قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا} [النساء: 113] .
فقد كشفت الآية لرسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر؛ ليقوم ميزان العدل. ويأبى الله إلا أن يحق الحق ويبطل الباطل، فهذه الآية نزلت في طعمة بن أبيرق 43، واختلف في سبب نزولها فيه: فقال الحسن: إنه كان سرق درعًا وطعامًا فأنكره، واتهم غيره وألقاه في منزله، وأعانه قوم من الأنصار. وخاصم النبي صلى الله عليه وسلم عنه أو هم بذلك، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية إلى قوله: {ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا} [النساء: 112] .
يعني: الذي اتهمه السارق وألقى عليه السرقة 44.
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ} [النساء: 113] . أي: لولا أن الله تفضل عليك يا محمد، فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن، فكففت لذلك عن الجدال عنه، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قبله {لَهَمَّتْ} فرقة منهم، أن يزلوك عن طريق الحق؛ وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه صلى الله عليه وسلم، وشهادتهم للخائن عنده بأنه بريء مما ادعي عليه، ومسألتهم إياه أن يعذره، وما يضل هؤلاء إلا أنفسهم 45.
وقيل: {لَهَمَّتْ} معناه: لجعلته همها وشغلها حتى تنفذه، والمعنى: ولولا عصمة الله لك لكان في الناس من يشتغل بإضلالك ويجعله هم نفسه، كما فعل هؤلاء، لكن العصمة تبطل كيدهم 46.
والظاهر أن الهم هنا بمعنى: العزم على إضلاله عن الحق في هذه الواقعة؛ لعلمهم أنه سارق، ثم هم يجادلون عنه، ويطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فقد قيل: إن قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يدفع ويجادل عنه، وينسب السرقة إلى اليهودي، فتعاونوا على الإثم والعدوان 47.
وحتى على فرض أنهم لم يكونوا يعلمون، بل قالوا ذلك ظنًا منهم أنه لم يسرق 48 فحينها سيكون عزمهم أشد، وطلبهم من النبي صلى الله عليه وسلم المدافعة عنه أقوى وأكثر؛ جهلًا منهم بحقيقته.
فتبين أن همهم هنا عزمٌ مؤكد منهم، سواء من علم، أو من لم يعلم منهم أنه سرق، فكان كما قال ابن عطية: «معصيةٌ من مؤمنيهم، وخلقٌ مقصود من منافقيهم، عصم الله رسوله منه» 49.
من عناية الله بخلقه أن أرسل الرسل وأنزل الكتب؛ لئلا يكون للناس حجةٌ؛ فسعوا في الأرض ينشرون دينه، لا يرجون أجرًا ولا يتطلعون لدنيا. ومع ذلك نجد من طبع الله على قلبه سخر وقته للنيل منهم، فآذوهم، وطردوهم، ونقضوا عهودهم، وأغروا بهم سفهاءهم، ومن لم يستطع منهم ذلك فإنه لم يأل جهده في العزم عليه، والسعي له، والفرح به إن تحقق، ومن منة الله على عباده: حفظهم من كيد أعدائهم وهمهم السيء بهم.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] .
اختلف المفسرون في سبب نزول الآية وأشهر ما ذكر: «أن رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجلين من بني سلم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قومهما موادعة، فجاء قومهما يطلبون الدية فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف -رضوان الله عليهم أجمعين-، فدخلوا على كعب بن الأشرف 50 وبني النضير يستعينهم في عقلهما، فقالوا: يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجةً، اجلس حتى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس هو وأصحابه، فجاء بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لم تجدوا محمدًا أقرب منه الآن، فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرةً، فيريحنا منه؟ فقال عمر بن جحاش بن كعب 51: أنا، فجاء إلى رحًى عظيمة ليطرحها عليه، فأمسك الله تعالى يده، وجاء جبريل عليه السلام وأخبره بذلك، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله تعالى هذه الآية» 52.
وورد أيضًا عن جابر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل منزلًا وتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها، فعلق النبي صلى الله عليه وسلم سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذه فسله، ثم أقبل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: من يمنعك مني؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:(الله) ، فشام 53 الأعرابي السيف، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالسٌ إلى جنبه لم يعاقبه) 54.
وقصة هذا الأعرابي -وهو غورث بن الحارث- ثابتة في الصحيح 55.
وجعل الطبري القول الأول أولى الأقوال بالصحة 56.
بينما رد ابن عاشور ذلك، وذكر أن المراد: «قومٌ يعرفهم المسلمون يومئذ؛ فيتعين أن تكون إشارة إلى واقعة مشهورة أو قريبة من تاريخ نزول هذه السورة» 57.
وأيًا كان سبب نزول الآية ومن المراد بها، ففيها تذكير بنعمته تعالى لما قصد قوم وهموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، أو قتل المسلمين، أو أن ينالوهم بشرٍ، فمنعهم الله، وحفظ عباده المؤمنين.
والهم هنا قيل إنه: حديث النفس بالفعل، ويقال: أهم بالشيء واهتم به، إذا عني به 58.
والذي يظهر لي أنهم قد حدثوا أنفسهم بالتخلص من النبي صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين، ولكن لم يقف همهم عند هذا الحد من إضمار الغدر بالنبي صلى الله عليه وسلم في أنفسهم، بل إنهم عزموا على التخلص منه والفتك به عزمًا جازمًا، في محاولة بيتوا فيها الغدر والخيانة؛ إذ لم يقدروا على ذلك علانية. فأظهر الله مكرهم وأبطل كيدهم وحمى أهل طاعته.
والتعبير ببسط اليد يوحي بذلك، فبسط اليد مجاز في البطش.
قال تعالى: {وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ} [الممتحنة: 2] .
كما أن كف اليد مجاز عن الإعراض عن السوء خاصة.
قال تعالى: {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} [الفتح: 20] 59.
فالهم هنا بمعنى العزم المؤكد على إيقاع السوء به صلى الله عليه وسلم. وظاهر الآية والسنة الصحيحة الصريحة يدلل على ذلك.
وهؤلاء قومٌ ديدنهم الخيانة والغدر والفتك بالداعين إلى الله، فأصبح لا يجدي معهم إلا أن تستأصل شأفتهم، ويقطع دابرهم. يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله، حاضًا لهم على جهاد أعدائهم من المشركين: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 13] .
ألا تقاتلون هؤلاء المشركين الذين نقضوا العهد الذي بينكم وبينهم، وطعنوا في دينكم، وظاهروا عليكم أعداءكم، وهموا بإخراج الرسول من بين أظهرهم فأخرجوه 60.
ولقتالهم ثلاثة أسباب يوجبه كل واحد منها بانفراده فكيف بها مجموعة؟!
1.نكثهم العهد؛ حيث نكث كفار مكة أيمانهم بعد عهد الحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعة.
2.همهم بإخراج الرسول؛ فإن هذا من آكد ما يجب القتال لأجله. سواءً إخراجه من مكة حين هاجر، أو من المدينة لما أقدموا عليه من المشورة والاجتماع على قصده بالقتل. أو هموا بإخراجه من حيث أقدموا على ما يدعوه إلى الخروج وهو نقض العهد، وإعانة أعدائه، فأضيف الإخراج إليهم توسعًا لما وقع منهم من الأمور الداعية إليه. وقوله: (وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ) إما بالفعل وإما بالعزم عليه، وإن لم يوجد ذلك الفعل بتمامه.
3.قوله: (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) إما بالقتال يوم بدر؛ لأنهم حين سلم العير قالوا: لا ننصرف حتى نستأصل محمدًا ومن معه. أو أراد أنهم قاتلوا حلفاء خزاعة فبدءوا بنقض العهد -على قول الأكثرين- وإنما قال: (بَدَءُوكُمْ) تنبيهًا على أن الباديء أظلم 61.
والتحضيض معناه: الطلب بحثٍ وشدةٍ. والمعنى: إن الله هنا طلب منهم بحثٍ وشدة أن يقاتلوا هؤلاء الكفرة أئمة الكفر 62.
فجعل همهم بإيذاء الرسل والداعين إلى الله، من آكد الأسباب التي تستوجب قتالهم وقطع دابرهم، سواء وقع ذلك منهم بالفعل، أو لم يقع، وظاهره أن همهم هنا بمعنى العزم، فقد دلت آيات أخر على حرصهم على ذلك كل الحرص، وسعيهم إليه بكل سبيل.
قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال: 30] .
وقال أيضًا: {وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 76] .
ثم إنه بعد هذا الحث أمر بقتالهم صراحة: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] .
وفي الآية السابقة تهديد للكفار والمنافقين وإنذارٌ لهم، وفي الآية التالية يدعوهم إلى التوبة؛ فقد تردى حالهم من الاستهزاء بالله ورسوله، وإضمار النفاق، والأيمان الكاذبة، والهم بالسوء.
قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] .
فقد كان المنافقون إذا خلا بعضهم إلى بعض سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فنقل ذلك له، فلما كلمهم حلفوا ما قالوا شيئًا من ذلك، فأنزل الله الآية إكذابًا لهم.
وقيل في سبب نزولها أيضًا: «اقتتل رجلان؛ رجل من جهينة ورجل من غفار، فظهر الغفاري، فنادى ابن أبي: يا بني الأوس انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، فوالله {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: 8] .
فسمع بها رجل من المسلمين، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأرسل إليه، فحلف بالله ما قال، وأنزل الله الآية» 63.
وقيل: «كان الجلاس بن سويد 64 ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك وقال: لئن كان هذا الرجل صادقًا لنحن شر من الحمير، فرفع عمير بن سعيد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف ما قلت، فأنزل الله الآية» 65.
والأقوال تدل على أن المنافقين حلفوا كذبًا على كلمة كفر تكلموا بها أنهم لم يقولوها أيًا كانت هذه الكلمة من إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين أو الطعن في دينهم وعن من صدرت من المنافقين.
ثم ترتب على ذلك أن هموا بأمر، وثم دسيسة سوء بيتوها، ففضحهم الله عز وجل. فقيل: هم المنافقون بقتل المسلم الذي سمع قولهم: لنحن شرٌ من الحمير؛ لكي لا يفشيه.
وقيل: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجًا، فلم يصلوا إليه 66.
وربما كان همهم بأمر آخر لاعلاقة له بما وقع عليه الحلف، وفيه إيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن هذه الروايات كما قال صاحب الظلال: «لا تنسجم مع قوله: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} [التوبة: 74] » 67.
وورد في سبب نزولها: هموا أن يدفعوا ليلة العقبة، وكانوا قومًا قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه يلتمسون غرته حتى أخذ في عقبة، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم، وذلك كان ليلًا قالوا: إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي، وكان قائده في تلك الليلة عمار بن ياسر وسائقه حذيفة، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل، فالتفت فإذا هو بقوم متلثمين، فقال: إليكم يا أعداء الله فأمسكوا، ومضى النبي عليه الصلاة والسلام حتى نزل منزله الذي أراد، فأنزل الله تعالى قوله: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} 68. فهذه الواقعة تصور ما بيتوه مستخفين فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأطلعه عليه من علم السرائر جل وعلا.
وهمهم لقتل النبي صلى الله عليه وسلم أو إخراجه من المدينة، أو قتل رجل من المسلمين، وإن لم ينالوه، فهو همٌ محقق بمعنى العزم دل عليه ظاهر الآية.
والدلالة نفسها تحملها آية غافر في بيان حال أعداء الله مع رسل الله، وما هموا به من أمور تستوجب قتالهم وأخذ الله لهم بجريرة مافعلوا.
قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر: 5] .
فلم يكتفوا بالتكذيب والاستكبار والتجبر في الأرض بغير الحق، حتى وجهوا سهامهم ليبطشوا برسلهم {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: 5] .
أي: ليحبسوه ويعذبوه، وقيل: ليقتلوه. والأخذ يرد بمعنى الإهلاك، كقوله: {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [الحج: 44] 69.
واختير هذا الفعل (الأخذ) هنا ليشمل مختلف ما همت به كل أمةٍ برسولها من قتل أو غيره، كما قال تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال: 30] .
والمعنى: إن الأمم السابقة من الكفرة لم يقتصروا على تكذيب الرسول، بل تجاوزوا ذلك إلى غاية الأذى من الهم بالقتل كما حكى الله عن ثمود: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49] .
وقد تآمر كفار قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة دار الندوة ليقتلوه، بأن يتجمع نفر من جميع عشائرهم فيضربوه بالسيوف ضربة رجل واحد؛ كي لا يستطيع أولياؤه من بني هاشم الأخذ بثأره 70. وقد حرصوا على قتله بكل ممكن، ومن الأمم من قتل رسوله 71.
فأخذ الله الأمم عقوبة لهم على همهم برسلهم فأهلكهم واستأصلهم. وتفريع قوله: {فَأَخَذْتُهُمْ} على قوله: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} إنذار المشركين أن همهم بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم هو منتهى أمد الإمهال لهم، فإذا صمموا العزم على ذلك أخذهم الله كما أخذ الأمم المكذبة قبلهم، حين همت كل أمة برسولهم ليأخذوه، فإن قريشًا لما هموا بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم أنجاه الله منهم بالهجرة ثم أمكنه من نواصيهم يوم بدر 72.
فالهم الواقع من أعداء الله لأوليائه من الرسل والدعاة، لا ريب أنه عزمٌ منهم على الأخذ، تعذيبًا وقتلًا ونحوه.
خامسًا: الاشتغال والعناية بالنفس الداعية للهم:
المؤمن الحق يرخص روحه في سبيل نصرة دين الله وحماية رسوله، أما المنافق فهمه نفسه وحمايتها؛ سلم غيره أم لا فمن همه بنفسه اشتعل صدره خوفًا وقلقًا لتخليصها كيفما اتفق. وفي ميدان (أحد) حيث القتال والهزيمة والفرار، يمحص الله بابتلاءاته القلوب، فيطفو النفاق جليًا على بعض النفوس الظآنة ظن الجاهلية، ويحملها على لوم النفس -لما هي هاهنا- حتى حل الفزع منها محل النوم.
قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] .
يقص الله عز وجل في الآية أحداث ماجرى، حيث أنزل على المؤمنين من بعد الغم الذي أصابهم أمنةً؛ وهي الأمان على أهل الإخلاص منهم واليقين، دون أهل النفاق والشك.
وهذه الأمنة التي أنزلها عليهم، هي النعاس وطائفة قد أهمتهم أنفسهم -وهم المنافقون- لا هم لهم غير أنفسهم، فهم من حذر القتل على أنفسهم، وخوف المنية عليها في شغل، قد طار عن أعينهم الكرى، يظنون بالله الظنون الكاذبة، ظن الجاهلية من أهل الشرك بالله، شكًا في أمر الله، وتكذيبًا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومحسبةً منهم أن الله خاذل نبيه 73.
ومعنى {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} حملتهم على الهم، يقال: أهمني الشيء أي: كان من همي، وأهمني الأمر: أقلقني 74. فكان همهم خلاص أنفسهم، فهم أصلًا لم يحضروا إلا لطلب الغنيمة 75.
وقد حدثتهم أنفسهم بما أدخل عليهم الهم؛ وذلك لعدم رضاهم بقدر الله، وبشدة تلهفهم على ما أصابهم، وتحسرهم على ما فاتهم مما يظنونه منجيًا لهم لو عملوه: أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي: {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156] 76. والإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه، صار غافلًا عما سواه، فلما كان أحب الأشياء إلى الإنسان نفسه، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلًا عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} 77.
وقيل معنى {أَهَمَّتْهُمْ} : أدخلت عليهم الهم بالكفر والارتداد 78. فهو من هم بالشيء أراد فعله. والمعنى: أهمتهم أنفسهم المكاشفة ونبذ الدين، وهذا على قول من قال: قد قتل محمد فلنرجع إلى ديننا الأول 79.
فالهم هنا إما أن يكون بمعنى اشتغال النفس بالشيء اشتغالًا يحملهم على الهم، وإما أن يكون أهمتهم بمعنى حملتهم ودعتهم للردة عن الدين. وكلا المعنيين وارد، ولا تعارض بينهما، فقد يكون وقع منهم هذا وذاك، وقد يكون همهم بالارتداد دعاهم إليه انشغالهم بأنفسهم وقلقهم على خلاصها، فتكون الردة سبيل خلاصهم على حسب ظنهم السيئ.
ولعل في معنى ما ورد بعده: {يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} ما يشير إلى القول الثاني، فإن كان معنى هذا القول -ما لنا من الأمر- استفهام إنكاري 80 أي: مالنا من النصر والظهور شيء، فيكونوا أساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وأن الله لا يتم أمر رسوله، وهذه الهزيمة هي القاضية على دينه، فما من محيص سوى الردة عنه.
وقولهم هذا إنكار منهم، وتكذيبٌ بقدر الله، وتسفيهٌ منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم؛ فرد الله عليهم بقوله: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} التي هي أبعد شيء عن مظان القتل {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئًا، بل لابد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة 81.
وإن كنت أميل كما أشرت آنفًا أن كلا المعنيين وارد، ولا تعارض بينهما.
وهذه العقيدة تعلم أصحابها -فيما تعلم- أن ليس لهم في أنفسهم شيء، فهم كلهم لله، وأنهم حين يخرجون للجهاد في سبيله يخرجون له، ويتحركون له، ويقاتلون له، بلا هدفٍ آخر لذواتهم في هذا الجهاد، وأنهم يسلمون أنفسهم لقدره، فيتلقون ما يأتيهم به هذا القدر في رضى وفي تسليم، كائنًا هذا القدر ما يكون. فأما الذين تهمهم أنفسهم، وتصبح محور تفكيرهم وتقديرهم، ومحور اهتمامهم وانشغالهم فهؤلاء لم تكتمل في نفوسهم حقيقة الإيمان 82.