فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 2431

الأبوة

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل الأب في اللغة: التهيؤ والقصد، يقال: أب الرجل، إذا تهيأ للذهاب وقصد، والأب: النزاع إلى الوطن، ويقال: أبوة القوم، أي: كنت لهم أبًا، والأب: الوالد، والأبوان: الأب والأم، أو الأب والجد، أو الأب والعم، أو الأب والمعلم، أو الجد والجدة، ولا يرد الأب بمعنى المربي أو العم إلا بقرينةٍ 1.

ويتبين مما سبق أن الأبوة كلمة تحتمل عددًا من معاني التهيؤ والقصد للاحتضان الاجتماعي والتربوي، والتعبدي، وكافة مناحي الاحتضان، وإن كان أخص خصوصيات الأبوة هو أبوة الدم؛ إذ إنها حقيقته.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

ذكر غير واحدٍ تعريفًا اصطلاحيًا للأب، ويتضح أن ثمة فرقًا بين الأب والأبوة، فقد يكون أبًا في الدم، ويتنصل من واجباته تجاه بنيه في الأبوة من تهيؤ كامل بقصد للاحتضان التربوي والاجتماعي والتعبدي بما ينفع عند الله تعالى.

ومن التعريفات الاصطلاحية التي ذكرت الأب، ما يأتي:

تعريف الجرجاني رحمه الله بأنه: «حيوان يتولد من نطفته شخص آخر من نوعه» 2.

ولم يختلف تعريف الكفوي عن تعريف الجرجاني، حيث قال: «إنسان تولد من نطفته إنسانٌ آخر» 3.

وعرفه المناوي رحمه الله بأنه: «كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره» 4.

وردت مادة (أبو) في القرآن الكريم (117) مرة 5.

والصيغ التي وردت عليها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المفرد ... 46 ... (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَ?كِنْ رَسُولَ اللَّهِ) [الأحزاب:40]

المثنى ... 7 ... (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) [الكهف:80]

الجمع ... 64 ... (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّھ) [النور:31]

وأطلقت الأبوة في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 6:

الأول: الوالد بعينه: ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس:34 - 35] .

الثاني: العم: ومنه قوله تعالى: (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَ?هَكَ وَإِلَ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:133] . وإسماعيل كان عم يعقوب.

الثالث: الجد: ومنه قوله تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ?) [الحج:78] . أي: جدكم.

الألفاظ ذات الصلةوالد:

الوالد لغةً:

الأب، وتوالدوا، أي: كثروا وولد بعضهم بعضًا، ويقال: الوالدان، أي: الأب والأم معًا 7.

الوالد اصطلاحًا:

ما تولد واستبقي من نطفته ما يتوقع ذهابه بصورة منه، تخلف صورة عنه 8.

الصلة بين الأب والوالد:

الوالد أخص من مصطلح الأبوة؛ إذ إن الأبوة تعني كل معاني التهيؤ والقصد للاحتضان بكافة أنواعه، فتجوز أن تكون في حق الجد والعم والمربي، أما الوالد فهو الأب الأدنى.

الوالدة:

الوالدة لغةً:

الأم، يقال: ولدت المرأة ولادًا وولادةً، وأولدت: حان ولادها 9، وولدته أمه ولادة وإلادةً على البدل، فهي والدة على الفعل، ووالدٌ على النسب 10.

الوالدة اصطلاحًا:

هي التي تضع ولدها المولود 11.

الصلة بين الأب والوالدة:

الأب الأقرب هو زوج الوالدة التي تضع المولود.

الأم:

الأم لغةً:

أم الشيء أصله، والأم: الوالدة 12.

الأم اصطلاحًا:

اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم الدنيا ومن فوقها وإن علون 13.

الصلة بين الأب والأم:

الأم والأب منهما يتكون الولد، فهما الوالدان اللذان يقومان على رعاية الأبناء.

الجد:

الجد لغةً:

الاجتهاد والعظمة والقطع، كما يقال: جد في سيره، وتطلق غالبًا على أبي الأب وأبي الأم وإن علا 14.

الجد اصطلاحًا:

أبو الأب وأبو الأم وإن علا.

الصلة بين الأب والجد:

الجد إذا كان في معنى النسب فإنه والد الأب، أو والد الوالدة، وإن علا، وإذا كان في معنى التقدير فإن الأب والجد كليهما يقدر؛ بل إنه يجوز أن يطلق عليهما (الأبوان) .

العم:

العم لغةً:

مأخوذ من الشمول، ويطلق على أخي الأب، ويجمع على أعمام وعمومة، وتطلق العمومة على الجماعة الكثيرة من الناس 15.

العم اصطلاحًا:

أخو الأب الذي يشمل صفات الأبوة في التهيؤ والقصد للاحتضان بكافة أنواعه.

الصلة بين الأب والعم:

العم والأب يتفقان في جواز إطلاق الأب على كليهما، وإن كانت حقيقة الأبوة في الأب الأدنى، كما يجوز إطلاق الأبوين عليهما معًا، ويختلفان في النسب بأن كل واحد منهما له أحكام خاصة، من ذلك المصاهرة والمحارم، وغير ذلك.

تبين من خلال التأمل في الآيات القرآنية أن الأبوة الأولى كانت في حق أبينا آدم صلى الله عليه وسلم، باعتباره أبًا للبشر، وأن أولى أبوات المسلمين الموحدين هي أبوة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم، باعتباره أبًا للمسلمين.

أولًا: أبوة آدم عليه السلام للبشر:

يظهر ذلك في قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ? إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ? إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَہ) [الأعراف:27] .

حيث تحدثت هذه الآية الكريمة عن فتنة أبي البشرية، نبي الله تعالى آدم عليه السلام، التي أغوي بها من قبل الشيطان الرجيم.

فقد بينت الآية السابقة أن الله تعالى أنزل على بني آدم لباسًا يستر العورات، وأن لباس التقوى هو خير من لباس الثياب، وأن ذلك الإنزال للباس إنما هو من آيات الله تعالى، الذي له صفات الكمال الدالة على فضله، ورحمته لعباده، ثم انتقال من الخطاب إلى الغيبة؛ لئلا يقول أحد، إن الحث على التذكر خاص بالمخاطب، ويدعي أنه المسلمون فقط.

ثم تأتي هذه الآية الكريمة؛ لتنادي نداءً آخر لبني آدم، مفاده التحذير من مغبة الوقوع في الفتنة والضلالة، التي يحرص على غرسها ذلك الشيطان، الذي تعهد بإغواء بني آدم، كما أغوى أباهم عليه السلام، وكانت نتيجة تلك الفتنة التي وقع في شركها أبونا آدم صلى الله عليه وسلم أن نزع منه الذي سترهما الله تعالى به، ما داما حافظين لأنفسهما من مواقعة ما نهيا عنه، فإن الشيطان وجنوده يرون البشر، أما البشر فلا يستطيعون رؤية الشياطين بما جعل الله تعالى لهم من خفة الأجساد، أو عدم الألوان.

والسؤال الذي يطرح، لماذا سلط علينا هؤلاء الشياطين، هذا التسليط العظيم، الذي لا يكاد يسلم معه أحد؟، والجواب أن الله تعالى سلط هؤلاء الشياطين، وجعلهم أولياء للذين لا يجددون الإيمان؛ لأن بين أولئك الذين لا يتفقدون إيمانهم وبين الشياطين تناسبًا في الطباع، من الشهوة والأهواء، وغريزة السيطرة والحسد والحرص، فتوجب هذه الطباع اتباعًا منهم لمصائد ومكائد الشياطين 16.

ويلاحظ في هذه الآية الكريمة ذكر الأبوين في حق آدم صلى الله عليه وسلم، وزوجه رحمها الله؛ لبيان أن الجد والجدة يجوز أن يطلق عليهما مصطلح الأبوين.

ثانيًا: أبوة إبراهيم عليه السلام للمسلمين:

يظهر ذلك في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ? هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ? مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ? هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَ?ذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ? فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ? فَنِعْمَ الْمَوْلَى? وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [الحج:78] .

فقد ذكرت الآية السابقة المؤمنين في نداء خاص لهم أن يتذللوا لله تعالى، وينكسروا له بالركوع والسجود، وأن يعبدوه عبادةً تمتلئ ذلًا وحبًا لله تعالى، وأن يجتهدوا في فعل الخيرات؛ حتى يتحصلوا على النجاح في الدنيا والآخرة، ويستمر الأمر للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة؛ لأن يجاهدوا حق الجهاد أنفسهم، ومن ثم الكفار والظلمة، على كافة أشكالهم وأنواعهم 17.

وحق الجهاد هو ما كان في سبيل الله تعالى، وليس في سبيل أحد من المخلوقات، فالله تعالى اختار المسلمين من أتباع الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لحمل دينه، وما جعل الله تعالى على المسلمين في جميع أمور الدين من ضيق بتكليف ما يشق القيام به، كما كان على من قبلنا، فالله تعالى وسع دينكم أيها المسلمون توسيع ملة أبيكم إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

ويجوز أن يكون المعنى: فاتبعوا ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام.

ويجوز أن يكون المعنى: وما جعل عليكم في الدين من حرج، أعني: ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام.

وتستأنف الآية الكريمة ببيان عظمة مكانة المسلمين عند الله تعالى، بأن الله تعالى وحده هو الذي سماهم المسلمين من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة 18؛ ليكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم شهيدًا على المسلمين يوم القيامة؛ لتبليغ هذا الدين.

وتكونوا أنتم أيها المسلمون شهداء على الناس بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغهم به؛ فالمطلوب منكم هو أن تلتزموا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تسألوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط منه الله تعالى ويكره، فالله تعالى حتمًا هو الناصر ولا ناصر غيره، فهو نعم المولى ونعم النصير للمسلمين الصادقين 19.

وفي الآية بيان أن نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم هو أبو المسلمين؛ لأن حرمته على المسلمين مثل حرمة الوالد 20، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم مثل الوالد) 21، وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أبًا لأمته.

يتناول هذا المبحث أنواع الأبوة في القرآن من حيث الصلاح والضلال، فمن الآباء من يتصف بالصلاح، ويكونون عونًا لأبنائهم في طاعة الله تعالى، ويجعلهم الله سببًا في نجاتهم من غضب الله تعالى، ومن عقابه، ويوجد آباء ضالون يكونون سببًا في وقوع الأبناء في غضب الله تعالى وفي عقابه.

أولًا: الأبوة الصالحة:

ذكر القرآن الكريم نماذج متعددة من الأبوة الصالحة، ويمكن الوقوف على نموذجين، أحدهما لنبي الله تعالى يعقوب صلى الله عليه وسلم مع ابنه النبي يوسف صلى الله عليه وسلم وإخوته، والآخر للقمان الحكيم رحمه الله.

أما النموذج الأول، فقد ورد ذلك في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) [يوسف:4] .

حيث بين الله تعالى في الآية السابقة لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه جل جلاله أعلمه عن نبأ يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، إذ إنه قال لأبيه يعقوب عليه السلام: يا أبت إني رأيت في منامي أحد عشر كوكبًا -ورؤيا الأنبياء وحي-22، رأيتهم لي ساجدين، وتأتي الآية التالية؛ لتبين أن نبي الله يعقوب صلى الله عليه وسلم كان يشعر من بنيه حسد نبي الله يوسف صلى الله عليه وسلم، وبغضهم له، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم؛ حتى لا يشعل بذلك غل صدورهم 23.

وإن تفضيل نبي الله يعقوب عليه السلام لابنه النبي يوسف عليه السلام كان تفضيلًا شرعيًا، وليس لأجل دنيا، وهذا توجيهٌ للآباء عمومًا، بأن تكون المفاضلة بين الأبناء على أساس الدين، ومقدار التمسك به.

كما أنه يلاحظ تحسس الأب لنوايا أبنائه، ومراقبة العلاقة بين الأبناء، كما بينت الآية ذلك، من خلال بيان تصرف يعقوب عليه السلام مع الرؤيا التي قصها عليه ابنه النبي يوسف عليه السلام.

وإن أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء؛ إذ إن الحسد الدنيوي وعقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتوافر على قتله ليس من صفات الأنبياء 24، بل إن فعل كل ما سبق معصوم منه النبيون والمرسلون.

وإن عداوة الشيطان للإنسان عمومًا بينة واضحة، لا تخفى على أحد من البشر، فهو يدخل الناس في عداوة مطلقة مع الحق، ويحرف العلاقة الحميمة المفترضة بين الوالد وولده؛ لتصبح علاقة سيئة يشوبها الخلاف والشقاق، كما أظهرت الآيات كيد أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام لأخيهم نبي الله يوسف عليه السلام.

وأما النموذج الثاني، فقد ورد ذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ?12? وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ?13? وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ?14? وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ?15? يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ?16? يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ?17? وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?18? وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان:12 - 19] .

حيث تبين هذه الآيات الكريمة أن الله تعالى قد أعطى لقمان الحكيم رحمه الله نعمة الفقه والعقل والإصابة في القول في غير نبوة؛ حتى يشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة، فأما المؤمن مثل لقمان رحمه الله فيشكر؛ إذ إن نتيجتها راجعة إليه 25.

فـ «من جعل كفر النعم مكان شكرها، فإن الله غني عن شكره، غير محتاج إليه، حميد مستحق للحمد من خلقه؛ لإنعامه عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد من خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان الحال» 26.

واذكر يا أيها النبي حين قال لقمان الحكيم لابنه، مرغبًا له في التوحيد، وصاده عن الشرك: يا بني لا تشرك بالله.

وأما قوله: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، فيجوز (إِنَّ) تعليلية، وتكون الجملة من قول لقمان الحكيم رحمه الله، ويجوز أن تكون تقريرية، وتكون من قول الله تعالى؛ لتقرير هذه الحقيقة 27.

وأثناء ذكر القرآن الكريم لوصية لقمان الحكيم رحمه الله يأتي كلام مستأنف في آيتين؛ لبيان توصية الله تعالى وأمره للإنسان بوالديه اللذين هما الأب والأم، حملته أمه ضعفًا على ضعف، وإرضاعه في عامين، أن اشكر لي يا أيها الإنسان باتباعك لديني التوحيدي، وأن اشكر لوالديك اللذين هما سبب وجودك بعد قدري، وإلي المرجع والمآل، فإن التزمت الشكر لي ولوالديك، فأجزيك الخير كله، وإلا فإن عذابي شديد.

وإن جاهداك على أن تشرك بالله تعالى، وأن تجعل مع الله ندًا في استحقاق العبادة فيما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما في ذلك، ولكن لا يمنعك عدم طاعتهم في الشرك من مصاحبتهما في الأمور الدنيوية، من البر بهما، والحرص على تهنئتهما في الحياة المعيشية، ودعوتهم المتكررة إلى النجاة من غضب الله تعالى، أما الاتباع في الدين فهو اتباع طريق من أناب إلى الله تعالى بالتوحيد، ثم إلى الله تعالى مرجعك أيها الابن، ومرجع أبويك، ومرجع من أناب إلى الله تعالى بالتوحيد، فينبئ الجميع عند رجوعهم بما كانوا يعملون من خير أو شر 28.

ثم تأتي الآية السادس عشرة من السورة؛ لبيان تكملة الخطاب الموجه من لقمان الحكيم رحمه الله إلى ابنه، بقوله: «يا بني: إن الحسنة أو السيئة للإنسان إن تكن مثلًا في الصغر كحبة الخردل، فتكن في أخفى مكان كقلب صخرة أو في السماوات أو في الأرض يظهرها الله ويحاسب عليها، إن الله لطيف لا تخفى عليه دقائق الأشياء، خبير يعلم حقائق الأشياء كلها» 29.

ثم تأتي الآية السابع عشرة من السورة؛ لبيان استمرار دعوة لقمان الحكيم رحمه الله لابنه، بضرورة الصبر على ما يصيب الداعية من الأذى في سبيل الله تعالى، إذا هو أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فإن الصبر على المحن يورث المنح، ووجه تخصيص هذه الطاعات أنها أمهات العبادات، وعماد الخير كله، فإن فعل ذلك مما جعله الله تعالى عزيمة، وأوجبه على عباده، وحتمه على المكلفين، ولم يرخص في تركه 30.

ثم يستمر الوعظ من لقمان الحكيم رحمه الله لابنه كما وضحته الآية الثامن عشرة، فيقول الله تعالى عن لقمان الحكيم رحمه الله: ولا تمل وجهك يا بني عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك؛ احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولا يكن مشيك في الأرض بين الناس في حال المختال المتبختر، فإن الله تعالى لا يحب كل متكبر متباهٍ في نفسه، وهيئته وقوله 31.

ثم يستمر لقمان في النصح لابنه كما وضحته الآية التاسع عشرة، بقوله: يا بني ليكن مشيك ذا قصدٍ في النية والعمل؛ ففي النية لا تسع إلا في الخير، وفي العمل ليكن المشي باعتدال وتوسط، فإذا التزمت بالوقار في المشي فأتم ذلك بغض الصوت، وإنقاصه، وعدم ارتفاعه، وإن كان في حسن يستحسنه السامعون؛ فإن أنكر الأصوات هو صوت الحمير عمومًا 32.

وإن لقمان الحكيم رحمه الله كان شديد الغيرة على أولى الناس به، وهم الأبناء؛ حيث إنه رحمه الله برهن على شكره لله تعالى، وعدم كفره بنعمة الحكمة التي أعطيها من الله تعالى، من خلال الانطلاق للدعوة إلى الله تعالى، وأول ما بدأ بابنه، فدعاه إلى الله تعالى، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء:214] .

ويظهر من قوله: (يابنى) ، حيث كررها لقمان رحمه الله ثلاث مرات، اللين في العبارات كلها.

وتفيد هذه الآيات ضرورة ترتيب الداعية أبًا كان أو غير أب للأولويات في دعوته؛ حيث إن لقمان الحكيم رحمه الله بدأ بوعظ ابنه بترك الشرك، والتحلي بالتوحيد، ثم التعرف إلى قدرة الله تعالى، ثم الأمر بإقامة الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، ثم الأمر بالمعروف الذي هو تعاون على الخير، ثم النهي عن المنكر، الذي هو تعاون على اجتناب المنكرات والشرور، ثم الصبر في ذلك للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأجل الله تعالى، والتزامًا بالواجب، ثم التأدب مع الناس، فهو قدوة لهم، فإذا تكلم أو كلمه أحد لا يميل وجهه عنهم، ولا يتبختر، بل يتوسط في مشيته، ويخفض صوته، حتى لو كان يتكلم في حسن.

ويلاحظ أن ذكر الوصية بالوالدين في ثنايا قصة لقمان مع ابنه، بما يبين واجب الآباء على الأبناء.

ثانيًا: الأبوة الضالة:

ذكر القرآن الكريم في أكثر من موضع قصة نبي الله تعالى إبراهيم صلى الله عليه وسلم مع أبيه آزر، حيث إن الأب كان كافرًا، هو وقومه يعبدون من دون الله تعالى، فأشفق إبراهيم عليه السلام على أبيه من أن يقع في غضب الله تعالى، سيما في أخص خصوصيات العبادة، وهي توحيد الله تعالى.

فقال الله تعالى عنه: (وَلَقَد آتَينا إِبراهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنّا بِهِ عالِمينَ ?51? إِذ قالَ لِأَبيهِ وَقَومِهِ ما هذِهِ التَّماثيلُ الَّتي أَنتُم لَها عاكِفونَ ?52? قالوا وَجَدنا آباءَنا لَها عابِدينَ ?53? قالَ لَقَد كُنتُم أَنتُم وَآباؤُكُم في ضَلالٍ مُبينٍ ?54? قالوا أَجِئتَنا بِالحَقِّ أَم أَنتَ مِنَ اللّاعِبينَ ?55? قالَ بَل رَبُّكُم رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ الَّذي فَطَرَهُنَّ وَأَنا عَلى ذلِكُم مِنَ الشّاهِدينَ ?56? وَتَاللَّهِ لَأَكيدَنَّ أَصنامَكُم بَعدَ أَن تُوَلّوا مُدبِرينَ) [الأنبياء:51 - 57] .

حيث تبين هذه الآيات الكريمة أن نبي الله تعالى أوتي الرشد والعلم والعناية والحفظ والرعاية من الله تعالى، ومن علامات ذلك أنه أشفق على أبيه وقومه، وقال: ما هذه الأشياء المصورة المصنوعة المشبهة بخلق من خلائق الله تعالى، التي أنتم لها مقبلون، وملازمون لها ومعظمونها 33.

فأجابه أبوه وقومه: إننا وجدنا آباءنا لها عابدين، فبقينا على ذلك الأمر، فأجابهم إجابة الراشد المعلم من الله تعالى: لقد كنتم في عبادتكم هذه أنتم وآباؤكم الذين ابتدعوا والتزموا تلك العبادة في خطأ بين؛ حيث تعبدون حجارة لا تضر ولا تنفع، وتقليد من هو في خطأ بين يعتبر خطأً بينًا.

فظن أبوه وقومه في بداية الأمر أن نبي الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم يلاعبهم، وأرادوا أن يتأكدوا فقالوا: أجئتنا بعلم مستند على دليل قطعي أم أنت في هذا القول من اللاعبين؟

فأجابهم: إن ربكم الذي هو رب السماوات والأرض الذي خلقهن على غير مثالٍ سبق، وأنا على تلكم الحقائق من الشاهدين، بما آتاني الله تعالى من وحيٍ ورشدٍ وعلم، وأقسم بالله تعالى أن يفعل بالأصنام التي يعبدونها سوءًا، أو يجتهد في كسرها بنوعٍ من الاحتيال 34.

وإن التقليد الأعمى للآباء قد يورث نار جهنم؛ لذلك فإن الأبوة عند المسلمين يجب أن ترتكز على حسن الصحبة في شئون الدنيا لآباء الدم، ومن ثم حسن الصحبة في شئون الآخرة لآباء العلم والدعوة سواء أكانوا آباء دم أو غيرهم.

وأهل الباطل آباء كانوا أو غير ذلك، لا يمتلكون حجة، بقدر ما يسيطر عليهم الجهل المركب، حيث إن الآيات تبين أنهم سألوه: هل تقول حقًا أم أنت من اللاعبين؟

ويؤكد هذا ما ورد في قوله تعالى: (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ? لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ? وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) [مريم:46] .

يركز هذا المبحث على بيان معالجة القرآن الكريم لظاهرة اتباع الأبوة، سواء أكانت الأبوة صالحة أم ضالة؛ إذ قد يتولد على اتباع الأبوة الصالحة أبناء خيرين محبين للدين، وقد يتولد أبناء سوء، وهذا على التغليب، وليس الحصر.

أولًا: اتباع الأبوة الصالحة:

ويظهر ذلك في قوله تعالى: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَ?هَكَ وَإِلَ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة:133] .

حيث تأتي هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن إبراهيم عليه السلام، وابنه إسماعيل عليه السلام حين دعوا أن يتقبل الله تعالى منهما رفع القواعد من البيت الحرام، وأن يجعلهما الله تعالى مسلمين له، ومن ذريتهما أمةً مسلمة لله تعالى، وأن يريهما مناسكهما، وأن يتوب عليهما إنه هو التواب الرحيم، وأن يبعث في هذه الأمة رسولًا منهم، يتلو عليهم آيات الله تعالى ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فإن الله تعالى هو العزيز الحكيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت