أولًا: المعنى اللغوي:
مادة (كبر) تأتي على معانٍ متعددة، أهمها:
أنها تدل على خلاف الصغر، والكبر: معظم الأمر، والكبر: العظمة، وكذلك الكبرياء 1، والكبر والتكبر والاستكبار تتقارب، وأصل ذلك أن يستعمل في الأعيان ثم استعير للمعاني، ومنه ما اعتبر فيه المنزلة والرفعة، نحو: {الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد:9] .
وأكابر القوم رؤساؤهم، والكبيرة متعارفة في كل ذنب تعظم عقوبته، والجمع كبائر، وأكبرت الشيء: رأيته كبيرًا، والتكبير يقال لذلك، ولتعظيم الله تعالى بقولهم: الله أكبر، ولعبادته واستشعار تعظيمه 2،والكبرياء: الملك، كما في قوله تعالى: {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ} [يونس:78] 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
وقال الراغب الأصفهاني: «الكبر: الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه وذلك أن يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره» 4.
وقيل أيضًا: الحالة التي يكون عليها الإنسان من الترفع والتعالي على الآخرين واحتقارهم، والتمنع عن قبول الحق معاندة وجحودًا وإنكارًا.
وهذا التعريف يشمل الاستكبار الناتج عن تعالي النفس واستصغارها للغير، سواء أكان ذلك حقًا أم باطلًا، وكذلك الحديث عن عدم قبول الحق والخضوع له، وهذا هو مفهوم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الكبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس) 5.
وردت مادة (كبر) في القرآن الكريم (154) مرة، يخص موضوع البحث منها (75) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 29 ... {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ} [الأعراف:75]
الفعل المضارع ... 13 ... {فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا} [الأعراف:13]
اسم الفاعل ... 13 ... {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) } [المؤمنون:67]
المصدر ... 2 ... {إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر:56]
وجاء الاستكبار في القرآن بمعناه في اللغة وهو: استعظام الإنسان نفسه، واستحسان ما فيه من الفضائل، والاستهانة بالناس، واستصغارهم، والترفع على من يجب التواضع له 7.
الاستنكاف:
الاستنكاف لغةً:
نكف عن الشيء نكفًا: امتنع أنفة، وأنكفه: نزهه عما يستنكف منه، واستنكف عن العمل: امتنع مستكبرًا 8.
الاستنكاف اصطلاحًا:
«هو الامتناع والانقباض عن الشيء حمية وعزة» 9.
الصلة بين الاستكبار والاستنكاف:
فرق الزجاج بين التكبر والاستنكاف فقال: الاستنكاف تكبر فيه أنفة، وليس في الاستكبار ذلك 10، فإذا اقترن التكبر مع الأنفة كان استنكافًا؛ لذا كان الاستنكاف أوسع دلالة وأعلى رتبة من الاستكبار.
قال أبو السعود: «والاستكبار دون الاستنكاف المنبئ عن توهم لحوق العار والنقص من المستنكف عنه» 11.
العجب:
العجب لغةً:
العجب بالضم: الزهو والكبر، ورجلٌ معجبٌ: مزهوٌ بما يكون منه حسنًا أو قبيحًا، وقيل: المعجب، الإنسان المعجب بنفسه أو بالشيء، وقد أعجب فلان بنفسه إذا ترفع وتكبر فهو معجب برأيه وبنفسه. والاسم: العجب، وهذه المادة مما تدل عليه كبر واستكبار للشيء 12.
العجب اصطلاحًا:
مسرة بحصول أمر، يصحبها تطاول به على من لم يحصل له مثله، بقول أو ما في حكمه، من فعل، أو ترك، أو اعتقاد.
الصلة بين الاستكبار والعجب:
«الفرق بين العجب والكبر: أن العجب بالشيء شدة السرور به حتى لا يعادله شيء عند صاحبه، تقول: هو معجب بفلانة إذا كان شديد السرور بها، وهو معجب بنفسه إذا كان مسرورًا بخصالها، ولهذا يقال: أعجبه، كما يقال: سُرَ به، فليس العجب من الكبر في شيء» 13،فالعجب ليس هو الكبر، وإنما هو أحد أسبابه الداعية إليه 14.
الاستعلاء:
الاستعلاء لغةً:
العين واللام والحرف المعتل أصل واحد يدل على السمو والارتفاع، ومن ذلك: العلاء والعلو، ويقولون: تعالى النهار، أي: ارتفع 15.
الاستعلاء اصطلاحًا:
طلب العلو المذموم، وقد يكون طلب العلا أي الرفعة، وقوله: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى} [طه:64] ، يحتملهما 16.
الصلة بين الاستكبار والاستعلاء:
الاستعلاء يشترك مع الاستكبار في معناه المجازي، ويفترق عنه في معناه الحقيقي، فأصل الكلمة أن تستعمل في الحقيقة على معنى الارتفاع ضد السفل، ثم تجوز بها عن التكبر والاستيلاء على وجه الظلم 17، وقد وصف الله تعالى بالاستعلاء بعض خلقه في الحق تارة، وفي الباطل تارة أخرى، ولم يصف أحدًا بالاستكبار على الوجه المحمود.
العتو:
العتو لغةً:
عتا يعتو عتوًا وعتيًا: استكبر وجاوز الحد. والعتا: العصيان، والعاتي: الجبار، وجمعه عتاةٌ، والعاتي: الشديد الدخول في الفساد، المتمرد الذي لا يقبل موعظة 18.
العتو اصطلاحًا:
العتو: عبارة عن الإباء والعصيان 19، ومجاوزة الحد فيه بحيث لا يتأثر معه القلب بالموعظة ولا يقبل النصيحة.
قال تعالى حكاية عن بني إسرائيل وقد بلغ العتو فيهم مبلغه: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) } [الأعراف:166] .
والعتو هنا بمعنى التكبر، أي: «فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه» 20.
الصلة بين الاستكبار والعتو:
الفرق بين العتو والاستكبار واضح في أن العتو أعلى درجات الاستكبار، فإذا تجاوز المستكبر الحد في العصيان والتمرد، بحيث انغلق قلبه عن الموعظة وسماع النصيحة صار عاتيًا.
التواضع:
التواضع لغةً:
الوضع ضد الرفع، وضعه يضعه وضعًا وموضوعًا، والضعة: الذل والهوان والدناءة، والتواضع: التذلل وتواضع الرجل: ذل 21.
التواضع اصطلاحًا:
«تذلل القلوب لعلام الغيوب بالتسليم لمجاري أحكام الحق» 22.
الصلة بين الاستكبار والتواضع:
التواضع ضد الاستكبار، فالأول محمود، والثاني مذموم.
الكبرياء والعظمة لا يكونان إلا لله تعالى وحده لا يشاركه فيهما أحد، فليس للعبد الحق في أحدهما -فضلًا عن كليهما-، إذ هما من خصائص العلي الكبير سبحانه؛ لذا تقررت هذه العقيدة في آيات من كتاب الله تعالى، منها الآية الخاتمة لسورة الجاثية: {وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37) } [الجاثية:37] .
بعد أن ذكر سبحانه في مطلع السورة من مظاهر العظمة والكبرياء، وتوعد المستكبرين عن آياته بالعذاب الأليم، وقد تحقق هذا الوعيد قبيل ختام السورة الكريمة فقال: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) } [الجاثية:31] .
فكان سبب عذابهم أنهم نازعوا الله تعالى شيئًا من خصائصه وهو الكبرياء، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه الشهير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار) 23.
وقد تأكدت هذه الحقيقة في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) } [الحشر:23] .
إنه سبحانه وتعالى ينزه نفسه عن أن يشاركه أحد في كبريائه، فهو المتكبر وحده، وكل من دونه فهو صغير حقير أمام عظمته جل جلاله.
«إن المخلوقين قد يتكبرون ويدعون مشاركة الله في هذا الوصف؛ لكنه سبحانه منزه عن التكبر الذي هو حاصل للخلق؛ لأنهم ناقصون بحسب ذواتهم، فادعاؤهم الكبر يكون ضم نقصان الكذب إلى النقصان الذاتي، أما الحق سبحانه فله العلو والعزة، فإذا أظهره كان ذلك ضم كمال إلى كمال، فسبحان الله عما يشركون في إثبات صفة المتكبرية للخلق.» 24.
اقتران اسم الله الكبير بالعلي:
ورد اسم الله (الكبير) في خمسة مواضع من الكتاب العزيز، وجميع هذه المواضع اقترن فيها هذا الاسم بالعلو؛ ففي سورة الرعد قال: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) } [الرعد:9] .
أما {الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} فقد وردت في أربع سور هي: الحج، لقمان، سبأ، وغافر، وهذه المواضع هي:
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) } [الحج:62] .
وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (30) } [لقمان:30] .
وقال تعالى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) } [سبأ:23] .
وقال تعالى: {ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) } [غافر:12] .
وكما هو ملاحظ من الآيات أن جميعها جاءت في سياق الوحدانية والتفرد في المشيئة، وبما يؤكد أن الكبرياء والعظمة والعلو لله وحده لا شريك له، وأن ما دونه فهو مربوب مقهور.
عند النظر في كتاب الله تعالى نجد أن استكبار العبد يرجع إلى أسباب متعددة، نقف عليها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الكفر:
«الكفر: تغطية ما حقه الإظهار، والكفران: ستر نعمة المنعم بترك أداء شكرها. وأعظم الكفر: جحود الوحدانية أو النبوة أو الشريعة. والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر» 25.
فالكافر: هو من جاءه الحق من الله تعالى على لسان الرسل أو من ينوب منابهم في مهمة الدعوة إلى الله، فاستكبر عن الخضوع والإذعان له، وتمرد وتعالى عليه، وجحد نعمة الدين، وأبى أن يكون من الموحدين التابعين له.
إن الله تعالى قد وصف قومًا من أهل النار بأنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها، وأنهم كانوا من الكافرين.
قال تعالى: {بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) } [الزمر:59] .
وذكر تعالى أن عادًا جحدوا آيات الله، وتمادوا في عتوهم وعنادهم، فكان كفرهم وجحودهم سببًا في استكبارهم بغير الحق، وكان استكبارهم سببًا في عذابهم وهلاكهم.
قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:15 - 16] .
وأخبر تعالى عن قوم نوح عليه السلام، وقد وصل بهم العناد والجحود والكفر إلى درجة بالغة، فكان ذلك الإصرار على الكفر سببًا لبلوغ الكبر عندهم إلى أعلى الدرجات، حتى صور الله حالهم بصورة تبين ذلك بأبلغ تصوير، فقال تعالى: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) } [نوح:7] .
فالكفر هو أحد الأسباب القوية لحصول الكبر، ومانع من الهداية إلى الإيمان.
ثانيًا: اتباع الهوى:
«الهوى: ميل النفس إلى الشهوة، ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية» 26.
ويطلق الهوى ويراد به المحبة، كما يطلق على الشيء المحبوب مبالغة، كما يكنى به عن الباطل والجور والظلم لما هو متعارف من الملازمة بين هذه الأمور وبين هوى النفس، فإن العدل والإنصاف ثقيل على النفوس فلا تهواه غالبًا،» وهوى النفس يكون في الأمور السهلة عليها، الرائقة عندها، ومعظم الكمالات صعبة على النفس؛ لأنها ترجع إلى تهذيب النفس والارتقاء بها عن حضيض الحيوانية إلى أوج الملكية» 27.
ولما كان الاستكبار مما تهواه النفس وتميل إليه؛ كان الهوى سببًا له، وسبيلًا إليه، وقد أخبر تعالى أن بني إسرائيل تمردوا على الحق لما جاءهم، وكذبوا رسلهم وقتلوهم، وسبب ذلك هوى النفس الذي ساقهم إلى الاستكبار والتمرد.
قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) } [البقرة:87] .
فهذه الآية الكريمة تكشف عن النفسية اليهودية المتمردة المتكبرة على رسل الله ودعاة الحق، فقد أخبر تعالى أنه أرسل إليهم رسله تترا، مؤيدين بالآيات الباهرات، والمعجزات البينات، وأيدهم بروح القدس جبريل عليه السلام، كل ذلك من أجل هدايتهم إلى دين الله القويم وصراطه المستقيم، والأخذ بأيديهم من موارد الردى والحرمان إلى نور الهداية والإيمان؛ رحمة بهم، وإشفاقًا عليهم، فبدلًا من أن ينصاعوا لأمر الله، ويستجيبوا لداعي الله، حملتهم الأنفة والكبرياء إلى معاندة كل ما لا يوافق هوى نفوسهم، وقتل كل داعٍ إلى الفضيلة وترك الرذيلة، وهذه النفسية لا تقف عند حدٍ زمني، أو تنقطع عند حدٍ مكاني، وإنما لها صورة مستنسخة عبر العصور وتعاقب الأجيال، لا يكسر كبرياءهم إلا قوة الحق، وقد كسر ومرغت أنوفهم في التراب حتى سمع لأعتاهم قوة عويل.
ثالثًا: إنكار البعث:
بعث الأجساد بعد فنائها عقيدة لا يماري فيها إلا معاند مكابر جهول، فقد ثبت يقينًا بالأدلة النقلية والعقلية وفي الواقع ما يؤكد البعث والنشور، ويبرهن عليه بأبلغ برهان، وفي القرآن-خاصة المكي منه- بيان شافٍ لهذه الحقيقة، ومجادلة قوية لمنكريها، فهي إحدى كبريات العقيدة الثلاث التي كان ينكرها المشركون-التوحيد والرسالات والبعث-.
وقد كشف القرآن الكريم عن أن إنكار البعث سبب من الأسباب التي تؤدي إلى الاستكبار والتعاظم والتمرد على الحق، فقال جل جلاله: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) } [الفرقان:21] .
والمراد بقوله {الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} «يريد: لا يخافون البعث ولقاء الله، أي لا يؤمنون بذلك.» 28 فكان إنكارهم للبعث سببًا في إضفاء صفة الاستكبار عليهم، وإلصاق هذه التهمة بهم، وتميزهم بها عن غيرهم.
رابعًا: الحسد:
الحسد مرض من أمراض القلوب المؤدية إلى المهالك؛ ومنه ما هو محمود، وهو ما يسمى (غبطة) ، وهو أن يكون لأخيك نعمة لا تحب زوالها ولا تكره وجودها ودوامها، ولكن تشتهي لنفسك مثلها، وهذا مباح لا إثم فيه.
والآخر مذموم: وهو أن تكره تلك النعمة وتحب زوالها، وهذه الحالة تسمى حسدًا. فالحسد حده: كراهة النعمة وحب زوالها عن المنعم عليه، وهو محرم 29.
والمقصود في هذا المبحث من هذين المعنيين هو الثاني؛ لأنه الذي يؤدي إلى الكبر؛ كما حدث مع إبليس اللعين حين أمر بالسجود لآدم عليه السلام فأبى واستكبر؛ وعلل امتناعه عن السجود بأنه خير من آدم، واستدل على ذلك بأصل الخلقة، فقاس أصل خلقته بأصل خلقة آدم عليه السلام، فقال: أنا خير منه، وما منعه إلا الكبر، وما كان سببه في الحقيقة إلا الحسد. ويصور القرآن ذلك المشهد فيقول الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) } [الأعراف:11 - 13] .
قال قتادة: «حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناري وهذا طيني، فكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم» 30.
وعن جنادة بن أبي أمية قال: أول خطيئة كانت الحسد، حسد إبليس آدم أن يسجد له حين أمر، فحمله الحسد على المعصية 31.
فالحسد قد تسبب عنه الكبر الذي جعل إبليس يأبى السجود لآدم عليه السلام طاعة لأمر الله، وقبولًا للحق، لذا قال حجة الإسلام الغزالي: «ويدعو الحسد أيضًا إلى جحد الحق، يمنع من قبول النصيحة وتعلم العلم، فكم من جاهل يشتاق إلى العلم وقد بقي في رذيلة الجهل؛ لاستنكافه أن يستفيد من واحد من أهل بلده أو أقاربه حسدًا وبغيًا عليه، فهو يعرض عنه ويتكبر عليه مع معرفته بأنه يستحق التواضع بفضل علمه، ولكنه الحسد يبعثه على أن يعامله بأخلاق المتكبرين، وإن كان في باطنه ليس يرى نفسه فوقه» 32، فالحذر الحذر منه.
خامسًا: القوة المادية:
القوة المادية من أهم الأسباب التي تدعو إلى التكبر والتمرد على الحق، والتعالي على العباد، واستحقارهم والاستخفاف بهم.
ولعل الناظر في كتاب الله تعالى يجد نماذج متعددة حول هذه القضية، فقد ذكر لنا القرآن من شأن موسى وفرعون ما يؤكد أن القوة المجردة عن إيمان صاحبها تسوقه إلى الكبرياء والتعاظم على الآخرين، واحتقارهم واستصغارهم، والنظر إليهم نظر شزرٍ.
قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) } [المؤمنون:45 - 48] .
فهذه النظرة الفرعونية إلى موسى وقومه على أنهم عبيد له ولملئه تنم عن كبر في نفوسهم، وتعاظم وتعالٍ، وسبب هذه النظرة هو ما هم عليه من القوة المفرطة، والسلطان والفاجر. وقد عبر القرآن الكريم عن هذا الكبر لدى فرعون في موضع آخر؛ حيث قال: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) } [الزخرف:51 - 53] .
فهذه النظرة الدونية من فرعون لموسى عليه السلام سببها ما كان عليه فرعون من القوة والسلطان.
وقد سبق فرعون قوم هود عليه السلام فيما ذكر القرآن الكريم من أخبارهم، وقص علينا من أنبائهم، إذ إنهم استكبروا وجحدوا آيات الله، وكان سبب هذا التمرد والتكبر والطغيان هو ما كانوا عليه من القوة الشديدة، فاغتروا بهذه القوة وتكبروا على الحق، فأهلكهم الله.