فهرس الكتاب

الصفحة 1051 من 2431

الخمر

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (خمر) تدل على التغطية والمخالطة في ستر 1.

والخَمْرُ: مَا أسكر من عصير العنب أو غيره؛ لأنها خامرت العقل 2.

سمِّيت الخَمْرُ خَمْرًا؛ لأنَّها تُرِكَتْ فاختمرت، واختِمارها: تغيُّر ريحِها. ويقال: سُمِّيَتْ بذلك لمخامرتها العقل 3.

والتَّخْمِير: التّغطِيَةُ 4.

وهذه المعاني الثلاث: التخمر والمخالطة والستر، كلها موجودة في الخمر:

1.فهي تحجب العقل وتستره.

2.وهي تترك حتى تتخمر ويتغير طعمها وريحها.

3.وهي تخالط العقل.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الخمر اصطلاحًا: كل شراب مسكر، من أي أصل، سواء كان من الثمار كالعنب والرطب والتين، أو الحبوب كالحنطة والشعير، أو الطلول كالعسل أو الحيوان كألبان الخيل 5.

وردت مادة (خمر) في القرآن الكريم (7) مرات 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم ... 6 ... (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:90]

جمع خمار ... 1 ... (ں ? ? ?) [النور:31]

ولم تخرج (الخمر) في الاستعمال القرآني عن معناها اللغوي وهو: كل شراب مسكر. والخمر سميت بذلك؛ لأنها تستر العقل 7.

الكأس:

الكأس لغة:

الزجاجة ما دام فيها شراب، ولا تسمى الكأس كأسًا إلا وفيها الشراب، وقيل: الكأس: الشراب بعينه، وقيل: هو اسم للخمر نفسها 8.

الكأس اصطلاحًا:

لا يختلف معنى الكأس اصطلاحًا عن معناه اللغوي.

الصلة بين الكأس والخمر:

الكأس هو القدح الذي يشرب به الخمر إذا كان فيه الخمر، ويطلق على الشراب بعينه.

وقد جاء في القرآن الكريم إطلاق الكأس على الخمر في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الصافات:45] بمعنى الخمر 9.

الشراب:

الشراب لغة:

يقال: شربت الماء أشربه شربًا، والشّرب الاسم، والشّراب: ما يشرب 10.

الشراب اصطلاحًا:

الشراب كل مائع يشرب؛ سواء كان ماءًا أو غير الماء.

الصلة بين الشراب والخمر:

أما الشراب فهو عام في كل ما يشرب، وقد جاء في القرآن الكريم إطلاقه على الخمر في قوله تعالى: (? ? ? ?) [الإنسان:21] أي: خمر الجنة 11.

السكر:

السّكر لغة:

أصل مادة (سكر) تدل على حيرة، من ذلك السُّكر من الشراب 12.

والسَّكْران: خلاف الصاحي، والجمع سَكْرى وَسَكارى 13.

السّكر اصطلاحًا:

وأما السكر: فهو «حالة تعترض بين المرء وعقله. وأكثر ما يستعمل ذلك في شراب المسكر، وقد يعتري من الغضب والعشق» 14.

الصلة بين السّكر والخمر:

كل ما يؤدي إلى السكر فهو خمر، وقد جاء في صحيح مسلم: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (كلّ مسكرٍ خمرٌ، وكلّ مسكرٍ حرامٌ) .

والحديث يفيد أن كل ما أسكر يسمى خمرًا، وأن كل مسكرمحرم، سواء أطلق عليه اسم الخمر، أم أطلق عليه اسم آخر؛ لأن علة التحريم هي الإسكار، فحيثما وجد وجدت الحرمة.

أولًا: كل مسكر خمر:

اختلف في حقيقة الخمر «فقيل هي من عصير العنب خاصة، وهو مذهب أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- والكوفيين، مراعاة لفقه اللغة: أو عام، أي: ما أسكر من عصير كل شيء؛ لأن المدار على السكر وغيبوة العقل، وهو الذي اختاره الجماهير» 15.

وقد تقدم اشتقاقها، ولكن الخلاف في كونها اسمًا لكل مسكر أو للنّيّ المتخذ من العنب والتمر، قال الفيروزآبادي: «والخمر سمّيت لكونها خامرة لمقرّ العقل، وهو عند بعض الناس اسم لكلّ مسكر، وعند بعضهم اسم للمتخذ من العنب والتمر، لما روي عنه صلّى الله عليه وسلم: (الخمر من هاتين الشّجرتين: النّخلة والعنبة) ، ومنهم من جعلها اسمًا لغير المطبوخ، ثم كميّة الطّبخ التي تسقط عنه اسم الخمر مختلف فيها» 16.

وينبني على هذا الخلاف اللغوي مسألة فقهية وهي حكم ما أسكر كثيره ولم يسكر قليله: فإن كان ما يسكر يسمى خمرًا لزم كون القليل منه محرمًا ولو لم يسكر لانطباق اسم الخمر عليه، وإن لم يسم خمرًا لم يحرم قليله؛ لعدم تحقق العلة التي يقاس بسببها على الخمر فيه، قال الجصاص: «وقد اختلف فيما يتناوله اسم الخمر من الأشربة: فقال الجمهور الأعظم من الفقهاء: اسم الخمر في الحقيقة يتناول النّيّ المشتد من ماء العنب، وزعم فريق من أهل المدينة ومالك والشافعي أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فهو خمر» ثم شرع يحتج لقول الحنفية وينتصر له 17.

وقد خرج القرطبي من هذا الخلاف اللغوي باستدلال ذكي فقال: «والخمر: ماء العنب الذي غلى أو طبخ، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه؛ لأن إجماع العلماء أن القمار كله حرام. وإنما ذكر الميسر من بينه فجعل كله قياسًا على الميسر، والميسر إنما كان قمارًا في الجزر خاصة، فكذلك كل ما كان كالخمر فهو بمنزلتها» 18. ومفهوم قوله أن إجماع الناس على تحريم جميع أنواع القمار مع دلالة الميسر على نوع خاص منها فقط، يستلزم إجماعهم على تحريم كل المسكرات وأن حكم جميعها واحد ولو دل اسم الخمر على نوع خاص منها فقط. قال: «والجمهور من الأمة على أن ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فمحرم قليله وكثيره، والحد في ذلك واجب. وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال، وإذا سكر منه أحد دون أن يتعمد الوصول إلى حد السكر فلا حد عليه، وهذا ضعيف يرده النظر والخبر» 19.

والخبر الذي ذكره القرطبي جملة أحاديث منها ما روى البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة، قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع، فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام) 20.

وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب، لم يشربها في الآخرة) 21.

وفي صحيح البخاري أيضًا عن أنس قال: (حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد -يعني: بالمدينة- خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خمرنا البسر والتمر) 22.

وعن ابن عمر قال: سمعت عمر رضي الله عنه على منبر النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أما بعد، أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة من: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل) 23.

قال ابن حجر: «هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد والأبواب في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكم الرفع؛ لأنه خبر صحابي شهد التنزيل أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم فلم ينقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة: (? ? ? ? ? پ) إلى آخرها، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتخذ من العنب بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي فإنه يدل على أن الصحابة فهموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب أم من غيرها، وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحًا.

فأخرج أصحاب السنن الأربعة 24 وصححه ابن حبان من وجهين عن الشعبي أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة وإني أنهاكم عن كل مسكر) . ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبي عن النعمان بلفظ: (إن من العنب خمرًا وإن من التمر خمرًا وإن من العسل خمرًا وإن من البر خمرًا وإن من الشعير خمرًا) ... ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: (الخمر من العنب والتمر والعسل) ، ولأحمد من حديث أنس بسند صحيح عنه قال: (الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة) » 25.

وللبخاري أيضًا عن أنس قال: (كنت قائمًا على الحي أسقيهم، عمومتي وأنا أصغرهم، الفضيخ، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: أكفئها، فكفأتها) قلت لأنس: ما شرابهم؟ قال: (رطب وبسر) فقال أبو بكر بن أنس: وكانت خمرهم، فلم ينكر أنس وحدثني بعض أصحابي: أنه سمع أنس بن مالك يقول: (كانت خمرهم يومئذ) 26.

ومن وجه آخر عنه قال: (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديًا فنادى، فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت، قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي:(ألا إن الخمر قد حرمت) ، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال: فجرت في سكك المدينة، قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ، فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم، قال: فأنزل الله: (? ? ژ ژ ڑ ڑ ک) [المائدة:93] ) 27.

قال القرطبي: «هذا الحديث في نزول الآية فيه دليل واضح على أن نبيذ التمر إذا أسكر خمر، وهو نص ولا يجوز الاعتراض عليه؛ لأن الصحابة رحمهم الله هم أهل اللسان، وقد عقلوا أن شرابهم ذلك خمر؛ إذ لم يكن لهم شراب ذلك الوقت بالمدينة غيره.

ومن الدليل الواضح على ذلك ما رواه النسائي: أخبرنا القاسم بن زكريا، أخبرنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر عن النبي صلى اله عليه وسلم قال: (الزبيب والتمر هو الخمر) . وثبت بالنقل الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وحسبك به عالمًا باللسان والشرع- خطب على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا أيها الناس، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل) . وهذا أبين ما يكون في معنى الخمر، يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة، وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا ما ذكرناه. وإذا ثبت هذا بطل مذهب أبي حنيفة والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر، وإنما يسمى نبيذًا» 28.

وقال ابن العربي: «والصحيح ما روى الأئمة أن أنسًا قال: (حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرها البسر والتمر) . خرجه البخاري، واتفق الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب؛ وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ، فكسروا دنانهم، وبادروا الامتثال لاعتقادهم أن ذلك كله خمر. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه قال على المنبر: (إن تحريم الخمر نزل، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير) . والخمر ما خامر العقل» 29.

قال: «وتعلق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة ذكرناها في شرح الحديث، ومسائل الخلاف فلا يلتفت إليها» 30.

وقد رويت أحاديث صريحة في تحريم قليل ما يسكر كثيره: فعن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره، فقليله حرام) 31.

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام) 32، وفي رواية للترمذي: (الحسوة منه حرام) 33.

ثانيًا: نجاسة الخمر:

نصت آية سورة المائدة على أن الخمر رجس: (? ? ? ? ? پ پ پ پ) .

و «الرجس هو الذي يلزم اجتنابه إما لنجاسته وإما لقبح ما يفعل به عبادة أو تعظيم، لأنه يقال: رجس نجس، فيراد بالرجس: النجس ويتبع أحدهما الآخر كقولهم: حسن بسن وعطشان نطشان وما جرى مجرى ذلك» 34.

والرجس: هو «النجس، وقد روي في صحيح حديث الاستنجاء (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ركس) 35، أي: نجس. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجس النجس، الخبيث المخبث) » 36.

وأخذ من إطلاق الرجس عليها الحكم بنجاستها عند جمهور الفقهاء، قال الخازن: «الخمر وما يلحق بها نجسة العين، ويدل على نجاستها قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) [المائدة:90] .

والرجس في اللغة: النجس والشيء المستقذر، وقوله تعالى: (?) فأمر باجتنابها فكانت نجسة العين» 37.

والقول بنجاستها هو الذي عليه عامة الفقهاء إجراء لظاهر الآية «ولا خلاف في ذلك بين الناس إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال: إنها محرمة، وهي طاهرة، كالحرير عند مالك محرم، مع أنه طاهر. ويعضد ذلك من طريق المعنى أن تمام تحريمها وكمال الردع عنها الحكم بنجاستها حتى يتقذرها العبد، فيكف عنها، قربانًا بالنجاسة وشربًا بالتحريم، فالحكم بنجاستها يوجب التحريم» 38.

وقد ذهبت طائفة من الفقهاء إلى طهارة عينها مع كونها محرمة مستدلين على ذلك بإراقتها في طرقات المدينة كما نص على ذلك القرطبي، قال: «فهم الجمهور من تحريم الخمر، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها، والأمر باجتنابها، الحكم بنجاستها. وخالفهم في ذلك ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين فرأوا أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شربها. وقد استدل سعيد بن الحداد القروي على طهارتها بسفكها في طرق المدينة، قال: ولو كانت نجسة لما فعل ذلك الصحابة رضوان الله عليهم، ولنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه كما نهى عن التخلي في الطرق» 39.

وأجاب القرطبي عن ذلك بأن الطرقات كانت واسعة وأنه كان يمكن التحرز منها، قال: «والجواب: أن الصحابة فعلت ذلك؛ لأنه لم يكن لهم سروب ولا آبار يريقونها فيها، إذ الغالب من أحوالهم أنهم لم يكن لهم كنف في بيوتهم. وقالت عائشة رضي الله عنها إنهم كانوا يتقذرون من اتخاذ الكنف في البيوت، ونقلها إلى خارج المدينة فيه كلفة ومشقة، ويلزم منه تأخير ما وجب على الفور. وأيضًا فإنه يمكن التحرز منها، فإن طرق المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر من الكثرة بحيث تصير نهرًا يعم الطريق كلها، بل إنما جرت في مواضع يسيرة يمكن التحرز عنها، هذا مع ما يحصل في ذلك من فائدة شهرة إراقتها في طرق المدينة، ليشيع العمل على مقتضى تحريمها من إتلافها، وأنه لا ينتفع بها، وتتابع الناس وتوافقوا على ذلك. والله أعلم» 40.

ثالثًا: حكمة اقتران الخمر بأعمال الجاهلية:

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:90 - 91] .

فقرنت الآية بين الخمر والميسر وبين الأنصاب والأزلام وجعلت جميعها رجسًا من عمل الشيطان.

وقد ذكرت الأنصاب والأزلام في مطلع السورة نفسها في قوله سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [المائدة:3] .

والنصب جمع نصب: وهو «حجر كان ينصب فيعبد، ويقال: هو النصب، وهو حجر ينصب بين يدي الصنم تصب عليه دماء الذبائح للأصنام» 41.

وقيل: جمعٌ «واحده نصاب كحمار وحمر. وقيل: هو اسم مفرد والجمع أنصاب، وكانت ثلاثمائة وستين حجرًا» 42.

وهذه الأنصاب غير الأصنام؛ لأنها حجارة غير مصورة، «قال ابن جريج: النصب ليست بأصنام، الصنم يصوّر وينقش، وهذه حجارة تنصب، ثلاثمائة وستون حجرًا، منهم من يقول: ثلاثمائة منها لخزاعة، فكانوا إذا ذبحوا نضحوا الدم على ما أقبل من البيت وشرّحوا اللحم وجعلوه على الحجارة. فقال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحقّ أن نعظمه! فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكره ذلك، فأنزل الله: (? ? ? ? ? ?) [الحج:37] » 43.

ويرى القرطبي أن النهي متوجه إلى تعظيمها لا إلى الذبح عليها، قال: «المعنى: والنية فيها تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز» 44.

ويرى ابن كثير أن صورة الذبح عليها نفسها تجعل الذبيحة محرمة، قال: «فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله. وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله» 45.

وليس هذا موضع بسط هذه المسألة، ولكن المقصود معرفة أن هذه الأنصاب قد ارتبطت بعمل من أعمال الشرك كان في الجاهلية، ثم قرنها القرآن الكريم بالخمر والميسر.

وأما الاستقسام بالأزلام المنصوص عليه في قوله سبحانه: (? ? ?) فمعناه أن «تطلبوا علم ما قسم لكم من الخير والشر بالأزلام، قال المفسرون: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، أو غزوًا، أو تجارةً، أو غير ذلك طلب من الأزلام، وهي قداح كانت في الكعبة عند سدنة البيت مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، فإن خرج السهم الآمر مضى لحاجته، وإن خرج السهم الناهي لم يمض، وواحد الأزلام: زلم وزلم» 46.

والمتأمل للآية التي استقر بعد نزولها الحكم على تحريم الخمر يلاحظ أنها لم تكتف بالأمر باجتنابها الدال على تحريمها، ولكنها عددت مفاسدها فقرنتها بأمور من الجاهلية قريبة من الشرك، ونصت على أنها من عمل الشيطان، وقررت أن في اجتنابها الفلاح، وذكرت أنها توقع العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة.

وعليه ففي اقترانها بأعمال الجاهلية التي هي من مظاهر الشرك تخويف للمؤمن من الشرك ومن مظاهر الجاهلية، فتحريم الخمر والميسر هو المقصود الأساس في الآية، وذكر الأنصاب والأزلام التي تقدم النص عليها معها تأكيد لهذه الحرمة «والمقصود نهيهم عن الخمر والميسر وإظهار أن هذه الأربعة متقاربة في القبح والمفسدة، فلما كان المقصود من هذه الآية النهي عن الخمر والميسر وإنما ضم الأنصاب والأزلام إلى الخمر والميسر تأكيدًا لقبح الخمر والميسر، لا جرم أفردهما في آخر الآية بالذكر» 47.

وفي ذلك زيادة تأكيد لهذه الحرمة، قال ابن عاشور: «ذكر الأنصاب والأزلام مع الخمر والميسر مقصود منه تأكيد التحريم للخمر والميسر» 48.

ويرى البقاعي أن الآية قد جمعت بين أسباب الضرر في الدين والدنيا، قال: «ونبههم على ما يريد العدو بهم من الشر بقوله تعالى: (? ?) وهي كل ما أسكر سواء فيه قليله وكثيره، وأضاف إليها ما واخاها في الضرر دينًا ودنيا وفي كونه سببًا للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيدًا لتحريم الخمر بالتنبيه على أن الكل من أفعال الجاهلية، فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب والمعتمد على الأزلام» 49.

كما يرى أن في ترتيبها في الآية ترق من المفسدة الأدنى إلى المفسدة الأعلى، قال: «وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في الحمل على إتلاف المال، قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار، ولما كان الميسر مفسدة المال، قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب، ولما كان تعظيم الأنصاب شركًا جليًّا إن عبدت، وخفيًّا إن ذبح عليها دون عبادة، قرن بها نوعًا من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام: ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة على أتم وجه» 50.

وقد يلحظ وجه آخر: وهو أن واقع الناس يشهد باقتران الخمر بالميسر كما تقدم، وقد كانت الأزلام أدوات للميسر: «قال مجاهد في قوله: (? ? ?) قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها» 51.

وهذه الأزلام كانت موضوعة في الكعبة حيث الأصنام والأنصاب. غير أن ابن كثير استشكل قول مجاهد، ثم افترض له تأويلًا، فقال: «وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه وتعالى قد فرق بين هذه وبين القمار وهو الميسر، فقال في آخر السورة: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) ، وهكذا قال هاهنا: (? ? ? ?) أي: تعاطيه فسق وغي وضلال وجهالة وشرك» 52.

التدرج في تشريع حكم الخمر

مع أن حكم الخمر قد استقر على التحريم إلا أن الحكم لم يشرع في فترة مبكرة، ولا نزل الحكم مرة واحدة، «قال بعض المفسرين: إن الله تعالى لم يدع شيئًا من الكرامة والبر إلا أعطاه هذه الأمة، ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر.

وهذه الآية -آية البقرة- أول ما نزل في أمر الخمر، ثم بعده: (ہ ہ ہ ہ ھ) [النساء:43] ، ثم قوله: (? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) ثم قوله: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) » 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت