فهرس الكتاب

الصفحة 221 من 2431

وصف الله تبارك وتعالى أتباع المسيح عليه السلام الذين أقاموا دينه واتبعوه ولم يحرفوا ولم يغيروا ولم يبدلوا بصفات عظيمة فيها إشادة وإكبار، وسماهم الحواريين، فقال تعالى: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 52 - 53] .

أولًا: معنى الحواريين:

وفي معنى الحواريين أقوال:

أحدها: أنهم الخواص الأصفياء، وقال صلى الله عليه وسلم للزبير: (إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي) 77، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم.

والثاني: أنهم البيض الثياب، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنهم سموا بذلك؛ لبياض ثيابهم، وعلى هذا فالحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، وقيل: لأن قلوبهم كانت نقيةً طاهرةً من كل نفاقٍ وريبةٍ فسموا بذلك مدحًا لهم، وإشارةً إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال: فلانٌ نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيدًا عن الأفعال الذميمة، وفلانٌ دنس الثياب: إذا كان مقدمًا على ما لا ينبغي.

والثالث: أنهم القصارون، سموا بذلك؛ لأنهم كانوا يحورون الثياب، أي: يبيضونها، وهو كالذي قبله مبني على أن الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، وإذا عرفت أصل هذا اللفظ فقد صار بعرف الاستعمال دليلًا على خواص الرجل وبطانته، قال الضحاك: مر عيسى عليه السلام بقومٍ من الذين كانوا يغسلون الثياب، فدعاهم إلى الإيمان فآمنوا، والذي يغسل الثياب يسمى بلغة النبط هواري، وهو القصار، فعربت هذه اللفظة فصارت حواري.

والرابع: المجاهدون.

والخامس: الصيادون، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. فقد روي أنه عليه السلام مر بهم وهم يصطادون السمك، فقال لهم: «تعالوا نصطاد الناس» قالوا: من أنت؟ قال: «أنا عيسى ابن مريم، عبد الله ورسوله» فطلبوا منه المعجز على ما قال، فلما أظهر المعجز آمنوا به، فهم الحواريون.

والسادس: الحواريون: الملوك.

والسابع: أنهم المنيرة وجوههم، قال ابن المبارك: الحوار، ونسبوا إليه لما كان في وجوههم من سيما العبادة ونورها. وقال تاج القراء: الحواري: الصديق» 78.

والثامن: الحواري: الناصر، قال ابن كثير: «والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير [ثم ندبهم فانتدب الزبير] . فقال: (إن لكل نبيٍ حواريًا وحواريي الزبير) » 79.

وقال ابن عاشور: «والحواريون: لقبٌ لأصحاب عيسى، عليه السلام: الذين آمنوا به ولازموه، وهو اسمٌ معربٌ من النبطية ومفرده حواريٌ، قاله في الإتقان عن ابن حاتمٍ عن الضحاك، ولكنه ادعى أن معناه الغسال أي: غسال الثياب، وفسره علماء العربية بأنه من يكون من خاصة من يضاف هو إليه ومن قرابته، وغلب على أصحاب عيسى، وقد أكثر المفسرون وأهل اللغة في احتمالات اشتقاقه واختلاف معناه، وكل ذلك إلصاقٌ بالكلمات التي فيها حروف الحاء والواو والراء لا يصح منه شيءٌ، والحواريون اثنا عشر رجلًا وهم: سمعان بطرس، وأخوه أندراوس، ويوحنا بن زبدي، وأخوه يعقوب- وهؤلاء كلهم صيادو سمكٍ- ومتى العشار وتوما وفيليبس، وبرثو لماوس، ويعقوب بن حلفي، ولباوس، وسمعان القانوي، ويهوذا الأسخريوطي» 80.

ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأنهم كانوا حائزين على كل هذه الصفات، فهم الأتباع المخلصون للمسيح، وهم بيض القلوب والثياب، منيرة وجوههم، ناصرون لربهم ونبيهم.

«قال القفال: ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك، وبعضهم من صيادي السمك، وبعضهم من القصارين، والكل سموا بالحواريين؛ لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام، وأعوانه، والمخلصين في محبته، وطاعته، وخدمته» 81.

ثانيًا: صفات الحواريين:

من صفات هؤلاء الحواريين أتباع المسيح عليه السلام التي وصفهم الله تعالى بها:

الصفة الأولى: أنهم أنصار الله.

وقد جاء ذلك في قوله تعالى في أكثر من موضع من كتابه: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [آل عمران: 52] ، [الصف: 14] .

قال الطبري: «فلما وجد عيسى من بني إسرائيل الذين أرسله الله إليهم جحودًا لنبوته، وتكذيبًا لقوله، وصدًا عما دعاهم إليه من أمر الله، قال: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} ؟، يعني بذلك: قال عيسى: من أعواني على المكذبين بحجة الله، والمولين عن دينه، والجاحدين نبوة نبيه، {إِلَى اللَّهِ} عز وجل؟ ويعني بقوله: {إِلَى اللَّهِ} ، مع الله» 82.

وفي سبب استنصاره بالحواريين قال ابن الجوزي: «واختلفوا في سبب استنصاره بالحواريين، فقال مجاهد: لما كفر به قومه، وأرادوا قتله، استنصر الحواريين. وقال غيره: لما كفر به قومه، وأخرجوه من قريتهم، استنصر الحواريين. وقيل: استنصرهم؛ لإقامة الحق، وإظهار الحجة» 83.

قال ابن كثير: «والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: (من رجل يئويني على أن أبلغ كلام ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي) حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انتدب له طائفةٌ من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا الذي أنزل معه، ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} » 84.

قال الرازي: «والمراد من قوله تعالى {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أي: نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه؛ لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محالٌ، فالمراد منه ما ذكرناه» 85.

وقد بلغ من منزلة الحواريين أتباع المسيح عليه السلام في نصرتهم وإخلاصهم وصدقهم في ذلك أن الله تعالى خاطب المؤمنين من هذه الأمة بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [الصف: 14] .

«يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله، كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} ؟ أي: معيني في الدعوة إلى الله عز وجل؟ {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} -وهم أتباع عيسى عليه السلام: {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} أي: نحن أنصارك على ما أرسلت به وموازروك على ذلك؛ ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإسرائيليين واليونانيين. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في أيام الحج: (من رجلٌ يئويني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي) حتى قيض الله عز وجل له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه وفوا له بما عاهدوا الله عليه؛ ولهذا سماهم الله ورسوله: الأنصار، وصار ذلك علمًا عليهم، رضي الله عنهم وأرضاهم» 86.

«والتشبيه بدعوة عيسى ابن مريم للحواريين وجواب الحواريين تشبيه تمثيلٍ، أي كونوا عندما يدعوكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى نصر الله كحالة قول عيسى ابن مريم للحواريين واستجابتهم له، والتشبيه لقصد التنظير والتأسي، فقد صدق الحواريون وعدهم وثبتوا على الدين، ولم تزعزعهم الفتن والتعذيب» 87.

الصفة الثانية: أنهم مؤمنون مسلمون.

أما قوله تعالى: {آمَنَّا بِاللَّهِ} فهذا يجري مجرى ذكر العلة، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله، لأجل أنا آمنا بالله، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله، والذب عن أوليائه، والمحاربة مع أعدائه، ثم قالوا: {وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وذلك؛ لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم، إشهادٌ لله تعالى أيضًا، ثم فيه قولان:

الأول: المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك، والذب عنك، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه.

الثاني: أن ذلك إقرارٌ منهم بأن دينهم الإسلام، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم 88.

وقد جاء ذكر الحواريين أيضًا مقرونا بإقرارهم بالإيمان والإشهاد عليه، قال تعالى: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ} [المائدة: 111] .

وقد جاءت هذه الآية في معرض ذكر الله عز وجل لنعمه على عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، «أي: واذكر نعمتي عليك حين ألهمت الحواريين أن يؤمنوا بك، وقد كذبك جمهور بني إسرائيل، فجعلتهم أنصارًا لك يؤيدون حجتك وينشرون دعوتك. والوحي في أصل اللغة: الإشارة السريعة الخفية، أو الإعلام بالشيء بسرعةٍ وخفاءٍ» 89.

وفي المراد بالوحي إلى الحواريين في هذه الآية قال ابن عطية: «وبالجملة فهو إلقاء معنى في خفاء، أوصله تعالى إلى نفوسهم كيف شاء» 90.

«وهذا الإيحاء إلى الحواريين هو من نعم الله على عيسى بأن جعل له أتباعًا يصدقونه ويعملون بما جاء به» 91.

«وإنما ذكر هذا في معرض تعديد النعم؛ لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس محبوبًا في قلوبهم من أعظم نعم الله على الإنسان» 92.

«وقد حكى الله عنهم هنا أنهم قالوا: آمنا، أي: بالله ورسوله عيسى عليه السلام، وأشهدوا الله على أنفسهم أنهم مسلمون أي: مخلصون في إيمانهم، مذعنون لما يترتب عليه من الأمر والنهي» 93.

«وقول الحواريين، {وَاشْهَدْ} يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله تعالى، ويحتمل أن يكون لعيسى عليه السلام» 94.

«وذكر تعالى أنه لما ألقى ذلك الوحي في قلوبهم، آمنوا وأسلموا، وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام؛ لأن الإيمان صفة القلب والإسلام عبارةٌ عن الانقياد والخضوع في الظاهر، يعني: آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم» 95.

«وسمى إيمانهم إسلامًا؛ لأنه كان تصديقًا راسخًا قد ارتفعوا به عن مرتبة إيمان عامة من آمن بالمسيح غيرهم، فكانوا مماثلين لإيمان عيسى، وهو إيمان الأنبياء والصديقين» 96.

الصفة الثالثة: أنهم متبعون لرسولهم.

ويدل عليه «ما حكاه القرآن من قولهم: {رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53] .

وذلك أن القوم آمنوا بالله حين قالوا: في الآية المتقدمة آمنا بالله، ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا: آمنا بما أنزلت، وآمنوا برسول الله حيث قالوا: واتبعنا الرسول، فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب، فقالوا {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضلٌ يزيد على فضل الحواريين، ويفضل على درجته؛ لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة» 97.

الصفة الرابعة: أنهم قريبون من المؤمنين.

وقد دل عليها قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} [المائدة: 82] .

وقد اختلف فيمن نزلت فيهم هذه الآية على أقوال:

الأول: أنها نزلت في النجاشي ملك الحبشة وأصحابٍ له أسلموا معه.

قال عطاء: هم ناس من الحبشة آمنوا، إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين 98.

قال أبو حيان: «قيل: هو النجاشي وأصحابه تلا عليهم جعفر بن أبي طالبٍ حين هاجر إلى الحبشة سورة مريم فآمنوا وفاضت أعينهم من الدمع 99.

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالبٍ بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم.

قال ابن كثير: وهذا القول فيه نظرٌ؛ لأن هذه الآية مدنيةٌ، وقصة جعفرٍ مع النجاشي قبل الهجرة 100.

الثاني: قيل: إن هذه الآية والتي بعدها نزلت في نفرٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى الحبشة، فلما سمعوا القرآن أسلموا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم 101.

وقال سعيد بن جبير: بعث النجاشي قومًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلموا، فنزلت فيهم هذه الآية والتي بعدها 102.

قال أبو حيان: «وقيل: هم وفد النجاشي مع جعفرٍ إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا سبعين بعثهم إلى الرسول عليهم ثياب الصوف، اثنان وستون من الحبشة، وثمانيةٌ من الشام، وهم بحير الراهب، وإدريس، وأشرف، وثمامة، وقثم، ودريدٌ، وأيمن، فقرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم يس، فبكوا وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله فيهم هذه الآية» 103.

وقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما: نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسمعوا كلامه، ويروا صفاته، فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه .. ثم اختلف في عدة هذا الوفد، فقيل: اثنا عشر، سبعة قساوسةٍ وخمسة رهابين. وقيل بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضعٌ وستون. وقيل: سبعون رجلًا. فالله أعلم 104.

الثالث: روي عن مقاتلٍ والكلبي أنهم كانوا أربعين من بني الحارث بن كعبٍ من نجران، واثنين وثمانين من الحبشة، وثمانيةً وستين من الشام 105.

وقال قتادة: هم قومٌ كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا 106.

قال ابن الجوزي: «فأما الذين قالوا: إنا نصارى، فهل هذا عام في كل النصارى أم خاص؟ فيه قولان:

أحدهما: أنه خاص، ثم فيه قولان:

أحدهما: أنه أراد النجاشي وأصحابه لما أسلموا، قاله ابن عباس وابن جبير.

والثاني: أنهم قوم من النصارى كانوا متمسكين بشريعة عيسى، فلما جاء محمد عليه السلام أسلموا، قاله قتادة.

والقول الثاني: أنه عام. قال الزجاج: يجوز أن يراد به النصارى؛ لأنهم كانوا أقل مظاهرةً للمشركين من اليهود» 107.

قال أبو جعفر الطبري: «والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: إنا نصارى، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم يجدهم أقرب الناس ودادًا لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم، وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه» 108.

ومعنى قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} «أي: هم ألين عريكةً وأقرب ودًا، ولم يصفهم بالود؛ إنما جعلهم أقرب من اليهود والمشركين، وهي أمةٌ لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكرها عمرو بن العاص في صحيح مسلمٍ، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه دينًا وإيمانًا، ويبغضون أهل الفسق، فإذا سالموا فسلمهم صافٍ، وإذا حاربوا فحربهم مدافعةٌ؛ لأن شرعهم لا يأمرهم بذلك، وحين غلب الروم فارس سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلبة أهل الكتاب لأهل عبادة النار، ولإهلاك العدو الأكبر بالعدو الأصغر؛ إذ كان مخوفًا على أهل الإسلام، واليهود ليسوا على شيءٍ من أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث واللي بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يترقب ما يغتالك به، ألا ترى إلى ما حكى تعالى عنهم ذلك بأنهم قالوا: ليس علينا في الأميين سبيلٌ ...

وظاهر الآية يدل على أن النصارى أصلح حالًا من اليهود وأقرب إلى المؤمنين مودةً، وعلى هذا الظاهر فسر الآية من وقفنا على كلامه، وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق، والدخول في الإسلام سريعًا، وليس الكلام واردًا بسبب العقائد، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين» 109.

وقال ابن كثير: «وقوله: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودةٌ للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً} [الحديد: 27] . وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعًا في ملتهم» 110.

وقال ابن عطية: «وفي قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} إشارةٌ إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية، بل كونهم نصارى قول منهم وزعم» 111.

قال الشيخ محمد رشيد رضا: «لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم كتب الدعوة الإسلامية إلى الملوك ورؤساء الشعوب، كان النصارى منهم أحسنهم ردًا؛ فهرقل ملك الروم في الشام حاول إقناع رعيته بقبول الإسلام، فلما لم يقبلوا لجمودهم على التقليد، وعدم فقههم حقيقة الدين الجديد، اكتفى بالرد الحسن.

والمقوقس عظيم القبط في مصر كان أحسن منه ردًا، وإن لم يكن أكثر إلى الإسلام ميلًا، وأرسل للنبي صلى الله عليه وسلم هديةً حسنةً.

ثم لما فتحت مصر والشام عرف أهلها مزية الإسلام، دخلوا في دين الله أفواجًا، وكان القبط أسرع له قبولًا» 112.

الصفة الخامسة: الخشية والانقطاع للعبادة.

«ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهادًا ومتواضعين، وسريعي استجابةٍ للإسلام، وكثيري بكاءٍ عند سماع القرآن، واليهود بخلاف ذلك، والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين وبعد اليهود، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} [المائدة: 82] .

أي: يوجد فيهم القسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم: قسيسٌ وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوسٍ-والرهبان: جمع راهبٍ، وهو: العابد. مشتقٌ من الرهبة، وهي الخوف، كراكبٍ وركبانٍ، وفارسٍ وفرسانٍ» 113.

«وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا} معناه: ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على هدى، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية» 114.

قال الشيخ رشيد رضا: «أي: ذلك الذي ذكر من كون النصارى أقرب مودةً للذين آمنوا بسبب أن منهم {قِسِّيسِينَ} يتولون تعليمهم وتربيتهم الدينية، {وَرُهْبَانًا} يمثلون فيهم الزهد، وترك نعيم الدنيا، والخوف من الله عز وجل، والانقطاع لعبادته، وأنهم لا يستكبرون عن الإذعان للحق إذا ظهر لهم أنه الحق،؛ لأنه أشهر آداب دينهم التواضع والتذلل، وقبول كل سلطةٍ والخضوع لكل حاكمٍ.

بل من المشهور فيها: الأمر بمحبة الأعداء، وإدارة الخد الأيسر لمن ضرب الخد الأيمن.

فتداول هذه الوصايا ووجود أولئك القسيسين والرهبان، لا بد أن يؤثر في نفوس جمهور الأمة وسوادها، فيضعف صفة الاستكبار عن قبول الحق فيها، وقد عهد من النصارى قبول سلطة المخالف لهم طوعًا واختيارًا، والرضاء بها سرًا وجهارًا» 115.

«فإن قيل: كيف مدحهم الله تعالى بذلك مع قوله {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} [الحديد: 27] .

وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا رهبانية في الإسلام) قلنا: إن ذلك صار ممدوحًا في مقابلة طريقة اليهود في القساوة والغلظة، ولا يلزم من هذا القدر كونه ممدوحًا على الإطلاق» 116.

قال ابن عاشور: «وإنما كان وجود القسيسين والرهبان بينهم سببًا في اقتراب مودتهم من المؤمنين لما هو معروفٌ بين العرب من حسن أخلاق القسيسين والرهبان وتواضعهم وتسامحهم. وكانوا منتشرين في جهاتٍ كثيرةٍ من بلاد العرب يعمرون الأديرة والصوامع والبيع، وأكثرهم من عرب الشام الذين بلغتهم دعوة النصرانية على طريق الروم، فقد عرفهم العرب بالزهد ومسالمة الناس» 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت