فهرس الكتاب

الصفحة 1060 من 2431

وغير ذلك من صور شنيعة لمن يزعمون تعظيمه، فما بالك بمن يكرهونه كمحمد عليه الصلاة والسلام، وباقي المسلمين.

وقد يستغرب المرء عندما يقرأ هذه الصفات القبيحة المنسوبة لنبي الله داود من قبل اليهود وعن علة ذلك.

وفي ذلك يقول البقاعي في نظم الدرر: «وأخبرني بعض من أسلم منهم -أي اليهود- أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام؛ لأن عيسى عليه السلام من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه» 107. والله أعلم.

أولًا: تسخير الجبال له وتسبيحها معه:

وهب الله لنبيه داود عليه السلام عددًا من الآيات ومن جملتها: تسخير الجبال والطير معه، فقال تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) } [الأنبياء:79] .

وقال أيضًا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) } [سبأ:10] .

وقال تعالى: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) } [ص:17 - 19] .

والآيات تذكر ما وهبه الله لداود وهي ثلاث آيات: تسخير الجبال، وتسخير الطير، وإلانة الحديد، وسنتناول هذه الآيات بشيء من التفصيل.

صدّر الله جل في علاه في قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا} منّته وفضله على داود، ثم بين ما وهبه من آيات، وفي ذلك إشعار لداود ولغيره من عباد الله أن هذه الفضائل هي من الله، ومستوجبة للشكر، فالمصدر والمنعم هو الله، وحسبنا بها من فضل.

وقبل الشروع في تسخير الجبال لداود أبين ما قيل في (الفضل) الذي أشارت إليه الآية آنفة الذكر، فقد قال القرطبي في تفسيره: «واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال:

الأول: النبوة.

الثاني: الزبور.

الثالث: العلم.

الرابع: القوة.

الخامس: تسخير الجبال والناس.

السادس: التوبة.

السابع: الحكم بالعدل.

الثامن: إلانة الحديد.

التاسع: حسن الصوت» 108. انتهى مختصرًا.

والصواب -والله أعلم- أن الفضل المراد في هذه الآية هو ما ورد ذكره في نفس الآية، وبينه الله من تسبيح الجبال والطير وإلانة الحديد، وإن كان باقي أنواع الفضل نالها داود وثبتت بغير هذا الدليل.

فهذا الفضل الذي آتاه الله داود هو فضل عظيم، ونلحظ أن (فضلًا) جاءت بالتنكير، وهو تنكير للتفخيم 109، كما أن لفظة (منا) تشير إلى أن الفضل من الله لداود بلا واسطة، لتأكيد فخامته الذاتية الإضافية، وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق للمؤخر، ليتمكن في النفس عند وروده أفضل تمكن 110.

ومن اللطائف البلاغية في هذه الآية ما ذكره الزمخشري في الكشاف حيث قال: «ألا ترى إلى ما فيه من الفخامة التي لا تخفى: من الدلالة على عزة الربوبية، وكبرياء الإلهية، حيث جعلت الجبال منزّلة منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا، وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا، إشعارًا بأنه ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلا وهو منقاد لمشيئته، غير ممتنع على إرادته» 111.

والمتأمل في الآيات التي جاء ذكر ما آتاه الله لداود من تسخير الجبال والطير يجد أن الآيات قد جاءت بالجمع بينهما فما أن يذكر تسخير الجبال إلا ويذكر تسخير أو تسبيح الطير، وأيضًا جاء ذكر الجبال مقدمًا على ذكر الطير في الثلاث آيات، وفي علة ذلك يقول الزمخشري: «فإن قلت: لم قدمت الجبال على الطير؟ قلت: لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز؛ لأنها جماد والطير حيوان، إلا أنه غير ناطق» 112.

وقد صاحب ذكر تسخير الجبال لداود عليه السلام بكلمتين هما {يُسَبِّحْنَ} كما في سورة الأنبياء وسورة ص، وبكلمة {أَوِّبِي مَعَهُ} كما في سورة سبأ.

أما الكلمة الأولى فإن التسبيح معروف، وهو ظاهر الآيتين إلا أن هناك قولًا آخر فيه، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره عن قتادة في قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} [الأنبياء:79] أن المراد أي: يصلين مع داود إذا صلى، فجعل يسبح بمعنى يصلي 113.

وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: «واختلف الناس في قوله تعالى: {يُسَبِّحْنَ} فذهبت فرقة وهي الأكثر إلى أنه قول (سبحان الله) ، وذهبت فرقة منها: منذر بن سعيد إلى أنه بمعنى: يصلين معه بصلاته» 114.

وقد يقال: لا يمنع أن يكون القولان بمعنى واحد، فالجبال تسبح مع داود، أي: بقول (سبحان الله) ، وهي أيضًا تصلي معه، أي: تدعو الله وتذكره، ومعلوم أن ليس في صلاة داود الركوع والسجود الذي في شريعتنا، ولو كان فيها ذلك لما منع من حمل الصلاة على معناها اللغوي وهو الدعاء.

وأما {أَوِّبِي} فإن الفعل (أوّب) هو من آب يؤوب، والأوب في اللغة: الرجوع 115، قال ابن جرير في تفسيره: «والتأويب عند العرب الرجوع» 116.

فإن الجبال كان ترجع مع داود تسبيحه، فداود عليه السلام يسبح وهي ترجع معه، أي: ترد الذكر والتسبيح 117.

وبعد النظر في معنى {أَوِّبِي مَعَهُ} لغة، نجد أن المفسرين ذكروا في معنى تأويب الجبال ثلاثة معاني، وهي: التسبيح والترجيع، وتصرفي معه، وسيري معه.

فالقول الأول: سبحي معه، وهو قول ابن عباس وأبي ميسرة ومجاهد وقتادة وابن زيد والضحاك، أخرجه عنهم ابن جرير في تفسيره 118.

قال ابن كثير: «الصواب رجعي معه، مسبحة معه» 119.

والقول الثاني بمعنى: تصرفي معه 120.

قال ابن جرير في تفسيره: « {أَوِّبِي مَعَهُ} قد كان بعضهم يقرؤه (أوبي معه) من آب يئوب، بمعنى تصرفي معه» 121.

القول الثالث: بمعنى سيري معه، ذكره ابن عطية بلا نسبة في المحرر الوجيز 122، وهو قول أبي القاسم الزجاجي في كتابه الجمل قال: «أي: سيري معه بالنهار، والتأويب: سير النهار كله، والإسئاد: سير الليل كله» 123.

وتعقبه ابن كثير في تفسيره بقوله: «وهو غريب جدًا لم أجده لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية ها هنا» 124.

وقول (سبحي ورجعي) يتفقان في المآل، فإن داود إذا سبح ثم سبحت بعده الجبال فقد سبحت ورجعت، أي: أعادت كلامه، وقد يشمل هذا التصرف، فإن التصرف -والله أعلم- المراد به متابعة داود فيما يتصرف به من كلام كالتسبيح، ويبقى القول الثاني وهو بمعنى السير وهو بعيد، كما ذكر ابن كثير وغيره، وإن كان ظاهر اللفظ يحتمله، ولكن تفاسير السلف على خلافه.

وعليه؛ فيكون الصواب في المراد بتأويب الجبال مع داود التسبيح والترجيع بدليل الآية الأخرى التي في سورة الأنبياء {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء:79] .

وأما معنى تسبيح الجبال والطير فهو على حقيقته، والله قدير على كل شيء.

قال الأمين الشنقيطي: «والتحقيق أن تسبيح الجبال والطير مع داود المذكور تسبيح حقيقي؛ لأن الله جل وعلا يجعل لها إدراكات تسبح بها، يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها، كما قال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .

وقال تعالى: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74] الآية.

وقال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب:72] الآية.

وقد ثبت في صحيح البخاري أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين 125.

وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن) 126.

وأمثال هذا كثيرة.

والقاعدة المقررة عند العلماء أن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه.

والتسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله 127.

ثانيًا: تسبيح الطير والترديد:

ذكر الله تعالى تسخير الطير 128 لداود عليه السلام في قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ:10] .

وقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [الأنبياء:79] .

والمراد أن الله سخر الجبال والطير يسبحن مع داود إذا سبح 129، فيكون قوله تعالى: {وَالطَّيْرَ} يعني: ونادينا الطير بمثل ذلك من ترجيع التسبيح معه 130.

وجاء وصف اجتماع الطير لداود في قوله تعالى: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) } [ص:19] .

فيقول تعالى ذكره: وسخرنا الطير يسبحن معه محشورة بمعنى: مجموعة له 131، وذهب قتادة فيما أخرجه عنه ابن جرير 132 إلى أن معنى {مَحْشُورَةً} مسخّرة، ومآل القولين -مجموعة أو مسخرة- واحد، فإن الله قد سخّر لداود الطير، وجمعها له، وجعلها تسبح معه، أو تردد معه، فأحدهما متضمن للآخر.

ووصف الله هيئة الطير عند داود بقوله تعالى: {مَحْشُورَةً} بلفظ اسم المفعول؛ لأنه لم يرد أنها تحشر شيئًا إذ حاشرها هو الله تعالى 133.

ومعنى قوله تعالى: {كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} أي: كل له مطيع، وهو قول قتادة وابن زيد 134، وقيل: كل ذلك لله مسبح، وهو قول السدي 135.

فالخلاف آنف الذكر مبني على الخلاف في مرجع ضمير {لَهُ} وفيه قولان:

«أحدهما: ترجع إلى داود، أي: كل لداود أواب، أي: رجاع إلى طاعته وأمره، والمعنى: كل له مطيع بالتسبيح معه، وهذا قول الجمهور.

والثاني: أنها ترجع إلى الله تعالى، فالمعنى: كل مسبح لله، قاله السدي» 136.

فوهب الله لداود تسخير بعض الكائنات، فأصبح يسبح وتردد معه الطير وغيرها، وكان داود عليه السلام قد رزقه الله صوتًا جميلًا عند تلاوته الزبور، ففي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على حسن صوت أبي موسى الأشعري لمّا سمع عذوبة قراءته وهو يتلو القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا موسى لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود) 137.

ثالثًا: إلانة الحديد وصنع الدروع:

خلق الله الخلق، وجعل لكل شيء عناصره التي يتكون منها، وتستمد منه خصائصه التي تميزه عن غيره، ومن ذلك الحديد جعل الله فيه القوة والصلابة، بحيث لا يتغير شكله إلا بقوة خارجة عليه، مؤثرة فيه كالنار عندما يصهر بها، فإنه يلين، ثم يتم تشكيله بأشكال مختلفة ينتفع به الناس.

«فالحديد تراب معدني إذا صهر بالنار امتزج بعضه ببعض ولان وأمكن تطريقه وتشكيله، فإذا برد تصلب» 138.

ومن فضل الله على نبيه داود أنه آتاه آيةً حسيةً بأن ألان له الحديد بحيث يشكّله كما يشاء، فقال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] .

فكان الحديد في يديه كالطين المبلول يصرفه في يده كيف يشاء بغير إدخال نار ولا ضرب بحديد 139. عن قتادة قال: «كان يسويها بيده ولا يدخلها نارًا، ولا يضربها بحديدة» 140.

وقيل: إن المراد أن الله أعطى داود قوةً يثني بها الحديد، فيكون التغيير ليس في ذات عنصر الحديد، ولكن بما رزق الله داود من قوة يؤثر على الحديد، ويثنيه ويحركه، ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 141 ولم ينسبه لأحد، وذكر القولين الزمخشري في الكشاف 142.

وعلى كلا القولين فإنها آية من الله لداود عليه السلام سواءً ألان الحديد لداود بمحض قدرته سبحانه أم رزقه السبب والقوة التي يثني بها الحديد، والآية تحتمل القولين، وإن كان الأول أقوى لظاهر مدلول الآية أن الإلانة متجهة للحديد، والله أعلم.

وهنا يأتي علاقة قوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ} [ص:17] .

فإن الله ذكر ما منحه لداود من إلانة الحديد، وأثنى في موضع آخر بأن كان (ذا الأيد) واختلف المفسرون في معناها، ففريق نظر للقوة الحسية، وفريق للقوة المعنوية، فقيل: المعنى: ذا القوة، وهو قول ابن عباس 143. وقيل: القوة في الطاعة، وهو قول مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد 144.

ولو دققنا النظر في عباراتهم لوجدنا أن تفسير ابن عباس مطلق في القوة دون تقييد بنوع القوة، بينما الآخرون قيدوا القوة بأنها في الطاعة، فعبارة ابن عباس أعم وأشمل من عبارتهم، فيدخل فيها القوة في الطاعة، والقوة في غيرها، فالخلاف خلاف تنوع، فذكر ابن عباس العام، وهم ذكروا نوعًا منه.

والصواب أن يقال: إن الله رزق داود القوة الحسية والمعنوية، وبه نجمع بين قولي السلف في الآية، وهو الأكمل في حق نبي الله داود، فأما في الدين فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحهما عن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ويصوم يومًا، ويفطر يومًا) 145.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أعلى حد في الاجتهاد في الصوم كصيام داود، فقد كان صائمًا نصف الدهر، أخرج البخاري في صحيحه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو عندما قال: أطيق غير ذلك، فقال له: (فصم صوم داود) قال: وما صوم نبي الله داود؟ قال: (نصف الدهر) 146.

وفيما سبق دلالة ظاهرة على قوته في الدين في الصلاة والصيام.

وأما قوته في الدنيا فإنه ظاهر المراد بالآية السابقة، كما أن الله امتدح داود في غير هذا الموضع بصنائع دنيوية كصنع الدروع، فالجمع حين ذلك بين المعنيين بأن يقال: بقوته في الدين وقوته في البدن، هو الأكمل والأحرى بداود، ومعنى الآية، قال ابن عطية في المحرر الوجيز: «و (الأيد) القوة، وهي في داود متضمنة قوة البدن وقوته على الطاعة» 147.

وللشيخ عبد الرحمن السعدي توجيه لطيف في معنى: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] فإنه اعتبر أن إلانة الحديد لداود هي على جاري العادة بأن علمه الله الأسباب المعروفة لإذابتها، واستدل بأن الآية فيها امتنان على العباد بإلانة الحديد، ولا يقع الامتنان إلا فيما كان في مقدور العباد، قال السعدي: «يحتمل أن تعليم الله له على جاري العادة، وأن إلانة الحديد له بما علمه الله من الأسباب المعروفة الآن لإذابتها، وهذا هو الظاهر؛ لأن الله امتن بذلك على العباد، وأمرهم بشكرها، ولولا أن صنعته من الأمور التي جعلها الله مقدورة للعباد لم يمتن عليهم بذلك، ويذكر فائدتها؛ لأن الدروع التي صنع داود عليه السلام، متعذر أن يكون المراد أعيانها، وإنما المنة بالجنس، والاحتمال الذي ذكره المفسرون لا دليل عليه إلا قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ:10] وليس فيه أن الإلانة من دون سبب، والله أعلم بذلك» 148.

وعلى قول الشيخ السعدي لا تكون إلانة الحديد من المعجزات لداود، وإنما هو علم كشفه الله لداود وأسبابه المادية متوفرة لدى الخلق، وفي ظني أنه توجيه بعيد؛ لأن الآية جاءت في سياق فضائل داود عليه السلام، وذكر بعض معجزاته، فقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) } [سبأ:10] .

كما أن الثناء على فضائل الأنبياء حتمًا ستميز فضيلتهم عن غيرهم من الخلق وعلى مر العصور، ونحن نجد أن الأسباب العلمية لإلانة الحديد قد اشتهرت وعرفت من أزمان بعيدة والآن لا تخفى على أحد، والأسمى لفضيلة داود أن تكون قوة وهبها الله له دون باقي الخلق، وبهذا يكون القول المتجه أنها كانت في حق داود عليه السلام آية، وليس هي من قبيل العلم الذي يمكن اكتسابه، كما أنها يمكن أن تكون فضيلة لداود وامتنان على من بعده من خلق الله في تعلمهم لتلك الصنعة، فهي لداود فضيلة، ولمن سواه امتنان عليهم، والله أعلم.

وذكر القرطبي في هذه الآية فضيلة تعلم الحرف والصنائع، فقال: «في هذه الآية دليل على تعلم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم، والاستغناء عن غيرهم» 149.

ثم قال تعالى عقب الآية السابقة: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) } [سبأ:11] .

فبين الله تعالى أمره لداود بأن يصنع دروعًا سابغات من الحديد الذي ألانه له، و (السابغات) هي: الدروع، وهو قول ابن زيد وقتادة 150. و (السرد) قيل هو: مسمار حلق الدروع، وهو قول قتادة 151. وقيل: هي الحلق بعينها، وهو قول ابن عباس وابن زيد 152.

فنسج الدروع، أي: اجعل الحق والمسامير في نسجك الدروع بأقدار متناسبة 153.

وكان داود عليه السلام أول من صنع الدروع، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره 154 عن قتادة قال: كانت قبل داود صفائح، وهو أول من صنع هذا الحلق.

وقوله: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ:11] هو داخل في تفصيل فن الحرفة، وتلك الصنعة، قال ابن كثير في تفسيره: «هذا إرشاد من الله لنبيه داود عليه السلام، في تعليمه صنعة الدروع» 155.

وأما في تحديد المراد بالتقدير في السرد، فقال ابن عطية في المحرر الوجيز: «اختلف المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشياء السرد، إذ السرد هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه، فقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة، أي: لا تعملها صغيرة فتضعف ولا تقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها من خلالها.

وقال ابن عباس: التقدير الذي أمر به هو المسمار يريد ثقبه حين يشد نتيرها.

وذكر البخاري في مصنفه ذلك، فقال: المعنى لا تدق المسمار فيسلسل، ويروى فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء أيضًا رواية.

وروى قتادة: أن الدروع كانت قبله صفائح فكانت ثقالًا، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي: قدر ما يأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي: لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة وحدها فتزيل المنعة» 156.

وقال ابن الجوزي في زاد المسير: «وفي معنى الكلام قولان:

أحدهما: عدّل المسمار في الحلقة ولا تصغّره فيقلق، ولا تعظّمه فتنفصم الحلقة، قاله مجاهد.

والثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها، قاله قتادة» 157.

وقد نص الله سبحانه وتعالى على تصنيع داود للدروع، فقال جل ذكره: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) } [الأنبياء:80] .

فعلم الله داود صنعة الدروع فكان يصنعها أحكم صنعة؛ لتكون وقاية من الحرب، وسبب نجاة من العدو، فالمقصود بـ (اللبوس) هي الدروع 158.

وقال الشنقيطي: «والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع أنه أتبعه بقوله: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} أي: لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض؛ لأن الدرع تقيه ضرر الضرب بالسيف، والرمي بالرمح والسهم كما هو معروف» 159.

أولًا: حقيقة الفتنة ودخول الخصمين عليه:

لقد كثر كلام المفسرين في قصة دخول الخصمين على داود عليه السلام وحقيقة ما ظنّه أنه فتنة، وظاهر النص الوارد في القرآن أن فتنته حصلت عند تحاكم المتخاصمين لديه، ثم ظن داود أنه فتن فتاب وعاد إلى ربه وأناب، فغفر له الله ذلك، كما أن الفتنة جاءت في سياق تحاكم الخصمين، وفي ذلك إشارة لعلاقة ما ظنه فتنة بما دار في مجلس الحكم بين الخصمين.

وقد جاء ذكر فتنة داود في موضع واحد من القرآن في سورة ص، وهي سورة مكية 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت