فهرس الكتاب

الصفحة 1768 من 2431

{وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} أي: والله يعلم ما تضمره القلوب، وتميل إليه من قصد الإفساد أو الإصلاح في هذه المخالطة، وسيحاسبكم على الدقيق والجليل من الأمور، وإنما نبه القلوب إلى ذكر علمه تعالى؛ لتلاحظ ذلك حين العمل، وترقب الجزاء على ما تعمل؛ حتى تأمن الزلل، وتبتعد عن مواطن الشبهة، فشهوة الطمع كثيرًا ما تسول للإنسان أكل مال اليتيم، كما تزين له أكل مال أخيه الضعيف ولا وازع ولا زاجر إلا تقوى الله، ومراقبته في السر والعلن.

فالله مطلع على ضمائركم عالم بما في قلوبكم، وهذا تهديد عظيم، والسبب أن اليتيم لا يمكنه رعاية الغبطة لنفسه، وليس له أحد يراعيها، فكأنه تعالى قال: لما لم يكن له أحد يتكفل بمصالحه فأنا ذلك المتكفل وأنا المطالب لوليه، وقيل: والله يعلم المصلح الذي يلي من أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله، ويعلم المفسد الذي لا يلي من إصلاح أمر اليتيم ما يجوز له بسببه الانتفاع بماله، فاتقوا أن تتناولوا من مال اليتيم شيئًا من غير إصلاح منكم لمالهم» 46.

واليوم نرى بعضًا من الأوصياء على الأيتام يظهرون العفة والزهد في أكل أموالهم، وهم يلتهمونها التهامًا، فتراهم بعد قليل أصبحوا من ذوى الثراء، وأجرهم المفروض ليس فيه الغناء، فلا نرى منهم إلا الفساد والإفساد، دون مراقبة لله في أعمالهم، ومراجعة نفوسهم في أفعالهم، غير ناظرين إلى الوعيد الشديد الذي تقشعر الجلود. وبدأ بالمفسد أولًا؛ ليقع الإمساك عن الإفساد.

وفي الآيات دليل على:

1.جواز أنواع المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه الرخصة، لطف من الله سبحانه وتعالى وإحسان، وتوسعة على المؤمنين، وقد اكتنف هذه المخالطة الإصلاح قبل وبعد، فقبل، بقوله: (پ ? ? ?) [البقرة: 220] . وبعد بقوله: (? ? ? ? ٹٹ) فالأولى أن يراد بالمخالطة ما فيه إصلاح لليتيم بأي طريق كان.

2.النظر في مصالح الأيتام من أهم مقاصد الشريعة.

3.ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء، وتهمة الظن بالإثم، فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاع اليتامى، وليس هذا من شأن المسلمين.

4.لما أذن الله عز وجل في مخالطة الأيتام مع قصد الإصلاح بالنظر إليهم وفيهم، كان ذلك دليلًا على جواز التصرف في مال اليتيم تصرف الوصي في البيع، والقسمة، وغير ذلك على الإطلاق لهذه الآية.

4.إهلاك الحرث والنسل.

من صور الفساد إهلاك الحرث والنسل؛ لأن بهما عمارة الكون وتحقيق خلافة الله في الأرض، وإهلاكهما سبب في تعطيل حكمة الله في الكون، والله لا يحب من هذا صفته وهذا فعله.

والحرث: إلقاء البذر في الأرض وتهيؤها للزرع، والنساء زرع ما فيه بقاء نوع الإنسان، كما أن بالأرض زرع ما به بقاء أشخاصهم 47.

والنسل: الولد؛ لكونه ناسلًا عن أبيه. قال تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205] ، وتناسلوا: توالدوا 48.

ومما ذكره الله في ذكر أسباب الفساد قوله تعالى في صفة المنافق: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205] .

قال مجاهد رحمه الله: «إذا سعى في الأرض إفسادًا منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل. {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} أي: لا يحب من هذه صفته ولا من يصدر منه ذلك» 49.

وقال سيد قطب رحمه الله: «هذا الذي يتناقض ظاهره وباطنه ويتنافر مظهره ومخبره، هذا الذي يتقن الكذب والتمويه والدهان حتى إذا جاء دور العمل ظهر المخبوء، وانكشف المستور، وفضح بما فيه من حقيقة الشر والبغي والحقد والفساد، وإذا انصرف إلى العمل كانت وجهته الشر والفساد في قسوة وجفوة ولدد تتمثل في إهلاك كل حي من الحرث الذي هو موضع الزرع والإنبات والأثمار، ومن النسل الذي هو امتداد الحياة بالأنسال، وإهلاك الحياة على هذا النحو كناية عما يعتمل في كيان هذا المخلوق النكد من الحقد والشر والغدر والفساد مما كان يستره بذلاقة اللسان ونعومة الدهان والتظاهر بالخير والبر والسماحة والصلاح {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} ولا يحب المفسدين الذين ينشئون في الأرض الفساد والله لا تخفى عليه حقيقة هذا الصنف من الناس، ولا يجوز عليه الدهان والطلاء الذي قد يجوز على الناس في الحياة الدنيا فلا يعجبه من هذا الصنف النكد ما يعجب الناس الذين تخدعهم الظواهر وتخفى عليهم السرائر.

إن هذا النموذج تراه حيًا يتحرك، تقول في غير تردد: هذا هو، هذا هو الذي عناه القرآن، وأنت تراه أمامك ماثلًا في الأرض الآن وفي كل آن» 50.

تنوعت الأساليب القرآنية في محاربة الفساد، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي:

أولًا: النهي عن الفساد وإنكاره:

يعتبر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم وسائل دفع الفساد داخل المجتمع، وإذا خلا منه مجتمع عم الفساد، وانتشرت المنكرات، وعم الله المجتمع بالعذاب والهلاك.

ولذلك اهتم القرآن الكريم بهذه القضية، بل جعلها من أهم سمات الخيرية في الأمة الإسلامية.

قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110] .

ومما ذكره القرآن في معرض الحديث عن مقاومة الفساد قوله تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] .

قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله: «جاءت هذه الآية بعد بيان إهلاك الأمم بظلمهم وفسادهم في الأرض للإعلام بأنه لو كان منهم جماعات وأحزاب أولي بقية من الأخلاق والفضائل والقوة في الحق ينهونهم عن ذلك لما فشا فيهم وأفسدهم، وإذن لما هلكوا، فإن الصالحين المصلحين في الأرض هم الذين يحفظ الله بهم الأمم من الهلاك ما داموا يطاعون فيها بحسب سنة الله.

كما أن الأطباء هم الذين يحفظ الله بهم الأمم من فشو الأمراض والأوبئة فيها، ما دامت الجماهير تطيعهم فيما يأمرون به من أسباب الوقاية قبل حدوث المرض، أو من وسائل العلاج والتداوي بعده، فإذا لم يمتثل الجمهور لأمرهم ونهيهم فعل الفساد فعله فيهم، والله لا يحفظ الأمم لذوات الصالحين، وبركة أجسادهم، ولا بعبادتهم الشخصية العائد نفعها عليهم، بل بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وطاعة الأمة لهم» 51.

وقد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرًا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته 52.

«فالأمة التي يقع فيها الفساد بتعبيد الناس لغير الله في صورة من الصور فيجد من ينهض لدفعه هي أمم ناجية، لا يأخذها بالعذاب والتدمير، أما الأمم التي يظلم فيها الظالمون، ويفسد فيها المفسدون، فلا ينهض من يدفع الظلم والفساد، أو يكون فيها من يستنكر ولكنه لا يبلغ أن يؤثر في الواقع الفاسد، فإن سنة الله تحق عليها، إما بهلاك الاستئصال، وإما بهلاك الانحلال والاختلال.

فأصحاب الدعوة إلى ربوبية الله وحده، وتطهير الأرض من الفساد الذي يصيبها بالدينونة لغيره عز وجل، هم صمام الأمان للأمم والشعوب، وهذا يبرز قيمة كفاح المكافحين لإقرار ربوبية الله وحده، الواقفين للظلم والفساد بكل صورة، فهم لا يؤدون واجبهم لربهم ولدينهم فحسب، إنما هم يحولون بهذا دون أممهم وغضب الله، واستحقاق النكال والضياع» 53.

وأمر شعيب عليه السلام قومه بعدم العيث في الأرض مفسدين، وتكرر هذا الأمر في القرآن في ثلاث آيات؛ لأنهم كانوا من أشد الأمم فسادًا في الأرض.

قال تعالى: {وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85] .

وقال عز وجل: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الشعراء: 183] .

وقال عز وجل: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36] .

بخس: البخس النقص بخسه حقه يبخسه بخسًا إذا نقصه، والبخس من الظلم 54.

«نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد وهو السعي فيها والبغي على أهلها وذلك أنهم: كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله» 55.

وبينت الآية: «أن الخيانة في المكيال والميزان مبالغة في الفساد في الأرض» 56.

ولما نهاهم شعيب عن ذلك قالوا له في استهزاء: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87] .

وفي هذه الآية ربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء، وبين العقيدة؛ للدلالة على طبيعة هذا الدين، وتسويته بين العقيدة والشريعة، وبين العبادة والمعاملة، في أنها كلها من مقومات هذا الدين، المرتبطة كلها في كيانه الأصيل.

وقد أمرهم شعيب عليه السلام بثلاثة أمور:

أحدها: إصلاح الاعتقاد، وهو من إصلاح العقول والفكر.

وثالثها: صلاح الأعمال والتصرفات في العالم بأن لا يفسدوا في الأرض.

ووسط بينهما الثاني: وهو شيء من صلاح العمل خص بالنهي؛ لأن إقدامهم عليه كان فاشيًا فيهم حتى نسوا ما فيه من قبح وفساد، وهذا هو الكف عن نقص المكيال والميزان، فابتدأ بالأمر بالتوحيد؛ لأنه أصل الصلاح، ثم أعقبه بالنهي عن مظلمة كانت متفشية فيهم وهي خيانة المكيال والميزان، وهي مفسدة عظيمة؛ لأنها تجمع خصلتي السرقة والغدر 57.

وهذا المنهج ينبغي أن يقتدي به المصلحون في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.

ثانيًا: سنة التدافع:

إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة بدون الأخذ بسنة التدافع إنما يخالفون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله، وإن الذين يؤثرون السلامة والخوف من عناء مدافعة الفساد وأهله، يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم، وأنفسهم وأعراضهم، وأموالهم وهذه ضريبة القعود عن مدافعة الفساد، وإيثار الحياة الدنيا.

قال عز وجل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] .

وقال عز وجل: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40] .

هاتان الآيتان دستور التدافع بين الحق والباطل، وهما يكشفان عن حكمة الله عز وجل العليا في الأرض من تدافع القوى وتنافس الطاقات، وانطلاق السعي في تيار الحياة المتدفق الصاخب الموار، وهنا تكشف على مد البصر ساحة الحياة المترامية الأطراف تموج بالناس، في تدافع وتسابق وزحام إلى الغايات، ومن ورائها تلك اليد الحكيمة المدبرة تمسك بالخيوط جميعًا، وتقود الركب المتزاحم المتصارع المتسابق، إلى الخير والصلاح والنماء.

عن ابن عباس رضي الله عنهما: « {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ} العدو بجنود المسلمين، لغلب المشركون، فقتلوا المؤمنين، وخربوا البلاد والمساجد» 58.

قال الطبري رحمه الله: «ولولا أن الله يدفع ببعض الناس وهم أهل الطاعة له والإيمان به، بعضًا وهم أهل المعصية له، والشرك به لفسدت الأرض، بمعنى: لهلك أهلها بعقوبة الله إياهم، ففسدت بذلك الأرض، ولكن الله تعالى ذو منٍ على خلقه، وطولٍ عليهم بدفعه بالبر من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع عن العاصي منهم» 59.

«لقد كانت الحياة كلها تأسن وتتعفن لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، ولولا أن طبيعة الناس التي فطرهم الله عليها تعارض مصالحهم واتجاهاتهم الظاهرية القريبة؛ لتنطلق الطاقات كلها تتزاحم وتتغالب، وتتدافع، تنفض عنها الكسل والخمول، وتستجيش ما فيها من مكنونات مذخورة، وتظل أبدًا يقظة عاملة، مستنبطة لذخائر الأرض مستخدمة قواها وأسرارها الدفينة.

وفي النهاية يكون الصلاح والخير والنماء، يكون بقيام الجماعة الخيرة المهتدية المتجردة، تعرف الحق الذي بينه الله لها، وتعرف طريقها إليه واضحًا، وتعرف أنها مكلفة بدفع الباطل وإقرار الحق في الأرض، وتعرف أن لا نجاة لها من عذاب الله إلا أن تنهض بهذا الدور النبيل، وإلا أن تحتمل في سبيله ما تحتمل في الأرض طاعة لله وابتغاء لرضاه، وهنا يمضي الله أمره، وينفذ قدره، ويجعل كلمة الحق والخير والصلاح هي العليا، ويجعل حصيلة الصراع والتنافس والتدافع في يد القوة الخيرة البانية، التي استجاش الصراع أنبل ما فيها وأكرمه، وأبلغها أقصى درجات الكمال المقدر لها في الحياة.

ومن هنا كانت الفئة القليلة الواثقة بالله تغلب في النهاية، وتنتصر؛ ذلك بأنها تمثل إرادة الله العليا في دفع الفساد عن الأرض، وتمكين الصلاح في الحياة، إنها تنتصر؛ لأنها تمثل غاية عليا تستحق الانتصار» 60.

ويدفع الله عز وجل «شر الطائفتين بخيرهما، كما دفع المجوس بالروم النصارى، وهذا كما قال تعالى: {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251] » 61.

«ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، ويكف بهم فسادهم لغلب المفسدون، وفسدت الأرض، وبطلت منافعها، وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض» 62.

ثالثًا: الكشف عن عمل المفسدين:

كشف الله سبحانه وتعالى عن المفسدين في كتابه الكريم؛ لأنه عليم بهم.

قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63] .

وقال: {وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ} [يونس: 40] .

وممن كشف الله سبحانه وتعالى عنهم للمؤمنين اليهود وعملهم بالفساد، قال تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] .

فكشف الله سبحانه وتعالى للمؤمنين عن سجايا اليهود حتى يكونوا على بينة منهم، فمن طبيعتهم وأخلاقهم وأعمالهم أنهم كلما عقدوا أسبابًا يكيدون بها للإسلام وأهله، وكلما أبرموا أمورًا يحاربون بها يبطلها الله ويرد كيدهم عليهم، ويحيق مكرهم السيئ بهم، ومن سجيتهم أنهم -دائمًا- يسعون في الإفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته، «وعلة عدم محبة الله سبحانه وتعالى لهم أنهم يفسدون أنفسهم بشناعات أعمالهم، ويفسدون الناس بحملهم على الفواحش» 63.

وإيقاد نيران الحرب والفتن والقتال بمحاولة منع اجتماع كلمة العرب، وخروجهم من الأمية إلى العلم، ومن الوثنية إلى التوحيد، وبالكيد للمؤمنين، وتشكيكهم في الدين؛ حسدًا لهم، وحبًا في دوام امتيازهم عليهم، والله لا يحب المفسدين في الأرض، فلا يصلح عملهم، ولا ينجح سعيهم؛ لأنهم مضادون لحكمته في صلاح الناس وعمران البلاد 64.

وإذا رأينا اليوم اليهودية العالمية توقد نار الحرب على البلاد الإسلامية، وتسعى في الأرض فسادًا وتفلح! فينبغي ألا ننظر إلى فترة قصيرة من الزمان، ولا إلى مظهر لا يشتمل على الحقيقة كاملة. فمفتاح الموقف كله في وجود العصبة المؤمنة، التي يتحقق لها وعد الله. فأين هي العصبة المؤمنة اليوم، التي تتلقى وعد الله، وتقف ستارًا لقدر الله، ويحقق الله بها في الأرض ما يشاء؟

ويوم تفيء الأمة المسلمة إلى الإسلام، تؤمن به على حقيقته، وتقيم حياتها كلها على منهجه وشريعته،

يومئذ يحق وعد الله على شر خلق الله. واليهود يعرفون هذا، ومن ثم يسلطون كل ما في جعبتهم من شر وكيد، ويصبون كل ما في أيديهم من بطش وفتك، على طلائع البعث الإسلامي في كل شبر من الأرض، ويضربون -لا بأيديهم ولكن بأيدي عملائهم- ضربات وحشية منكرة، لا ترعى في العصبة المؤمنة إلًا ولا ذمة. ولكن الله غالب على أمره. ووعد الله لابد أن يتحقق.

إن هذا الشر والفساد الذي تمثله يهود، لابد أن يبعث الله عليه من يوقفه ويحطمه، فالله لا يحب الفساد في الأرض، وما لا يحبه الله لابد أن يبعث عليه من عباده من يزيله 65.

وإنا لنرى بفضل الله سبحانه وتعالى هذه العصبة في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، تنمو وتزداد وتقوى شوكتها، وهي -بإذن الله- الأمل بعد رعاية الله وحفظه لها في القضاء على اليهود، وتطهير الأرض منهم، ومن فسادهم ومن أمثالهم، فنسأل الله لهم العون والتأييد.

وفي معرض حديث القرآن عن المنافقين، واعتقادهم الباطل أنهم مصلحون، أخبر الله عنهم أنهم هم المفسدون، وأعلم المؤمنين أن المنافقين مفسدون.

قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11 - 12] .

فقوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} إثبات لفسادهم وفضح لسعيهم؛ لأن الكفر فساد في الأرض؛ إذ فيه كفران نعمة الله، وإقدام كل أحد على ما يهواه؛ لأنه إذا كان لا يعتقد وجود الإله ولا يرجو ثوابًا ولا عقابًا تهارج الناس، ومن هذا ثبت أن النفاق فساد.

ودخول أداة الاستفتاح (ألا) على الجملة تنبه السامعين على الاهتمام بالخبر وإشاعته وإعلانه.

فوجب على المصلحين كشف فساد المنافقين وإعلانه وإشاعته بين الناس؛ حتى يأخذوا حذرهم، ولا يفتنوا بحلو كلامهم، ويعاملوهم معاملة العدو المتربص، كما قال الله: {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ} [المنافقون: 4] .

إن سنة الله عز وجل في الأفراد والجماعات قد مضت بأن يذوق المفسدون سوء عاقبة فسادهم.

قال تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الحشر: 15] ، أي: ذاقوا سوء أعمالهم. فالفرد إذا أفسد وظهر عليه آثار الفساد، ولم ينزل به العقاب الإلهي عقب فساده، فإنه يزداد غيًا وفسادًا، ولا يحسب للعواقب حسابًا، فيسترسل في ظلمه وفساده إلى أن يحيق به عذاب الله الشديد.

ولقد أمرنا الله عز وجل أن ننظر لنتأمل عاقبة المفسدين، وما حل بهم من الخزي والنكال، وأيضًا وجه أنظار وعقول المفسدين؛ ليعتبروا بما حدث للمفسدين من الأمم السابقة؛ حتى يكون رادعًا لهم عن العصيان والفساد.

قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 103] .

وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] .

فالخطاب في الآيتين تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ولمن بعده وسار على نهجه «بما حل بالمكذبين بالرسل» 66 من عاقبة أمرهم: «إذ نصر عبده ورسوله موسى عليه السلام عليهم، وهو فرد من شعب مستضعف مستعبد لهم، وهم أعظم أهل الأرض دولة وصولة وقوة، نصره عليهم: بإبطال سحرهم، وإقناع علمائهم، وسحرتهم بصحة رسالته و كون آياته من الله، ثم نصره بإرسال أنواع العذاب على البلاد، ثم بإنقاذ قومه، وإغراق فرعون، ومن اتبعه من ملئه و جنوده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت