فهرس الكتاب

الصفحة 1061 من 2431

قال فيها تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) } [ص:21 - 25] .

ولقد جال المفسرون في حقيقة الخصمين، وحقيقة تلك الفتنة، وارتباط الفتنة بتحاكم الخصمين، وأوردوا الكثير من الإسرائيليات في ذلك، منها ما قد يفهم منه البعض القدح في عصمة الأنبياء، فترتب عليه رد تلك الروايات، ومنه ما دون ذلك، ومنهم من رمى ذلك وراء ظهره، ولم يعول على تلك الإسرائيليات قط.

وقبل الخوض في تلك الفتنة والمراد بها أذكر معنى تلك الآيات بشرح إجمالي:

دخل على داود عليه السلام أشخاص أظهروا اختلافهم في قضية، وأظهروا النزاع فيها، وأرادوا أن يتحاكموا لداود، فدخلوا عليه من غير الهيئة المعهودة لديه؛ فتسورا مكانه الذي كان يمكث فيه ليتعبد ربه، وتسبب دخولهم ذلك بالفزع لداود، فبادروه بتهدئته، وقالوا: لا تخف نحن خصمان، وشرحوا سبب مجيئهم له مباشرة؛ ليسكن روعه، ثم وجهوا لداود -بين يدي خصومتهم- النصيحة بأن يحكم بينهم بالعدل، ولا يسرف، أو يحف في حكمه، وأن يرشدهم إلى الحق والطريق المستقيم.

ثم بينوا له الواقعة، وهو أنه حصل بغي من أحدهما على الآخر، فقد كان لأحدهم تسع وتسعون نعجة، والآخر له واحدة، فطلب منه صاحب الأكثر أن يتركها له، وغلبه في خطابه معه حتى أدركها أو كاد، فحكم داود بأن صاحب الأكثر قد أخطأ في طلبه، وأن الظلم يقع بين الشركاء إلا من اتقى الله.

وعلم داود أنه قد وقع في فتنة وابتلاء، فاستغفر ربه، ورجع إليه أن يكون قد وقع في زلل أو خطأ، فغفر الله له ذلك، وبين ما له عند ربه من منزلة ومكانة عالية.

وإلى هنا انتهى تفسير الآيات إجماليًا، وراعيت فيه أن يكون موافقًا لجملة الأقوال التي قيلت في فتنة داود، أو في حقيقة الخصمين والنعجة.

وبالنظر في حقيقة هذه القصة نجد أن ثمة مسائل تقوم عليها كحقيقة الخصمين، ومعنى النعجة، وهل للخصومة ارتباط بفتنة داود؟ ثم حقيقة الفتنة الواقعة، فأركان القصة أربعة، وفيها ترابط في معناها، وتداخل مع تفسير القصة، وبين الأقوال تلك من الارتباط والتداخل الشيء الكثير؛ ولتجلية موقف المفسرين في ذلك يمكن جعل مواقف المفسرين في ثلاثة مسالك:

المسلك الأول: هو حمل القصة على ظاهرها، وأن المتخاصمين الذين دخلوا على داود هم من الإنس، وذهب إلى هذا القول النقاش 161، وابن حزم الظاهري 162، والفخر الرازي 163، والسبكي 164، وأبو حيان الأندلسي 165.

واتفق أصحاب هذا القول على أن المراد بالنعجة هو المعنى الحقيقي للماشية، ورجحه أبو حيان في البحر المحيط، فقال: «والظاهر إبقاء لفظ النعجة على حقيقتها من كونها أنثى الضأن، ولا يكنّى بها عن المرأة، ولا ضرورة تدعو إلى ذلك» 166.

ثم اختلف أصحاب هذا المسلك في حقيقة فتنة داود، فذهبوا فيه إلى أربعة مذاهب، هي:

الأول: أن داود ظنّ أن الداخلين عليه دخلوا لاغتياله.

وإليه ذهب الفخر الرازي في تفسيره 167، وأبو حيان في البحر المحيط، وقال: «والذي يذهب إليه ما دل عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل، وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم ظانًا أنهم يغتالونه؛ إذ كان منفردًا في محرابه لعبادة ربه، فلما اتضح له أنهم جاءوا في حكومة، وبرز منهم اثنان للتحاكم، كما قص الله تعالى، وأن داود عليه السلام ظن دخولهم عليه في ذلك الوقت، ومن تلك الجهة إنقاذ من الله له أن يغتالوه، فلم يقع ما كان ظنه، فاستغفر من ذلك الظن، حيث أخلف ولم يكن يقع مظنونه، وخر ساجدًا، أو رجع إلى الله تعالى فغفر له ذلك الظن» 168.

الثاني: أنه تعجل في إصدار الحكم بعدما سمع من الأول، ولم يسمع من الطرف الآخر:

ذهب إلى هذا القول أبو عبد الله الحليمي في منهاج الدين 169.

وحكى هذا القول -دون نسبة- ابن عطية في المحرر الوجيز وضعّفه، فقال: «وهذا ضعيف من وجوه؛ لأنه خالف متظاهر الروايات، وأيضًا فقوله: {لَقَدْ ظَلَمَكَ} معناه: أن ظهر صدقك ببيّنة أو باعتراف، وهذا من بلاغة الحاكم التي ترد المعوج إلى الحق، وتفهمه ما عند القاضي من الفطنة» 170.

ووجه ابن المنير هذا القول في حاشيته على الكشاف 171 بتعليق لطيف قال فيه: «مقصود هذا القائل تنزيه داود عن ذنب يبعثه عليه شهوة النساء، فأخذ الآية على ظاهرها، وصرف الذنب إلى العجلة في نسبة الظلم إلى المدعى عليه؛ لأن الباعث على ذلك في الغالب إنما هو التهاب الغضب وكراهيته أخف مما يكون الباعث عليه الشهوة والهوى، ولعل هذا القائل يؤكد رأيه في الآية بقوله تعالى عقبها وصية لداود عليه السلام: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى} [ص:26] .

فما جرت العناية بتوصيته فيما يتعلق بالأحكام إلا والذي صدر منه أولًا وبان منه من قبيل ما وقع له في الحكم بين الناس».

الثالث: أن داود ظن أن الله امتحنه واختبره في وقت عبادته، هل يترك العبادة ليشتغل بالحكم، أو يترك الحكم ليشتغل بالعبادة، ذكره السبكي 172.

الرابع: لم يكن ثمة ذنب يستوجب الاستغفار؛ بل هم من سمت الأنبياء تلبسهم بهذه الأفعال الكريمة «والاستغفار فعل خير لا ينكر ملك ولا نبي، ولا من مذنب ولا من غير مذنب، وإنما قوله تعالى: {وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} [ص:24] .

وقوله تعالى: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ} [ص:25] .

فقد ظن داود عليه السلام أن يكون ما أتاه الله عز وجل من سعة الملك العظيم فتنة». وهو قول ابن حزم 173، والقاضي عياض 174.

المسلك الثاني: أن القصة ليست حقيقية، وإنما مجرد تمثيل، وعليه فإن الخصمين ملكان 175، وفتنة داود كانت بسبب امرأة، وأن المراد بكلمة (نعجة) كناية عن المرأة، قال المبرد في الكامل: «العرب تكنّي عن المرأة بالبقرة والنعجة» 176. ثم جاءت الملائكة لتنبيه داود على ما وقع فيه من زلة.

قال الطبري في تفسيره: «هذا مثلٌ ضربه الخصم المتسوّرون على داود محرابه» 177. وقال ابن عطية في المحرر الوجيز: «ولا خلاف بين أهل التأويل 178 أن هؤلاء الخصم إنما كانوا ملائكة، بعثهم الله تعالى ضرب مثل لداود عليه السلام، فاختصموا إليه في نازلة قد وقع هو في نحوها، فأفتى بفتيا هي واقع عليه في نازلته» 179.

وفي إثبات أنهما ملكان، وأن الفتنة بسبب المرأة، قال الواحدي في البسيط: «وظاهر القرآن يوجب أن يكون داود قد كلّم أوريا في امرأته؛ لأن خصومة الملكين تمثيل لهذه القصة» 180. وفي نفس الموضع قال: «قال أهل التحقيق من علماء التأويل: جعل الله قصة الملكين تمثيلًا لداود أمره مع أوريا، وسلسلها له على ما فعل ليتوب ويراجع ربه فيستغفر» .

وممن ذهب إلى هذا المسلك -على اختلاف توجيهاتهم للقصة-: ابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهما، والحسن، والسدي، وابن جرير، وأبو جعفر النحاس، والجصاص، والكيا الهراسي، والثعلبي، وابن العربي، والقاضي أبو يعلى، وابن عطية، والواحدي، والزمخشري -كما سيأتي-. والقائلون بهذا المسلك لهم ثلاثة أقوال في توجيه القصة:

الأول: أن داود طلب من زوج المرأة أن ينزل له عنها، وبهذا عوتب، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس، أخرجه عنهما ابن جرير في تفسيره 181 أنهما قالا: «ما زاد داود على أن قال: انزل لي عنها» .

وقال بهذا القول: النحاس، والجصاص، والكيا الهراسي، والقاضي أبو يعلى، وابن العربي، والزمخشري، وابن عاشور 182.

قال النحاس: «قول العلماء المتقدمين الذين لا يدفع قولهم، منهم: عبد الله بن مسعود وابن عباس رحمهما الله فإنهم قالوا: «ما زاد داود عليه السلام على أن قال للرجل: انزل عن امرأتك» 183.

فعاتبه الله جل وعز على هذا، ونبّهه عليه، وليس هذا بكبير من المعاصي، ومن يخطي إلى غير هذا فإنما يأتي بما لا يصح عن عالم، ويلحقه فيه الإثم العظيم».

الثاني: منهم من أخذ بكامل القصة، وهي أن داود نظر إلى امرأة وهي تغتسل فأعجب بها، ثم قدّم زوجها في القتال في مظان الموت؛ ليتزوجها بعد موته أو تزوجها، وهو مروي عن ابن عباس، والسدي، والحسن، ووهب بن منبه 184، وروي من طريق أنس مرفوعًا 185 وهو قول الثعلبي في الكشف والبيان 186. ولا يعني هذا صحة كل تفاصيل القصة ونسبتها لهم، بل الصحيح أن أصل القصة هو ما يمكن نسبته لهم، وهو القدر المشترك بينهم، مع إمكانية وقوع الخلاف في تفاصيل القصة بمجموع مروياتها، وهذا لا يؤثر على القدر المشترك المتفق عليه في تلك المرويات.

الثالث: أن داود لم يتوجع على قتل زوج المرأة، ذكره ابن عطية في المحرر الوجيز 187. وهو أبعد الأقوال في هذا المسلك.

وجاء النكير من المفسرين على أصحاب هذا المسلك، وكان المنكرون على نوعين، إما ينكر كل قصة نظر داود إلى المرأة، ولم يقبل أن يكون حقيقة الخصمان مثل، وأنهما من الملائكة، وإما أن يثبت أن الموقف تمثيل، ولكنه أنكر نظر داود إلى المرأة وتسببه في مقتل زوجها، فبينهم عموم وخصوص.

فكلهم أنكر أن يكون داود نظر إلى المرأة وافتتن بها، ثم تسبب في قتل زوجها ليتزوجها، والبعض أنكر أن يكون الخصمين ملائكة.

قال أبو حيان: «ذكر المفسرون في هذه القصة أشياء لا تناسب مناصب الأنبياء، ضربنا عن ذكرها صفحًا» 188.

وقال ابن الجوزي: «ذكر جماعة من المفسرين أن داود لما نظر إلى المرأة سأل عنها، وبعث زوجها إلى الغزاة مرة بعد مرة إلى أن قتل، فتزوجها، وروي مثل هذا عن ابن عباس ووهب والحسن في جماعة، وهذا لا يصح من طريق النقل، ولا يجوز من حيث المعنى؛ لأن الأنبياء منزهون عنه» . وقال: «فأما ما روي أنه نظر إلى المرأة فهويها، وقدّم زوجها للقتل، فإنه وجه لا يجوز على الأنبياء؛ لأن الأنبياء لا يأتون المعاصي مع العلم بها» 189.

وقال الفخر الرازي: «فأما القول الأول فحاصل كلامهم فيها: أن داود عشق امرأة أوريا، فاحتال بالوجوه الكثيرة حتى قتل زوجها، فأرسل الله إليه ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته، فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبًا، ثم تنبه لذلك فاشتغل بالتوبة، والذي أدين به وأذهب إليه أن ذلك باطل، ويدل عليه وجوه:

الأول: أن هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق الناس، وأشدهم فجورًا لاستنكف منها، والرجل الحشوي الخبيث الذي يقرر تلك القصة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه، وربما لعن من ينسبه إليها، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصوم إليه.

الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين: إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حق، وإلى الطمع في زوجته، وكلاهما منكر، وإن أوريا لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه.

والثالث: أن الله تعالى وصف داود عليه السلام قبل ذكر هذه القصة بالصفات العشرة المذكورة، ووصفه أيضًا بصفات كثيرة بعد ذكر هذه القصة، وكل هذه الصفات تنافي كونه عليه السلام موصوفًا بهذا الفعل المنكر والعمل القبيح» 190. انتهى بتصرف طفيف.

وأما من أنكر نظر داود للمرأة، وافتتانه بها، وتسببه في قتل زوجها، ولكنه لم ينكر قصة الملكين، وأنهما تمثلا بحال الخصمين الزمخشري 191، وابن العربي المالكي 192، والجصاص 193، فجاءت في عباراتهم النكير على المرويات الإسرائيلية التي أسهبت في وصف نظر داود للمرأة وافتتانه بها، ولكنهم أثبتوا واختاروا أن الخصمين ملكان، وأنهما جاءا لموعظة داود.

وسلك الألوسي في روح المعاني منهجًا متوسطًا في ذلك دون البيان عما يرجحه، فقد ساق جملة القصص والأقوال التي رويت في قصة فتنة داود، ثم قال عقبها: «وعندي أن ترك الأخبار بالكلية في القصة مما لا يكاد يقبله المنصف، نعم لا يقبل منها ما فيه إخلال بمنصب النبوة، ولا يقبل تأويلًا يندفع معه ذلك، ولا بد من القول بأنه لم يكن منه عليه السلام إلا ترك ما هو الأولى بعلي شأنه، والاستغفار منه، وهو لا يخل بالعصمة» 194.

المسلك الثالث: التوقف في حقيقة القصة، وتفويض علمها إلى الله، وحمل القرآن على ظاهره دون التفصيل في فتنة داود:

وممن ذهب إلى هذا المسلك ابن كثير والسعدي، فقال ابن كثير في تفسيره: «ذكر المفسرون ها هنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه، فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة، وأن يردّ علمها إلى الله عز وجل، فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضًا» 195.

وقال السعدي في تفسيره: «وهذا الذنب الذي صدر من داود عليه السلام، لم يذكره الله لعدم الحاجة إلى ذكره؛ فالتعرض له من باب التكلف؛ وإنما الفائدة ما قصّه الله علينا من لطفه به، وتوبته وإنابته، وأنه ارتفع محلّه، فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها» 196.

تحليل المسالك الثلاثة والترجيح:

بعد النظر والتأمل فيما سبق إيراده، وبعد سرد ونظم لأقوال المفسرين واختلافاتهم من مؤكد لقصة المرأة ونافٍ لها، ومن مؤكد لارتباط فتنة داود بقصة الخصمين، ومن نفى ذلك، نستخلص النتائج التالية:

أولًا: جميع المفسرين والعلماء يجمعون على عصمة الأنبياء، ومنهم داود عليه السلام من الكبائر، وحكى الإجماع على ذلك ابن العربي 197، كالزنا مثلًا.

ولذا فلا يصح بحال من الأحوال اتهام داود بفعل الفاحشة مع المرأة، بل هو منزه عن ذلك قطعًا، والمفسرون أجل من أن يرموا نبي الله بفعل فاحشة، كما أنه لم يرد مثل ذلك في كتب التفسير أبدًا، وقد ترفعوا عن روايتها -ولو روتها كتب بني إسرائيل كما ورد في العهد القديم-؛ ولذا فكل من قام بالتشنيع على من روى القصة إنما هو فيما دون فعل الفاحشة.

ثانيًا: انقسم المفسرون إلى فريقين في ضرورة حكاية القصة لفهم الآيات، فمر معنا أن ابن عطية جعل بعض تلك الأخبار جزءًا هامًا يقوم عليه تفسير الآيات، وكذا الألوسي قد اعتبر ترك الأخبار جملة لا يقبله منصف.

وأما الاتجاه الآخر وعلى رأسه ابن كثير فإنه رأى ضرورة إغفالها، وأنها لا تقدم مفيدًا في تفسير القصة، فلا يوجد اتفاق على حكايتها، أو عدم حكايتها بالنظر لجملة عصور المفسرين ككل، ويبقى الحال لاجتهاد المفسر، ويظهر أن حجة من نفى ضرورة حكاية الأخبار أنه يرى فيها قدحًا في العصمة، وليس ذلك على إطلاقه، فإن بعض الروايات قد ترد وبعضها قد يحكى ولا ضير فيه، وليس فيها ما يقدح في عصمة الأنبياء.

وإن كان ينبغي التأكيد على أن العبرة في منهج أصحاب القرون المفضلة في تفسير آيات الكتاب العزيز وهو بمثابة الميزان على العصور التي بعدها.

ثالثًا: مما يحيد بمسار البحث العلمي والبحث عن القول الصحيح استخدام عبارات فيها تشنيع وتقبيح لأفعال لا يرضها أي مسلم أو عاقل؛ لتكون حاجزًا نفسيًا يحول دون مجرد النظر في القول الآخر؛ فضلًا عن إمكانية صوابه.

فمثلًا يقول الفخر الرازي في تفسيره تشنيعًا على القول بقصة داود ونظره للمرأة وموت زوجها: «لو كانت القصة المتقدمة دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: {وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى} [ص:25] لائقًا به» 198.

وأي عاقل ستسول له نفسه الظن -مجرد ظن- بأن نبيًّا لله يسعى في الفجور والقتل بغير حق؟! هذا أقرب إلى ما يسمى بالإرهاب الفكري! وكان الأحرى البعد عن استخدام العبارات النارية الصارفة للقارئ عن مرويات السلف، والنظر فيها بعين البحث العلمي لا بعين الحكم المسبق أو الألفاظ الرنانة.

رابعًا: الداعي لاستشناع المروي عن الصحابة والتابعين في قصة داود ورده -لدى البعض- إنما هو الدليل العقلي المجرد ورد خبر الآحاد بالقطعيات.

ومن ذلك ما قاله الفخر الرازي في تفسيره: «نقول: إن من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها حقيقيةً صحيحةً، فإن روايتها وذكرها لا يوجب شيئًا من الثواب؛ لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من أن لا توجب الثواب، وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلةً فاسدةً فإن ذاكرها يستحق أعظم العقاب والواقعة التي هذا شأنها وصفتها، فإن صريح العقل يوجب السكوت عنها، فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور» 199.

وقال الرازي: «فإن قال قائل: إن كثيرًا من أكابر المحدثين والمفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟

فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى» 200.

خامسًا: حكاية نظر داود للمرأة ورغبته في نكاحها إنما رواه أئمة كبار من المفسرين من سلف الأمة، فقول ينسب لابن مسعود، ولابن عباس، والحسن، والسدي، ووهب ابن منبه، لا يصح رميه بأسوأ الأوصاف والألقاب لمجرد استشناع ما جاء في الروايات والاستقباح النفسي لها، بل إن منهج الرد والقبول له طريقه العلمي متى ما سلك أوصل إلى الصواب في منهجية البحث.

وقد يقال: إنّ من أغلظ في رده إنما اعتمد على عدم صحة نسبة تلك الأقوال إليهم، فإننا نقول: إنه لم يبين ضعف تلك الأسانيد، كما أنه قد قبل مروياتهم الأخرى وبذات السند المساق في هذه الروايات، فما وجه الفرق إذن؟!

كما أن كثيرًا من كتب التفسير روتها لوجود الإذن الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم في حكاية مرويات بني إسرائيل، كما أن كبير المفسرين ابن جرير الطبري قد حكى تلك الروايات عنهم، وهو من أئمة هذا الشأن، وكذا القاضي ابن عطية الغرناطي، ولا يغيب عليهما ما ورد في أذهان المتأخرين أو بعض المعاصرين من عدم صحة نسبة تلك الأقوال إليهم، أو احتمال تنقص نبي الله داود بمروياتهم.

وإذا علمنا أن ابن جرير وهو إمام المفسرين في زمانه وابن عطية قد حكوها، فإن العجب لا ينقضي من الباحث الذي يشتد نكيره على من رواها، ويقول: «وقد أعجب بعض المفسرين بهذه التفاصيل الإسرائيلية المكذوبة، فسجّلوها في تفاسيرهم، وفسّروا بها آيات القصة، ونسوا أنهم يتحدثون عن نبي رسول كريم، عصمه الله وحفظه، فكان أتقى وأفضل الناس» إلى أن قال: «أما المفسرون والمؤرخون المنهجيون فقد رفضوا تلك الإسرائيليات» 201.

ونلحظ أنه وصف من رفض تلك الإسرائيليات بالمنهجيين، فمن هم أولئك عنده؟ قال: «من هؤلاء ابن كثير وسيد قطب» . ولازم قوله أن ابن جرير وابن عطية ليسوا من المفسرين المنهجيين! إن في ذلك مبالغة، وتزهيد للناس في إمام من أئمة هذا العلم، وكثير ممن جاء بعده إنما هم عالة عليه، كما أن له قدم السبق في التحرير والترجيح، وليس في جانب الرواية فقط. كما أن نقده لا يتجاوز أن يكون تشنيعًا بالألفاظ ممن يقدر عليه كل أحد، وإنما الحجة للدليل والبرهان مع حفظ مقام القامات العلمية المتخصصة من ذوي التفسير والتاريخ.

سادسًا: غالب من أنكر وشنع على من قال بقصة نظر داود للمرأة، ورغبته في استشهاد زوجها ليتمكن من تزوجها، انطلقوا من نقاط ثلاث: نظر داود للمرأة، أو استرساله في النظر لها، أو مساهمته في إراقة دم زوجها، أو تتبعه للدنيا وحرصه عليها.

وعند تأمل ذلك وتفنيده نجد أن ما ورد في الروايات ليس فيه قدحًا في عصمة داود، فإن النظر للمرأة كان فجأة، وهو معفو عنه بالإجماع، كما نص عليه ابن العربي 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت