشوكاني 2/ 257.

22 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 285.

23 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، 1/ 74، رقم 95.

24 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 225.

25 انظر: التفسير البسيط، الواحدي 17/ 363.

26 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 222.

27 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب حق المسلم على المسلم رد السلام، 4/ 1705، رقم 2162.

28 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) ، 1/ 21، رقم 57.

29 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، 1/ 74، رقم 95.

30 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 218.

31 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 8/ 227، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 10/ 170.

32 انظر: النصيحة الكافية، زروق ص 1.

33 انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ص 131.

34 انظر: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سعد الحجري ص 5.

35 انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين 2/ 384.

36 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 218.

37 روح البيان، الخلوتي 2/ 204.

38 المصدر السابق 3/ 484.

39 انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين 2/ 386.

40 زهرة التفاسير، أبو زهرة 7/ 3410.

41 التفسير الواضح، محمد محمود الحجازي 1/ 920.

42 انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين 2/ 389.

43 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 221.

44 انظر: شرح صحيح مسلم، النووي ص 131.

45 انظر: النصيحة الكافية، زروق ص 128 - 125.

46 انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين 2/ 392.

47 جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 223.

48 انظر: جامع البيان، الطبري 8/ 496.

49 شرح صحيح مسلم، النووي ص 131.

50 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب هل يبيع لبادٍ بغير أجر، وهل يعينه أو ينصحه، 3/ 72، رقم 2150.

51 انظر: جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي 1/ 223.

52 انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين 2/ 397.

53 أخرجه أحمد في مسنده، 14/ 22، رقم 8271.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 602، رقم 3151.

54 انظر: لباب التأويل، الخازن 2/ 482، التفسير الوسيط، الزحيلي 2/ 1039، فتح البيان في مقاصد القرآن، القنوجي 6/ 173.

55 أيسر التفاسير، أسعد الحومد 12/ 533.

56 سبق تخريجه.

57 الآداب الشرعية والمنح المرعية، ابن مفلح 1/ 191.

58 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، 1/ 6، رقم 1.

59 انظر: الروح، ابن القيم ص 716.

60 الآداب الشرعية والمنح المرعية، ابن مفلح 2/ 141.

61 المصدر السابق 2/ 100.

62 انظر: الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة، ابن باز 1/ 26، 44.

63 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، رقم 2594، 4/ 2004.

64 انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 2/ 182.

65 الأمر بالمعروف ص 99.

66 رسائل ابن حزم ص 364.

67 انظر: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، ابن حبان ص 60.

68 انظر: الأخلاق والسير، ابن حزم ص 42.

69 انظر: الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة، ابن باز ص 47.

70 انظر: جامع البيان، الطبري 12/ 500، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 1/ 292، مدارك التنزيل، النسفي 1/ 576.

71 انظر: فتح البيان، القنوجي 4/ 400، التفسير المنير، الزحيلي 8/ 276.

72 انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 4/ 2455، الكشاف، الزمخشري 2/ 131، لباب التأويل، الخازن 2/ 230.

73 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود 3/ 238، محاسن التأويل، القاسمي 5/ 116.

74 انظر: فتح القدير، الشوكاني 4/ 190، التحرير والتنوير، ابن عاشور 20/ 95.

75 انظر: معالم التنزيل، البغوي 3/ 525، مفاتيح الغيب، الرازي 24/ 582، التفسير الوسيط، الزحيلي 3/ 1905.

76 انظر: تفسير المراغي 10/ 182، زهرة التفاسير، أبو زهرة 7/ 3410.

77 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1269، التفسير المظهري 3/ 336.

78 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 223، الكشف والبيان، الثعلبي 5/ 200، التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي 1/ 382، مدارك التنزيل، النسفي 2/ 98.

79 انظر: أثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حياة الأمة، عبد الله آل قعود ص 13.

80 انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي 2/ 306.

81 انظر: الكنز الأكبر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبد الرحمن الصالحي ص 29.

82 انظر: تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبد الله القصير ص 72.

83 انظر: نصيحة إلى كافة المسلمين والمسلمات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبدالله القرعاوي ص 14.

84 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، 1/ 128، رقم 144.

85 انظر: رسالة في الكلام على آية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نجم الدين الغزي ص 217.

86 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام، 3/ 139، رقم 2493.

87 انظر: نصيحة إلى كافة المسلمين والمسلمات في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عبدالله القرعاوي ص 13.

88 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى والحث على المحافظة عليها، 1/ 498، رقم 720.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت