فهرس الكتاب

الصفحة 1985 من 2431

ويقول عز وجل في سياق الحديث عن عذابهم في سورة الحجر: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ} أي: وقت الشروق، وفي ذلك مباغتةٌ لهم، بين المولى عز وجل صنفا آخر من صنوف العذاب التي حقت بهم وهي صيحة مدوية مزعجة كالرعد القاصف.

وخلاصة ما سبق ذكره: أن قوم لوط عذبوا بأنواع شتى من العذاب طمست أعينهم، وقلبت قراهم وأمطروا بحجارة من سجيل منضود، كما أخذوا بالصيحة المخيفة المرعبة التي تدوي في الآذان فيهتز منها الكيان ويشيب من هولها الولدان.

قال الإمام ابن تيمية «وعذب قوم لوط بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم، فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة من السماء وطمس الأبصار وقلب الديار بأن جعل عاليها سافلها» 39.

وقال الإمام ابن القيم «جمع الله أنواع العقوبات بين الإهلاك وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم ورجمهم بالحجارة من السماء فنكل بهم نكالا لم ينكله بأمة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها حين تعمل عليها» 40.

لقد صموا آذانهم وأعموا أبصارهم عن صوت الحق ونوره، واختلطت مفاهيمهم وانقلبت موازينهم واستباحوا اللواط وهو أشنع وأفحش من الزنا وأعظم منه جرما وإثما، فعاقبهم الله بطمس أبصارهم التي عمت عن نور الحق، وأخذتهم الصيحة تدوي في آذانهم التي صمت عن الحق، وقلبت قراهم فجعل عاليها سافلها؛ فلقد انقلبت موازينهم واختلطت مفاهيمهم، فاقترفوا تلك الفاحشة وهى إتيانهم الرجال من دون النساء، وفى هذا انقلاب في ميزان الفطرة، واعتبروا الطهر والعفاف إثما وجرما يستحق صاحبه العقاب والطرد {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) } [النمل:56] .

أما الشذوذ والانحراف فهو حق لهم يجاهرون به ويتباهون بفعله ويطالبون به كما يطالب الإنسان بحقه المشروع {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} [هود: 79] .

{وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) } [القمر: 37] .

واستعجلوا وقوع العذاب وكان واجبهم طلب الهداية والنجاة، قال تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) } [العنكبوت: 29] .

فكان حالهم في استعجال العذاب كحال كفار قريش حين قالوا كما أخبر القرآن الكريم {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) } [الأنفال: 32] .

وكان الأولى بكفار قريش أن يقولوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه وحببنا فيه وثبتنا عليه.

ومن مظاهر انقلاب موازين قوم لوط أنهم اعتبروا واجب الضيافة أمرا منكرا يجب اجتنابه فقالوا للوط عليه السلام {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ} ، هو ينهاهم عن الفحشاء والمنكر وما فيها من إهانةٍ وهم ينهونه عن البر والخير وإكرام الضيف.

لم يراعوا حق الضيافة ولا حرمة الضيف بل هرعوا إلى بيت لوط وراودوه عن ضيفه، وبسبب هذه الأفعال المنكرة التي تدل على انقلاب موازينهم واختلاط المفاهيم عندهم استحقوا العذاب الأليم المهين، حيث قلبت قراهم فأصبح عاليها سافلها، ورجموا بالحجارة وأخذوا بالصيحة، أصناف مختلفة من العذاب لتنوع جرائمهم وكثرة مفاسدهم وذنوبهم.

لقد حل بقوم لوط أشد وأنكى صنوف العذاب بسبب كفرهم وفسقهم وفى ذلك عبرة لمن يعتبر قال تعالى بعد أن ذكر ما حل بقوم لوط من العذاب الشديد {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) } [الحجر:75 - 77] .

وقال سبحانه: {وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) } [الصافات:731 - 831] . وقال عز وجل {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) } [هود:82 - 83] .

وفي سورة العنكبوت قال تعالى: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35) } .

وقال تعالى: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) } [الذاريات: 32 - 37] .

بينت الآيات الكريمة مجيء الملائكة لإبراهيم أولًا وإبلاغه بمهمتهم التي وكلوا بها وهي إهلاك قوم لوط، ونجاة لوط ومن آمن به من أهل بيته، وهلاك امرأته مع الهالكين، وتحرج لوط من مجيء الملائكة في صورة بشرية؛ خوفا عليهم من قومه وحين اشتد عليه الأمر أخبروه بحقيقتهم ومهمتهم، حيث حل العذاب على أولئك الفساق، وجعلهم الله عبرة واضحة وموعظة بليغة لكل عاقل.

في قصة لوط عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم الكثير من الدروس المستفادة نذكر منها ما يأتي:

1.جعل الله تعالى قوم لوط عبرة لمن يعتبر، عبرة لكل مكذبٍ عبرة لكل ظالم وفاسق، عبرة لكل مسرف عادٍ، فهذا شعيب عليه السلام يحذر قومه من مصير من سبقهم على طريق الكفر والضلال فيقول كما أخبر القرآن: (وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ? وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ) [هود: 89] . وقد ضرب الله بهم المثل في أمم هالكة وقرون غابرة قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ?12?وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ?13?وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ? كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ?14?) [ق: 12 - 14] . وقال جل وعلا: (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ(42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ? وَكُذِّبَ مُوسَى? فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ? فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ? فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَ?كِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 42 - 46] . وقال تعالى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ (77 ) ) [الحجر:37 - 77] . وقال جل وعلا: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ(137) وَبِاللَّيْلِ ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139 ) ) [الصافات:137 - 139] .

2.درسٌ في التربية والدعوة: إعداد الله تعالى لأنبيائه هؤلاء الأنبياء وهم أعلم الخلق بربهم وأعظمهم خشية له وهم المثل العليا في الأخلاق والآداب والسلوك والتعامل: كيف تربوا؟ وفي أي مدارس تخرجوا؟ إنها تربيةٌ خاصةٌ وإعدادٌ رشيد، فالله تعالى يعده لهذه المهمة الجليلة التي لا يقوم بها ولا ينهض لها إلا رجالٌ من طراز خاصٍ. فهذا لوطٌ عليه السلام يتربى في كنف عمه إبراهيم ويعاين تلك الآية الكبرى كيف ألقي في النار فكانت له بردا وسلامًا.

3.التوحيد هو أساس دعوة جميع الأنبياء، ولقد استهل لوط عليه السلام دعوته بعرض العقيدة الصحيحة الخالصة، عقيدة التوحيد.

4.العقيدة أولًا: بدأ بها لوط لأنها الأساس الذي تقوم عليه المكارم والفضائل، الأصل الذي تقوم عليه القيم والأخلاق. بدأ بالعقيدة قبل أن ينكر على قومه ما هم فيه من الفاحشة والمنكرات، وذلك لأن الطريق إلى الإصلاح المنشود، الإصلاح الاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، لا بد أن يبدأ من إصلاح العقيدة وإخلاص العبادة، فإذا صحت العقيدة ورسخت في قلوب المؤمنين، وخلصت العبادة لله رب العالمين كان الطريق إلى الإصلاح والتغيير طريقا سهلا ممهدا، وبدون العقيدة الصحيحة لن تفلح أي محاولة للإصلاح أو التغيير. فالعقيدة هي الحصن الحصين والأساس المتين والنبراس المبين للدعاة والمصلحين، وفي قول لوط عليه السلام لقومه: (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) [الشعراء:162] بيان لأهمية الأمانة للدعاة، أمانة الكلمة، أمانة النصيحة، أمانة التبليغ.

5.تجرد الأنبياء وإخلاصهم في الدعوة إذ لم يتقاضوا عليها أجرا من البشر، وإنما الأجر كله من الله الذي بعثهم.

6.ضرب لوط عليه السلام أروع الأمثلة في الصبر والثبات على الحق، والحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل والثقة بالله تعالى واليقين بوعده سبحانه الذي لا يتخلف، كما ضرب عليه السلام أروع الأمثلة في إكرام الضيف ورعاية حقوقهم والترحيب بهم حتى في أصعب الأحوال، فلقد استضافهم عليه السلام رغم أن قومه نهوه عن ضيافة الغرباء وحذروه من عاقبة ذلك، وحين هرع قومه إلى بيته وراودوه عن ضيفه نجده يدافع عن ضيفه، ويذود عنهم بكل ما يملك حتى وصل به الأمر إلى عرض بناته على قومه - ليتزوجوا بهن - في مقابل عدم تعرضهم للضيف الكرام وفى هذا درس هام في إكرام الضيف، ولنا في أنبياء الله الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة.

7.في موقف لوط عليه السلام من قومه حين هرعوا إلى بيته وراودوه عن ضيفه، وحاول بكل السبل منعهم، وصدهم حتى ضاقت به السبل فالتفت إلى ضيفه واعتذر لهم، (: قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) في هذا الموقف إشارة إلى أهمية القوة في نصرة الحق وفي نشر الدعوة وفي مواجهة أهل الباطل، فالحق لا بد له من قوة تحميه. ولذلك كان الجهاد في سبيل الله للقضاء على النظم الجاهلية التي تحول دون وصول الحق وتكره الإنسان على عبادة غير الله وتقف للمسلمين بالمرصاد فلا بد إذا من الجهاد لإزالة وإزاحة هذه النظم المتسلطة الجائرة، حتى يكون الطريق ممهدا لدعوة الله، لتجد طريقها إلى القلوب الصادقة والنفوس المتشوقة والعقول المتعطشة لدين الله، دين الحق والرشاد. ولا بد من الجهاد لحماية المؤمنين المستضعفين المضطهدين. قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ? فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?39?) [الأنفال:39] . ولقد حثنا الإسلام على إعداد القوة في مواجهة أعداء الله الذين يصدون عن سبيله ويبغونها عوجا قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ?) [الأنفال: 60] . فالقوة في الإسلام وسيلة لا غاية، وسيلة نبيلة إلى غاية سامية هي إرهاب أعداء الله؛ لأنهم متى استهانوا بالمؤمنين قهروهم. قال تعالى: (إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ?2?) [الممتحنة:2] .

8.ويستفاد من هذه القصة أن الكافر يعاقب على كفره ولا تنفعه قرابته من أهل الإيمان في النسب أو المصاهرة، كما أن المؤمن يثاب على إيمانه ولا يضره قرابته من الكافرين في النسب أو المصاهرة. قال تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ? كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَھ) [التحريم:10] . وامرأة لوط رغم أنها أقرب الناس إليه وأعلمهم بأحواله وأفعاله إلا أنها كذبت به وآثرت ما عليه قومها من الكفر والضلال على ما جاء به لوط عليه السلام من الإيمان والهدى والفلاح والصلاح، فلم تنفعها قرابتها له وقربها منه. قال تعالى: (. فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) [الأعراف: 83] . وقال تعالى (إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا ? إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ) [الحجر: 60] . نجا الله لوط عليه السلام ومن آمن به من أهل بيته وأهلك زوجته، تلك العجوز التي شبت على الكفر وشابت عليه، وكان الأولى بها وقد أصابها الكبر فبدل قوتها ضعفا وهوانا وشبابها شيبا، فكان بلوغها الكبر: من أبلغ النذر، ومن أعظم العبر. ومنطق الحق يقول: إن الإنسان كلما كبر سنه كلما نضج عقله وصفا ذهنه وجادت قريحته وزادت خبرته وفراسته، ولكن امرأة لوط تلك العجوز على النقيض من ذلك فهي ما زادتها أحداث الليالي وتتابع الأعوام إلا غفلة على غفلة وضلالا على ضلال.

9.كما يعاقب الكافر على جميع جرائمه، وفي مقدمتها الكفر وهو أكبر الذنوب، فإنه يعاقب على سائر الذنوب كبيرها وصغيرها. التناسب بين الجريمة والعقاب؛ فقوم لوط كانوا يحذفون عابري السبيل بالحجارة فأيهم أصابه استأثر به واعتدى عليه، وقد انقلبوا وتمردوا على الفطرة السليمة والطبيعة المستقيمة، فصار الشذوذ عندهم معروفا ومألوفا وصارت الفاحشة عندهم حقًا مشروعًا، وصار الطهر والعفاف جريمةً يؤاخذ بها أصحابها، فكان الجزاء من جنس العمل، قلب الله قراهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من جهنم، وسلط عليهم الريح، ترجمهم بالحجارة، وأخذتهم الصيحة وغير ذلك من ألوان العذاب التي كثرت لكثرة جرائمهم.

10.وصف الله لوطا ومن آمن به من أهل بيته بالشكر. قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ) وقد يتساءل البعض ويقول: أي شكرٍ وقد ابتلوا بأرذل قومٍ، قوم لوطٍ الذين جمعوا بين الكفر والفسوق والعصيان والانحلال والتبجح والدناءة وسائر ما يعد من مساوئ الأخلاق؟ لكن أقول: إن أمر المؤمن كله خير فهو بين الصبر والشكر، يحمد الله تعالى على الضراء، كما يحمده على السراء، يشكره تعالى في زمان الفتن وأوقات المحن كما يشكره في سائر الأوقات، يستنشق نسيم النعم ويتذوق حلاوة الهداية ويعتز بالحق ويستعصم بالعفاف والطهر، سيما إذا رأى المجتمع من حوله يتردى في ظلمات الكفر، أو يتمرغ في أوحال الرذيلة، أو يكتوي بلهيب المعاصي، ويتقلب على جمرها الحار، فيحمد الله تعالى على أن هداه وعصمه وطهره ونجاه من حمأة الرذيلة، فيشعر بجنة الرضا وبرد اليقين وحلاوة الإيمان، ولذة الطاعات، فهلاك الظالمين ونجاة المتقين نعمة من الله تعالى تستوجب الشكر.

11.سنن الله تعالى ثابتة لا تتغير فهؤلاء قوم لوط توعدوه بإخراجه من قريته؛ لأنه كان ينكر عليهم عبثهم ومجونهم وقد جاءهم بالحق ولكنهم كانوا كارهين له، ونبينا صلى الله عليه وسلم أخرجه قومه؛ لأنه جاءهم بالتوحيد ومكارم الأخلاق ونقض ما كان عليه أهل الجاهلية من كفر وطغيان، وقد روت عائشة رضي الله عنها في حديث كيف كان بدء الوحي؟: (فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أو مخرجي هم) ، قال: نعم، لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) 41.

12.ذم اللواط وعقوبة فاعله: اللواط من أكبر الفواحش، ومن أفحش الكبائر، وهو مرض خطير وشر مستطير وجرم كبير، عاقبته وخيمة ونهايته مفزعة مفجعة أليمة، وهو شذوذ وانحراف، وفسوق وإسراف وضلال وانحلال، ومذلة للرجال؛ لأنه يقتل فيهم الرجولة والمروءة والشهامة، ويصيروا بارتكابه مخنثين معقدين أذلاء صاغرين، في حالة قلق واضطراب. واللواط مفسدة للنساء؛ إذ ينصرف الرجال عنهن، وقد تلجأ المرأة إلى الزنا لإشباع رغبتها وقد تلجأ إلى السحاق، كما روي أن نساء قوم لوط فعلن ذلك حين انشغل الرجال عنهن بالرجال، فعن حذيفة رضي الله عنه قال: (إنما حق القول على قوم لوط حين اشتغل الرجال بالرجال والنساء بالنساء) 42. واللواط جناية على الفطرة السليمة ومفسدة للشباب، حيث ينصرفون عن الزواج الحلال وينغمسون في أوحال تلك الفاحشة، كما يترتب على اللواط قلة النسل بسبب الانصراف عن الزواج، وبذلك تتقوض أركان الأسرة وينفرط عقد المجتمع وتنهار الحضارات، فاللواط عامل كبير من عوامل الفساد، ومعول ثقيل من معاول الهدم للنفس والمجتمع، وهو سبب أساسي في انتشار كثير من الأمراض الفتاكة المزمنة كالزهري والسيلان والهربس، ومرض الايدز الذي لم يعرف إلا سنة 1981 م، ومن ذلك الحين وحتى وقتنا هذا لم يعرف له علاج رغم التقدم العلمي الكبير.

13.في استئصال قرى قوم لوط إشارة إلى أن المريض بهذا الشذوذ إن لم يتب فلا بديل عن استئصاله من المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت